هذا الشعب لا ينسى من خدمه أيها الجنرال، كانت تلك آخر كلمات قالها أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطيًّا في تاريخ تركيا «عدنان مندريس» للجنرال «جمال جورسيلالذي» الذي انقلب عليه عام 1960، لم يعش مندريس بعد مقولته تلك إلا بضع دقائق، ثم تم إعدامه، إلا أن مقولته ظلت راسخة في أذهان الأتراك، فكانت كلمة السر في إفشال محاولة الانقلاب على الطيب أردوغان في عام 2016.

ولا يمكننا أن ننسى كلمات عبد الله غول الرئيس التركي السابق للشعب في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة على الجمهورية التركية: «اخرجوا لإنقاذ الديمقراطية فتركيا ليست دولة أفريقية أو في أمريكا الجنوبية، ولا يمكن تركها هكذا، أو القبول بانقلاب عسكري فيها، علينا الخروج»، فلم يكذب الشعب التركي خبرًا واستجاب لقياداته السياسية، ونزل إلى الشوارع لمنع تحرك المجنزرات والدبابات، ليشل أركان المنقلبين، ويوقِف محاولة انقلابهم. فما الذي جعل تركيا أنموذجًا حقيقيًّا في الدفاع عن الديمقراطية؟

تركيا ليست دولة أفريقية

لقد شكلت الظاهرة الانقلابية وما يتبعها من حكم العسكريين، أحد الملامح البارزة لتطور البلدان الأفريقية منذ بداية مرحلة ما بعد الاستقلال أوائل ستينيات القرن الماضي. إذ أصبح الضباط العسكريون أحد مكونات النخبة الحاكمة في كثير من البلدان. ولعل ذلك هو ما أسهم في تقويض أسس الحكم التعددي، لتحل محله نظم تسلطية أبوية. وعلى الرغم من الجدل النظري والأكاديمي حول طبيعة الحكم العسكري، وتأثيره في المجتمع بشكل عام، إلا أن فشل النخبة المدنية في إضفاء الشرعية على نظام حكمها، مع ضعف وهشاشة المؤسسات المدنية، يسهم في تشجيع الجيش على التدخل في الحياة السياسية.

لقد توقع الكثير من الاقتصاديين، وعلى رأسهم «جونار ميردال» الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974، أن قارة آسيا سوف تظل مثقلة بأعباء الفقر والتخلف في الوقت الذي تنطلق فيه أفريقيا نحو النهضة والرخاء. فما الذي حدث خطأ في أفريقيا؟

لقد استطاع «موليتسي مبيكي» الخبير السياسي بمعهد جنوب أفريقيا للمسائل الدولية، الإجابة على هذا السؤال حين قال: «تاريخ أفريقيا منذ الستينيات هو تاريخ مجموعة من النخب التي تسعى لتحقيق المملكة السياسية، بغية إثراء أنفسهم في المقام الأول. وقد أفضت عملية التكالب على الثروة إلى إخراج الجماهير الفقيرة والشرائح الأضعف من النخب السياسية. ولا شك أن هذا التنافس على الموارد المحدودة قد أدى إلى إثارة النزعات القبلية والإثنية والدينية التي كانت قائمة من قبل. وقد استغلت النخب السياسية الأفريقية مواقعها في السلطة من أجل تحقيق غاياتٍ ثلاث: أولها التمتع بمستوى معيشي مرتفع يوازي المستويات الغربية، وثانيًا: تنفيذ المشروعات الصناعية الخاسرة التي لم تتوفر لها الأدوات الإدارية والتقنية اللازمة، وثالثًا: تحويل فائض الأموال الضخم من الزراعة والتعدين إلى حسابات خاصة في البنوك الأجنبية، في ذات الوقت الذي تتم فيه الاستدانة من الدول المتقدمة».

على الجانب الآخر من المعادلة السياسية، نجد أن النخبة السياسية في تركيا نجحت في القضاء على الممارسات الفاسدة الناجمة عن «تسليع السياسة»، والتي لا تهدف إلا لإفقار الشعوب، وبالتالي لم يستطع الجيش خديعة الشعب التركي تحت مسمى «حماة الأمة». هذه المرحلة من النضج السياسي والثقافي في الشارع التركي أكدت فرضية الراحل «جون غارانغ»، زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان حين قال: «إن الجيش بحكم التعريف غير ديمقراطي. وعليه فإن الحديث عن الديمقراطية داخل الجيش معيب. إن العسكريين يتحركون بالأوامر سواء داخل الجيش الأمريكي، أو الجيش البريطاني، أو الحركة الشعبية لتحرير السودان. وبالتالي فإن الجيش لا يمكن أن يساعد في تأسيس الديمقراطية أو الدفاع عنها».

مستقبل العلاقات المدنية العسكرية في تركيا

اتبع الطيب أردوغان إستراتيجيات عدة لفرض مبدأ الرقابة المدنية، وحماية عملية التحول الديمقراطي، ومن ذلك الإقالة والإحالة للتقاعد لبعض قادة الجيش، وتعيين بعض القادة الموالين والموثوق بهم، والذين يفضلون قيم الاحتراف والمهنية. أضف إلى ذلك إصلاح وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، وإعادة تحديد رسالتها وأهدافها. وكذلك إرسال القوات العسكرية للمشاركة في بعثات حفظ السلام كإستراتيجية أخرى لإبعاد العسكريين عن العمل السياسي. إلا أن هذا لم يثنيه عن التعرض لمحاولة انقلاب. فما السبب في ذلك؟

فوفقًا لنظرية التوافق «Concordance Theory» عند دراسة العلاقات المدنية العسكرية لأي دولة، يجب الاهتمام بصفة أساسية بإرث تلك الدولة الثقافي والتاريخي، وكيف يؤثر هذا الإرث في كلٍّ من المؤسستين السياسية والعسكرية، إضافة إلى اهتمامها بالمجتمع كلاعب رئيسي في استقرار النموذج المناسب للعلاقات المدنية العسكرية لكل دولة، بجانب اللاعبين الآخرين، وهما المؤسسات العسكرية والمؤسسات السياسية. وتحقيق مثل هذه النظرية يكمن في قدرة الشركاء الثلاثة (المؤسسة العسكرية، والنخب السياسية، والمواطنين) على التوافق حول أربعة مؤشرات رئيسية للعلاقة فيما بينهم: أولها التركيبة الاجتماعية لجموع ضباط الجيش، وثانيًا: عملية صنع القرار السياسي، وثالثًا: آلية تعيين أو اختيار جنود وضباط الجيش، ورابعًا وأخيرًا: النمط العسكري. وقد حاول أردوغان اتباع تلك النظرية في بداية فترته الرئاسية الأولى، إلا أن تلك النظرية لم تجدِ نفعًا، وقد كللت في النهاية بمحاولة انقلاب عنيفة، وإن كانت فاشلة.

الأمر الذي قد يجعل أردوغان ينتقل لاتباع النمط الثاني في إدارة العلاقات المدنية العسكرية بتركيا، وهي نظرية الانفصال «Separation Theory»، والتي تخلص إلى فرضية رئيسية مفادها أن المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى منفصلة ماديًّا وأيديولوجيًّا عن المؤسسات السياسية بالدولة، وهذا بناءً على الاعتقاد بأن فصل المؤسسة العسكرية المحترفة عن السياسة لا يترك لها أي سبب للتدخل في السياسات والمؤسسات المدنية، ويقتضي فرض هذا الانفصال مجموعة من المؤسسات المدنية لديها القدرة على فرض السيطرة السياسية على القوات المسلحة للدولة.

لا يعد نمط الانفصال في العلاقات المدنية العسكرية توترًا مجتمعيًّا، وقد رد على ذلك «ديفيد كوهين» حين قال: «المجتمع يكون ممثلًا في الرأي العام، وبالتالي فإن الدعم الشعبي للنخب السياسية الحاكمة، وتحرك المجتمع المدني لدعم النخب السياسية على حساب النخب العسكرية يعد العامل الرئيسي لحسم التنافس المدني العسكري». وانطلاقًا من فرضية كوهين فإن الشعب التركي استطاع أن يضع حدًّا فاصلًا في تاريخ التنافس المدني العسكري في تركيا.

تركيا ترسم نظمًا سياسيةً جديدة

تجدر الإشارة إلى أن محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا أثبتت أن الشعوب الواعية هي الرادع الأوحد للتحديات الكبرى التي تواجهها الحكومات المنتخبية، حيث استطاع الشعب التركي أن يحطم فرضية الانقلابات العسكرية في النظم السياسية، وذلك في نقطتين رئيسيتين:

أولًا: اعتاد العسكر على تبرير تدخلهم في الحياة السياسية بشكل مباشر تحت دعاوى مختلفة، مثل فساد النظام الحاكم وسوء الإدارة وعدم الكفاءة من جانب السياسيين. إلا أن تجربة تركيا رسخت لقاعدة جديدة، ألا وهي انقضاء عهد هشاشة المجتمع، ومحدودية ثقافة المجتمع، وظهور عهد جديد يحكمه مؤشر الحكم الرشيد من خلال أربعة أبعاد شاملة هي: «الأمن وسيادة القانون، والمشاركة وحقوق الإنسان، والفرص الاقتصادية المستدامة، والتنمية البشرية».

ثانيًا: كسر محاولات إضفاء الشرعية على الحكم العسكري، من خلال الزعم بأن العسكر هم حماة الأمة والمدافعون عن كرامتها واستقلالها. فقد سحب الشعب التركي البساط من تحت أرجل الانقلابيين وأعاد أمور الجيش والأمن إلى أيدي السلطة التنفيذية والتشريعية. وبالتالي باتت قضايا الأمن بمعناه العام من اختصاص المؤسسات المدنية المنتخبة، وليست من اختصاصات الجيش. وبالتالي يصبح الشعب التركي هو صاحب حل عقدة السيطرة الدنية الكاملة على القوات المسلحة.

في النهاية لم يعد الشعب التركي خاضعًا للضوابط الإقليمية والدولية الخاصة بدعم الديمقراطية، فلم ينتظر ردود الفعل الدولية، ولم ينتظر أي دعم خارجي للحكومة المنتخبة، وتحرك في الشوارع والمياديين لوقف الانقلاب على صندوق الانتخابات، وأعطى للعالم درسًا وافيًا لإثبات أن صناديق الانتخابات لا يمكن أن تهزم بصناديق الزخيرة.

لقد أعلن الاتحاد الأفريقي والتنظيمات الإقليمية المختلفة، مثل الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي «سادك»، وجماعة شرق أفريقيا، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» رفضهم الانقلابات والتغييرات غير الدستورية في الحكومة، إلا أن هذا لم يضع حدًّا للانقلابات العسكرية التي حدثت في القارة في العصر الحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- أحمد عبد ربه، مدرس النظم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، العلاقات المدنية العسكرية وإشكاليات التحول الديمقراطي (دراسة في الاتجاهات النظرية الحديثة)، 2015.
2- Huntington, Samuel, The Soldier and the state: The Theory and politics of Civil-Military Relations, Cambridge: Harvard University Press, 1957
3- .Morris Janowitz, The Professional Soldier: A Social and political portrait. Press, 1960
4- .Morris Janowitz, The comparative analysis of Middle Eastern military institutions, Rotterdam: Rotterdam University press,1971
عرض التعليقات
تحميل المزيد