على أعتابِ عامٍ يرحل، نقفُ لننفُضَ غُبارَ الأيام عن صُدورِنا المُثقلة بضجيجِ آهاتٍ مكبوتة وزفراتِ أضلُعٍ مخنوقة بعدَ أنْ زلّت أقدامُنا في هفواتِ الدّرب اللامتناهية، نقفُ على مشارفِ العام الجديد وكأنّما نحاولُ أن نقرأ ملامِحه في سماءٍ دشّنتْها ألسنةُ الشروق الذهبيّة، وكأنّنا نرقُبُه من خلفِ زجاجٍ توشّحتْهُ قطراتُ الندى، فلا نرى منه معالمَ الأقدار، وإنّما نرجو ونستبشرُ خيرًا برائحةِ رطوبةِ الثّرى التي تتسلّل عبرَ شقِّ النافذة الجانبيّ في صباحٍ حديثِ الولادة، تُرى لماذا تبدو الصباحاتُ أبهى؟ ولماذا تبدو البداياتُ أجمل؟

لربّما لأنّ الصباحات مُشرقة، تُعلِنُ عن فرصةٍ جديدة في الحياةِ كلَّ يوم، ولربّما لأنّ البدايات برّاقة، مثاليّة إلى حدٍّ كبير، حالمة، مُفعمة بالشغف والإقبال والفضول، البداياتُ وجهٌ آخر لنهاياتٍ نحلمُ بها، نحبّها ونسعى لأجلها بسطحيةٍ ساذجة دون إدراكٍ عميق للتفاصيل الدقيقة الطويلة والمتعِبة لحقيقة الوصول؛ لأننا لم نُحِط علمًا بكلّ شيء، ولأنّنا افترضنا أن السعادة تكمن ها هنا: في وجه النهاية للبداية، فلم نكترث بتفاصيل الرحلة؛ لأنّنا حين نكونُ مبهورين بسحر البدايات لاهثين خلف الطموح لا نعي حجم الاصطدامات والعقبات وما يغاير التوقّعات، ولم يخطر في بالنا أنّها من مُوجبات الطريق التي لا بدّ لنا من سيرِها كلّها، ولا يحقّ لنا انتقاء ما يعجبنا منها واستثناء ما لا نرتضيه لأنفسنا.

أنْ يحرّكنا الأمل في البدايات دون أن تصفعنا الأيام يبدو تصوّرًا جميلًا مُريحًا للعقل، إلاّ أنّه نصف الحقيقة، ونصفُ الحقيقة لا يكفي لتعيشَ حياةً كاملة، البداياتُ كفيلةٌ بمنحك حلمًا سعيدًا في نهاية المطاف إن كنتَ قادرًا على تحمّل كلّ ما تطويه الصفحات من مفاجآتٍ سارّة ومؤلمة، ومصمّمًا على البذل والاستمرار، كما أنّها – على الجانب الآخر- قد تكون كفيلةً بتعليمك درسًا قاسيًا مدى الحياة، يصقل منك لتكون أفضل وأجدر وأقوى، أو يحطّمك بقسوة ويسرق شغفك، ويقتل الروح الدؤوبة فيك إن سمحتَ له بذلك.

على أعتابِ عامٍ مُدبر ومشارف عامٍ مُقبل، أرى هذه الحياة رحلةَ سفرٍ مُضنِية مليئة بالمحطّات وجُسور العُبور. بينما نقِفُ في محطّة الحاضر، تُسافرُ الذاكرة مُصطحبةً ظلّ الأمل عبر جُسورٍ بين الأزمنة؛ فتختزلُ عِبَر الماضي، وتُجسِّد معاني الحاضر، وتُحاكي عنان المستقبل في حياةِ كلٍّ منّا، وبينما نقِفُ عند محطّات الآخرين من حولنا، تنتقي أرواحُنا مَن يستميلُها بالحبِّ والسكينة وتجزَعُ ممّن يُربِكُ الطمأنينةَ فيها، وتنفِرُ ممّن يتغذّى بالضغينة على أنقاضِ انكساراتها؛ فتتشكّلُ جُسورٌ من علاقاتٍ بشريّة في دائرةِ كلٍّ منّا جُسورٌ تصِلُ، وتُباعِد، وتُقرِّب، وتُشتّت، وتجمعُ، وتفصل. جُسورٌ لا تنحصر في كونِها جغرافية، بل تتعدّى حدود المكان والزمان لأنّها قلبيّة، تحكُمُها الأهواء والميول، والرغباتُ والانفعالات. وبينما نخوضُ تفاصيل رحلتنا من الفتوّةِ إلى الكُهولة – إنْ قُدِّرَ لنا ذلك – تسوقُ لنا نواميسُ القدَر بعضَ المحطّات الإجباريّة، نحاولُ المضيّ في دُروبِنا رغمًا منها؛ فنبحثُ عن جسورِ عُبورٍ لمحطّاتٍ أخرى، ونكتشفُ أنّ بعضَ الجُسور متهالكة وآيلة للسُقوط، وبعضها طويلة وصعبة ومتعرّجة، وبعضها قصيرة ومُعبّدة ومُظلّلة، وبعضها خياليّة من محضِ الأوهام والخُرافات لا توصِلُ إلى شيء، وبعضها مصيريّة ومِفصليّة إنْ خُضناها لا يمكننا الرُّجوع.

نوقِنُ حينها أنّ عبورَنا لبعض المحطاّت القاهرة كانَ مُسيّرًا لحكمةٍ إلهية قد تتكشّف لنا أو تبقى مخبوءةً في علمِ الغيب، ولكنّها تبقى جزءًا أساسيًّا من الطريق، وما بينَ المحطّات والجُسور تكمُنُ إرادةُ الإنسان في تحديد مسارِ الرحلة، ويُهدينا اللهُ حقَّ الاختيار ما بين أضدادٍ كثيرة؛ صلاحٍ أو ضلال، فضيلةٍ أو رذيلة، إعمارٍ للأرض وإعمالٍ للعقل فيما هو نافع للبشريّة، أو إفسادٍ وتخريب في غير وجه حقّ، يمنحُنا الله حقّ الاختيار لنكونَ ما نختارُ أن نكون، ويبيّنُ لنا نهجًا سماويًّا شُموليًّا للحياة، ويجعلُنا في مناط التكليف لاتّباعه فيما نحنُ مخيّرين به، ويُسقِطُ عنّا المسؤولية والمحاسبة فيما نحنُ مسيّرينَ به، ممّا يجري علينا من أقداره وقضائه؛ فيبقى على الإنسان أن يسعى، أظنُّ أنّ فلسفةَ الحياةِ والوُجود يمكنُ اختصارُها في مفهوم «السّعي»، والذي ينبثقُ من إدراك الإنسان لاختيار ما يمكنُ اختيارُه من مسارِ رحلته ويُنصَّبُ بالجُهد المبذول..

تستوقفني هنا العِبَر الكثيرة في القصة القصيرة للسيدة هاجر القبطية، زوجة إبراهيم ووالدة إسماعيل عليهما السلام، فحينما أمر الله، سبحانه وتعالى، نبيه إبراهيم، عليه السلام، أن يصطحب هاجر ورضيعها إلى وادٍ غير ذي زرع في الحجاز، ليتركهُما هناك ويرجع إلى فلسطين، سألت هاجر زوجها بدهشة عن قراره العجيب فلم يُجبها إبراهيم بشيء، فسألتْه: «آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟» فهزّ إبراهيم رأسه بالإيجاب، فقالت بكل ثقة: «فلن يضيّعنا الله إذن!». يدعونا كلامُ السيدة هاجر إلى التفكّر في حسن الظن بالله، وبهذا اليقين النابعِ من صميم الإيمان في قرارة نفسِها، الذي جعلها تُدركُ أنّ الذي خلقها ورزقها هذا الطفل لن يُعجِزَه رزقهما في وادٍ غيرِ ذي زرع، وأنّ وجودَها مُسيّرةً في ظرفٍ قاهر لم يجعلها تجلسُ في مكانها منتظرةً أن يرزقُها الله، بل تقومُ هاجر بالسعي بين الصفا والمروة وسط صحراءٍ قاحلة لا يظهر فيها أيُّ مظهرٍ من مظاهر الحياة لإنقاذ رضيعها ممّا ألمّ به.

ثمّ إنّها لم تكتفِ بالسعي لمرةٍ واحدة أو اثنتين أو ثلاثة بل سبعًا! فلنتفكّر في تطبيقها لشرطيْ النصر: الإيمان بالله والتوكل عليه، وبذل النفس والجهد والوقت في العمل، فعلى الرغم من وجود محفّزٍ شديد يتمثّل في عاطفة أمومة جيّاشة خشيةَ موت الرضيع، يجعلها تؤمن بضرورة إيجاد حلٍّ للوضع الراهن، فإنها لم تكلّ عن البحث حتى حدثت معجزة الله وخرجت من بين أقدام طفلها الذي أوشك على الهلاك عينُ ماءٍ لم تنضب إلى الآن، وقد كان بإمكانها الكفُّ عن السعي والشعور باليأس بعد المرة الثانية أو الثالثة، ولكنّها وثقت بأن الأمر الإلهي اليسير «كن فيكون» لا يتحقّق إلا بالاستمرار بالبذل. إذن، هو قانونٌ بسيط، فلننظر في دواخلِنا ونوايانا ونصلِحَها ثمّ نحدّد مسارَ رحلتنا لنسعى فيها متوكّلين لا متقاعسين.

على أعتابِ عامٍ يرحل وبشاراتِ عامٍ يستهلّ، أما آنَ لنارِ القلق المتوجّسةِ في صُدورِنا أن تهدأ استبشارًا بالخير – كلِّ الخير – من عند الله؟ أما آن لقلوبِنا الهَلِعة أن تطمئنّ وتستكينَ برحمة الله؟ أتمنى لكم بداياتٍ واختياراتٍ موفّقة ومليئة بما هو خيرٌ وأجمل من عند الله الكريم، كلّ عامٍ – إن كان هجريًّا أم ميلاديًّا – وأنتم بخير.. سالمين معافين حالمين ونائلين بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد