الهدف الأساسي من وراء هذا المقال هو دراسة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من منظور تاريخي، حيث سينصبّ تركيزنا على التاريخ الأوروبي في العصور القديمة والعصور الوسطى والعصر الحديث. ومن هنا سنهتم بربط الأحداث الجارية بالأحداث التاريخية في محاولة للوصول إلى فهم بانورامي للمستقبل.

يعتبر التاريخ من أهم الأسس لدراسة وفهم السياسة فهو يشكل واقعنا السياسي والثقافي المعاصر. وفقًا لهذا الرأي، يمكننا إثبات أن البريكسيت حدث ثلاث مرات في التاريخ؛ حدث أول بريكسيت خلال العصور القديمة عندما حصلت بريطانيا على استقلالها من الرومان وظلت بقية أوروبا في تلك الفترة تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية التي سقطت بعد 66 عامًا بسبب هجمات القبائل الجرمانية. بمجرد أن فرضت القبائل الجرمانية هيمنتها على أوروبا، برزت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في روما واكتسبت بذلك نفوذًا دينيًّا وسياسيًّا كبيرين على الممالك الكاثوليكية إذ كانت الكنيسة الكاثوليكية تمثل هيئة مركزية فوقانية تتدخل في الشؤون الداخلية للممالك الأوروبية من خلال فرض قوانين وأحكام تخدم المصالح الخاصة لرجال الدين إلى جانب ترسيخ العقيدة الكاثوليكية في أوروبا. خلال ما يسمى بالإصلاح الديني، قرر ملك إنجلترا هنري الثامن اعتناق المذهب البروتستانتي بسبب استيائه من التدخلات المتكررة للكنيسة في الشؤون الداخلية لمملكته وبالتالي أعلن البريكسيت الثاني من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

تأسست الجماعة الاقتصادية الأوروبية، التي عُرفت لاحقًا باسم الاتحاد الأوروبي، بعد معاهدة روما في عام 1957. كان الاتحاد الأوروبي بمثابة استمرار تاريخي لكل من الإمبراطورية الرومانية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية وبهذا قامت بتوحيد الدول القومية الأوروبية تحت هيئة واحدة فوق وطنية. انتهى الصراع البريطاني الطويل بين الكيان الأوروبي مع إعلان بوريس جونسون البريكسيت الثالث أو على وجه التحديد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وذلك تماشيًا باستفتاء عام 2016. يعتبر البريكسيت الثالث أقرب إلى البريكست الثاني من الأول، خاصة وأن بريطانيا ما زالت تعتبر البلدان البروتستانتية الأخرى، أي الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا حلفاء حقيقيين لها بينما تنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه مجمع للدول الكاثوليكية المتحدة تحت راية الكنيسة الكاثوليكية الجديدة في بروكسل.

هنا، من الضروري التحقيق في الأحداث التاريخية التي وقعت بعد البريكسيت الأول والثاني ومقارنتهما بالوضع السياسي المعاصر من منظور استشرافي. بعد البريكست الأول، تعرضت بريطانيا لهجمات مستمرة من طرف قبائل البيكت من الشمال. تكررت نفس الأحداث عند ظهور العديد من الصراعات بين الدول الأوروبية الكاثوليكية وبريطانيا بعد البريكسيت الثاني. من بينها: الحرب الأنجلو-إسبانية ، الحرب الأهلية الإنجليزية وحرب التسع سنوات. ومع ذلك، فإن أبرز مسار للأحداث الذي يمكن أن يكون مرتبطًا بالعصر الحديث هو تأجيج الصراع الداخلي من قبل فرنسا وإسبانيا في كل من إسكتلندا وأيرلندا من خلال تمويل وتسليح الثورات المحلية مثل تمرد تايرون والحروب الكونفدرالية الأيرلندية في أيرلندا من جهة والدعم الفرنسي المستمر للملكة ماري ملكة أسكتلندا ودعم اليعاقبة لإعادة آل ستيوارت إلى العرش البريطاني من الجانب الآخر. سارع صانعو السياسة البريطانية خلال هذه الأوقات العصيبة إلى إقامة تحالفات واتحادات مع الممالك أو القبائل المجاورة والتي تجسدت في تجنيد جيوش مرتزقة من القبائل الأنجلو ساكسونية في شاملي ألمانيا، وذلك بعد نهاية الحكم الروماني واتحاد التيجان مع أسكتلندا سنة 1603.

بعد فحص الخلفية التاريخية للبريكست، يمكننا أن نتوصل إلى استنتاج مفاده أن إنجلترا في طريقها لتأسيس وحدة سياسية أو اقتصادية جديدة مع تركيا، خاصة وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانت له مواقف عدائية ضد الاتحاد الأوروبي، وكانت أشدها عند أزمة شرق البحر المتوسط مما يؤهله ليكون الحليف المثالي لإنجلترا في المستقبل. علاوة على ذلك، كان بوريس جونسون يؤيد باستمرار الطموحات التركية وكان يحث تركيا على تجنب أي محاولات أخرى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن جونسون تربطه روابط دم بالإمبراطورية العثمانية، حيث إنه من أحفاد علي كمال بك الصدر الأعظم للإمبراطورية.

من المؤكد أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى منافسة اقتصادية وسياسية بين القوتين. تاريخيًّا، كانت فرنسا من أكبر الداعمين لقضية أيرلندا وأسكتلندا للحصول على الاستقلال من الإمبراطورية البريطانية. لذلك، من الوارد أن يساند الاتحاد الأوروبي توحيد جمهورية أيرلندا وأيرلندا الشمالية. لإلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية، صرحت رئيسة الجبهة الوطنية في فرنسا مارين لوبان أن «الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى إشعال حرب أهلية في أيرلندا… وإحياء الصراع القديم هناك» وأضافت أن الاتحاد الأوروبي مستعد لمعاقبة الشعب البريطاني وذلك بجعل الطلاق السياسي بين بريطانيا وأوروبا موجعا للبريطانيين قدر الإمكان. ولكن لن يتوقف الصراع عند هذا الحد إذ إن فرنسا قد تعيد إحياء تحالف أولد مع أسكتلندا في محاولة لتقسيم بريطانيا إلى أجزاء خاصة بعد المطالبات المتكررة للاستقلال من طرف الوزيرة الأولى في أسكتلندا نيكولا ستارجن نفسها.

تجدر الإشارة إلى أن التوترات السياسية والاقتصادية بين المعسكر البروتستانتي (بريطانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة) والمعسكر الكاثوليكي (الاتحاد الأوروبي) تأججت منذ وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة وقد تتسبب المزيد من النزاعات المستقبلية إلى العودة إلى سيناريوهات الحروب الدينية الأوروبية وبهذا سيعمل قادة كل من فرنسا وألمانيا على زيادة تعزيز دعواتهم لإنشاء جيش أوروبي وتفكيك حلف الناتو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد