شكل إعلان رئيس وزراء العراق الدكتور حيدر العبادي إعلان النصر الكامل على تنظيم داعش الإرهابي، إيذانًا ببدأ مرحلة جديدة من تاريخ العراق المعاصر، مرحلة عدد تحدياتها يكاد لا يحصر، وفي نفس الوقت لا تخلوا من الحوافز والفرص، منها ما هو داخي ومحلي، ومنها ما هو إقليمي ودولي، وإن كان هو شخصيًا يعطي الجبهة الداخلية أهمية تفوق ما للجبهة الخارجية، لقناعة راسخة في نسقه العقيدي، أن نجاحه الخارجي هو تحصيل حاصل لنجاحه الداخلي، فالقضاء على التدخل الخارجي، واتباع سياسة خارجية متزنة، واستقلالية القرار السياسي، وممارسة أدوار إقليمية ودولية ممكنة، تأتي كلها بعد تهيئة بيئة سياسية داخلية صلبة وقادرة على التحدي، عنوانها الأساس المواطنة والهوية العراقية، وهي أول ما سيسعى إلى تحقيقه في المرحلة القادمة.

إذ لا يخفى على أحد حجم التحديات السياسية الموجودة في الساحة السياسية العراقية الآن، والتي نجحت الكثير من الأطراف السياسية الداخلية في إلباسها لون الطائفة والمذهب، بل إنها كانت الحصن الأخير الذي تحتمي به خوفًا من الملاحقة أو المحاسبة، فالتأكيد على مبدأ الهوية والانتماء هو العنوان الذي سيتحرك من خلاله العبادي في المرحلة القادمة، سواءً عن طريق قائمة انتخابية تمثل كل ألوان الطيف السياسي العراقي، أو عن طريق إجراءات قانونية أو دستورية، تستهدف أركان الدولة العميقة، إلا أن هذا الخيار هو الآخر يجابه بالكثير من الصعوبات.

 ففي الوقت الذي تقترب منه العديد من القوى السياسية في هذا الطرح، والتي يأتي على رأسها التيار الذي يقوده الزعيم الديني مقتدى الصدر أو السيد عمار الحكيم، إلى جانب المرجعية الدينية في النجف، وبعض فصائل الحشد الشعبي، يبرز بالمقابل تيار سياسي آخر يقوده رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والطرف الآخر من الحشد الشعبي، والذي ما زال متمسكًا ببقائه ككيان عسكري وسياسي يوازي قوة الدولة وأجهزتها، أو حتى إعلان ولائه الصريح للولي الفقيه في إيران، وهو ما سيجعل العبادي يواجه مشكلة كبيرة في كيفية احتواء هذا التيار، أو على الأقل كيفية التعاطي معه مستقبلًا، فعلى الرغم من أن دعوة السيد مقتدى الصدر الأخيرة مثلت صك دعم سياسي مبكر للسيد العبادي، إلا أن هذا الأمر سيبقى في طي التكهنات السياسية حتى الانتخابات القادمة، فهي دعوة ليس بالضرورة أن تكون ملزمة لغيره من القيادات السياسية أو الحزبية أو حتى قادة الفصائل المسلحة، كما أن التغيرات المستمرة الموجودة على الساحة السياسية العراقية، قد لا تضمن استمرار التوافق السياسي الموجود بينهما، وهو ما ينبغي التركيز عليه والتفكير به جيدًا.

كما تبرز هناك العديد من التحديات الأخرى، والتي يأتي على رأسها استراتيجية مكافحة الفساد التي أعلن عنها العبادي، وألزم نفسه بتحقيقها، إلى جانب ملف سقوط مدينة الموصل، أو العلاقة مع إقليم كردستان العراق، أو ملف إعادة إعمار المدن المحررة من سيطرة تنظيم داعش وغيرها، كلها ستلقي بظلالها  خلال المرحلة القادمة، فهي لا تقل تأثيرًا أو حتى اهتمامًا عن الصراع السياسي المحموم بالعراق، بل هي الوجه الآخر لهذا الصراع، وذلك إذا ما افترضنا أنها النتيجة المباشرة له، إذ إن العملية السياسية العراقية، هي بالأساس بنيت على معادلات سياسية حزبية وطائفية، بل إن الطائفية السياسية أصبحت الماركة السياسية المسجلة باسم الطبقة السياسية العراقية.

 فعلى الرغم من سعي أغلبها إلى طرح نفسها في إطار وطني، إلا أنها بالأساس لم تسطع الخروج من بوتقة التخندقات السياسية الضيقة، وهو ما جعل التناقضات السياسية التي تحيط بها وتتفاعل معها، تحظى بمزيد من التعقيد والإرباك السياسي، بل إن حجم الصراع السياسي الموجود في العراق، والذي هو أيضًا أحد أوجه الصراع الإقليمي والدولي، قد يفوق قدرة العبادي على التعامل معه، كونه صراعًا سياسيًا داخليًا ذا أبعاد خارجية، مع تأكيدنا على احترام التلون السياسي والأيديولوجي للتيارات السياسية، إلا أنه ينبغي إيقافها عند تحولها إلى عنصر مهدد للوحدة أو الهوية الوطنية.

ففي الوقت الذي لعبت فيه المرجعية الدينية في النجف، وعلى رأسها السيد علي السيستاني، دورًا كبيرًا في الحفاظ على العملية السياسية العراقية، انطلاقًا من مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية حيال الشعب العراقي، أخذت العديد من الجهات السياسية تسوق هذا الدور والاهتمام لمصالحها السياسية، وهو الأمر الذي أوقعها في العديد من الإحراجات، كون أنها دائمًا ما تختبئ خلف مواقف المرجعية وفتاواها، وهو ما لا يتطابق مع ذلك لا بالنص أو المضمون، ففي الوقت الذي تعلن فيه أغلب الكتل السياسية عن حصولها على دعم المرجعية الدينية في النجف، فإنه بالمقابل أغلب ملاحظات المرجعية الخاصة بمكافحة الفساد أو تسليم المتورطين بملف سقوط الموصل أو غيرها من المسائل، تمسهم بصورة مباشرة، وهو ما قد يؤرق العبادي في الحصول على دعم المرجعية خلال المرحلة القادمة، فعلى الرغم من التناغم الكبير الذي ظهر بين تحركاته السياسية ومواقف المرجعية أثناء فترة الحرب على داعش، أو حتى أثناء المظاهرات الشعبية المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أن هذا لا يعني إمكانية إسقاط هذا الموضوع بحصول نفس التناغم أثناء الانتخابات البرلمانية القادم

ويطرح الرأي العام العراقي نفسه رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية الموجودة اليوم، كونه صاحب القرار الأخير، فعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي أخذ يحظى بها الدكتور العبادي في الأوساط الشعبية، خصوصًا وأنه اللاعب الأساسي في حالة النصر على تنظيم داعش، إلا أن الكثير من التيارات المدنية والشعبية لا زالت تنظر إليه بعين الشك، وتحديدًا فيما يتعلق بملف مكافحة الفساد في العراق، كونه أصبح اليوم مطلبًا شعبيًا عامًا، فهو الآخر لايقل خطورة عن تنظيم داعش الإرهابي، من حيث التأثير والفعل والسوداوية التي تصيب المجتمع العراقي، فالحراك الشعبي الموجود في العراق، هو خيار وطني، تحركه مشاعر غياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للفرص وغياب حكم القانون، في الوقت الذي تحاول فيه الكثير من قوى الإسلام السياسي، إظهاره على شكل حركة علمانية يسارية تخريبية تسعى للنيل من الإسلام والطابع الإسلامي للدولة، دون الإشارة بأنهم المستهدف الأول من عملية مكافحة الفساد، فمكافحة الفساد هي المعركة المقبلة التي ينبغي على السيد العبادي الانتصار بها، وإلا فعليه مواجهة خيارات سياسية صعبة.

وتبرز التحديات الإقليمية هي الأخرى، كعامل قلق خلال المرحلة المقبلة، ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الوزراء العراقي، إلى التأكيد على هوية سياسية خارجية خاصة بالعراق، قوامها عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى، واعتماد سياسة خارجية معتدلة ومتوازنة، من خلال التأكيد على الخيارات المستقلة، يجابه بالمقابل بتحدي صراع المحاور الإقليمية، ففي الوقت الذي يجد فيه العراق فعاليته السياسية من خلال عمقه العربي، كون البيئة العربية هي ساحة تحرك العراق التقليدية، والبيئة الأنسب له، يسعى الطرف الآخر «والحديث هنا على بعض أطراف العملية السياسية المحسوبة على إيران»، إلى التأثير على قرارات وخيارات العبادي السياسية، سواءً أكان ذلك على صعيد العمل العربي المشترك، أو القرارات السيادية الخاصة به، حيث أصبح التقارب العراقي مع السعودية، يفسر بالمقابل على أنه بالضد من إيران، والعكس صحيح أيضًا، وهو ما انعكس بدوره أيضًا على المنظومة القيمية للمجتمع العراقي.

 ففي الوقت الذي ندرك فيه بأن العراق لا يمكن أن يكون غير العراق، لا زالت الكثير من القوى السياسية «السنية والشيعية»، ترى أن العراق لايمكن أن يكون قويًا، إلا بقوة ودعم الطرف السياسي الإقليمي الذي ترتبط به، وبالتالي قد يكون السيد العبادي أمام مشكلة حقيقية بهذا الخصوص، فلا زالت الخيارات السيادية العراقية الخارجية غير واضحة المعالم، كما أن الشخصية القومية للعراق، هي الأخرى لا زالت مغيبة عن التعامل السياسي الخارجي، ولا نقصد بالشخصية القومية هنا الهوية العربية للعراق، وإنما نقصد بها التأكيد على المصالح الوطنية العليا للعراق، إذا ما افترضنا أنها المحرك الرئيس للسياسات الخارجية للدول، في إطار تعاطيها وتعاملها مع القضايا والمشاكل الخارجية.

أما البعد الدولي، فمن وجهة نظرنا هو أكثر التحديات تأثيرًا وخطورة، فإلى جانب الفوضوية الكبيرة التي أخذت تمتاز بها السياسات الخارجية الأمريكية في تعاطيها مع الحالة العراقية، تبرز التأثيرات المتعلقة بعدم الاستقرار المزمن في أسعار النفط، وديون البنك الدولي المترتبة بذمة العراق، والبالغة قيمتها 120 مليار دولار، مع احتمالية وصولها إلى 130 مليار دولار في العام 2018، وهو مقيد كبير على المجتمع العراقي والسياسة الخارجية العراقية، لم يفهم ويعرف العلاقة بين السياسة والاقتصاد جيدًا، وهذا كله إلى جانب الأدوار الدولية المنتظر من العراق أن يقوم بها، خصوصًا بعد خروج العراق رسميًا من الأحكام الخاصة بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذ أصبح اليوم عضوًا دوليًا كامل الأهلية في الجماعة الدولية، ومتساويًا بالحقوق والالتزامات الدولية، كما أن حصوله على المكانة والهيبة الدولية، مقترن بمدى قدرته على خط سياسة خارجية مستقلة بأهدافها وتحركاتها، والتحول من عنصر تتأسس على أرضه التوازنات والحسابات الإقليمية والدولية، إلى عنصر صانع ومخطط لها.

إن كل ما تقدم لا يقلل من النجاحات التي حققها السيد العبادي حتى الآن، إلا أن التعاطي مع تداعيات هذه النجاحات هو السؤال الذي ينبغي الإجابة عنه خلال المرحلة القادمة، فالتأسيس لجبهة داخلية ووطنية قوية، هو المفتاح الرئيسي لمواجهة التحديات القادمة، وإذا ما أراد النجاح في ذلك، فعليه الذهاب بعيدًا في خياراته السياسية، مع تأكيدنا على خطورة هذا التحدي، والذي يكتنفه الكثير من المغامرة.

  إذا ما أردنا التأسيس لدولة قوية ومقتدرة، تبعث فيها روح التأثير والركوز والوثوب الإقليمي، دولة مهابة وذات مكانة مرموقة، تعطي للإنسان العراقي أهمية وأولوية كبرى، من خلال الشروع بعملية تنموية تستهدف مجمل الحالة العراقية، فالضرب على عروش الفساد ومحاسبة المقصرين عن سقوط مدينة الموصل، والتأكيد على شخصية وهوية سياسة العراق الخارجية، هي عنوان الفوز العظيم في المرحلة القادمة، فالنصر على تنظيم داعش لايمكن أن يكتمل، إلا إذا ضُرب إخوة داعش «الفساد- المحاصصة الطائفية- الانتماءات الخارجية»، وبدون ذلك سوف يتعرض السيد العبادي لضغوط كبرى، وقد تكون أولى نتائج ذلك الإطاحة به، إن لم تكن أكثر من ذلك، خصوصًا وأن نجحاته الحالية جاءت على حساب الكثير من خصومه السياسيين، وبمختلف تلوناتهم ومشاربهم السياسية، والذين بدورهم سيستغلون أنصاف الفرص للإجهاز عليه سياسيًا وشعبيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد