«هل تعلمين يا سيدتي بأنه قد مضى عامان وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا منذ أن نسيتك!» قالها أحدهم في محاولة لتأكيد نسيانه.

الواقع أنني لم أنس شيئًا، ولا تزال مروجك الخضراء على جدران ذاكرتي يانعة باكية، فأنتِ في خاطري وفي دمي، وها أنا أفتقد كل شيء عندك إلا ظلمك وجهل الساذجين من أهلك.

مضى عام على إخراجي من وطني، بيد أنه لم يغب عني منه شيء، ذاك أن أصعب الترحال ما كان في الذاكرة، والذاكرة هنا موطن لك ولروحك ورسالتك، ذاكرة لا يفوتها عناق صديق في لحظة ضيق وفنجال شاي مع أحدهم في ساحة صفاء، بل تتسع لتشمل عوالم وأرواح.. حياة كاملة مفعمة بكل الأفراح والأتراح والآمال.

ربما يسخر من يقرأ كلامي هذا ممن يتمنى الخروج من بلده الظالم أهله، ويرى فيه مغنمًا ونجاة، وهذا شعور يمكن تفهمه من إنسان لا يحسب الحياة إلا بمقاييس مادية بحتة، أو آخر ضاقت به سبل العيش حتى لم يبق في قوس صدره منزع، أو ثالث ائتمر به زبانية الطواغيت ليقتلوه أو يسجنوه، أما إن كنت من غير هؤلاء، من ذوي التعلق بالأحبة وممن يعشقون الحياة بزخمها الإنساني وذكرياتها الضاربة في كل جهة، فلا أنصحك بالمراهنة يا رفيقي، فاختبار الروح قاس جدًا، ولا ينبئك مثل مجرب.

في السفر سبع فوائد كما يقولون، لكنها عندي تفوق قدرتي على العد والإحصاء.

في السفر تكون جميع مبادئك وقيمك على محك الاختبار، فما يتيحه السفر من حرية وانطلاق وتحرر يجعلك أقوى، وربما أول مواجهة لك مع ذاتك الحقيقية، مع روحك، ومدى صفائها، مع ثباتك وميقات صموده مع نفسك، ودرجة ارتقائك في مجاهدتها، وما كنت تراه حقًا مطلقًا صار يعتريه الخطأ، وما كان عندك محض باطل ربما يصبح عين الصواب.

يخطئ كثيرًا من يظن أن السفر بما يوفره من وحدة وانقطاع عن الشواغل هو فرصة الإنجاز وتحقيق الأماني، يؤسفني أني كنت ممن اعتقد ذلك يومًا ما، فقد أيقنت هنا أن تحدي مواجهة الفراغ أصعب، وقليل مَن سبق في هذا المضمار، وفهمت ما عناه الإمام حين قال: لا ينجز الأعمال إلا الرجل المشغول.

في سفرك ستحترف الهرب كما خرجت هاربًا، ستهرب إلى اكتشاف كل ما هو جديد في مدينتك وربما تبهرك طباع الناس وعاداتهم، ستبحث عن الأنس في كل شيء، حتى في مواء قطط الشوارع الباردة كبرود هذه المدن الفقيرة إلى العاطفة والدفء، لكنك لن تستطيع أن تهرب من لحظة احتضان وسادتك بعدما هجعوا كلهم، إلى سريره؛ يدفن فيه أحزانه، ويتدثر بأمنياته العالقة، أغمضوا أعينهم بعد أن أنهوا جدالات كثيرة تعتمل برأسهم وأجهدهم عمل ظنوا فيه فرصة للهروب.

في غربتك ستعتاد ضعف التعلق والارتباط، سيقل تعلقك بأشخاص جمعتك بهم مصلحة ما في العمل أو السكن أو الهم المشترك، وقد تزهد في أن تجد بينهم من تأنس إليه روحك، سيتلاشى ارتباطك بالأماكن؛ إذ يمكن أن تترك مكانك لتغير العمل، أو تغير ظروف من معك، أو رغبة المالك أو الكفيل، ولن تجد تعلقًا بأشيائك الخاصة المفضلة؛ فستضطر إلى تركها في أي وقت؛ فطبيعة السفر تقتضي أن تتقلص أشياؤك حتى يسهل تنقلك في أي وقت، نعم يا صاحبي إنها فلسفة المؤقت في النظرة لكل شيء، ولو دققت التأمل، فستعلم أنها يجب أن تنسحب لتشمل الدنيا ببعدها الديني في البدء والمنتهى.

في الغربة تتغير تطلعات الناس وطموحاتهم ويتبدل سقف انجازاتهم، تتقلص جميعها لتصب في مصلحة الذات وتتراجع الأهداف الجمعية العليا إلى خلفية الأولويات، فتبدأ بتسوية أمور إقامتك، ثم الاستقرار في عمل، ثم تحسين ظروف معيشتك؛ لتجد سكنًا قريبًا، وسيارة تنقلك، ثم سداد الديون، والبدء في سباق امتلاك الأرصدة، يتقلص حتى الدعاء ليكون (ربنا يجمعك بأهلك) دون أن يصحبه دعاء للجموع التي تشتت شملها في مخيمات اللجوء، وربما فقدوا الأهل، فليس ثمة أمل للاجتماع بهم إلا يوم تجتمع الخصوم، اللهم إلا أناس قليلون تمتعوا بمتانة في الخلق وسعة في الوعي، لم يكونوا على شاكلة ما ذكرت، أتمنى على بارئنا أن ألحق بركبهم.

أخرج بعيدًا عن صخب المدينة؛ لتلاحقني دومًا أسئلة ملحة: كيف صارت الأمور هكذا؟ وهل مثلي خرج كل هؤلاء؟ ومتى سأعود؟ أيكون كل ما يحدث هو طيف حلم يزورني في نومة، مؤكد ستحين بعدها لحظة إفاقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد