تطلع العراقيون بكل طوائفهم إلى تغيير واقعهم المتأزم من خلال منع نوري المالكي من تجديد ولايته الثالثة على رئاسة مجلس الوزراء، لكن برغم النقمة الشعبية العارمة من سياسته، حصل على أعلى الأصوات، وكاد أن يفرض واقعًا جديدًا من السلطة الأبدية على وفق نظريته العتيدة “ماننطيه”، لولا تدخل العالم في إزاحته من رأس السلطة التنفيذية، والإتيان ببديل ترضية، من حزبه وائتلافه، وكان حيدر العبادي، الذي لم يفق بعد من فرحة تنصيبه نائبًا أول لرئيس مجلس النواب، ليفاجأ بتكليفه من رئيس الجمهورية، برئاسة مجلس الوزراء.

كان الوضع الداخلي لا يسمح بالبحث والتدقيق في مؤهلات الرجل، وقدرته على إدارة شؤون الدولة في ظرف حرج، ولا سيما أن المالكي لم يخضع بسهولة لتسليم الراية لرفيقه في الحزب والائتلاف، وكان يخشى أن يلتف على سلطة العبادي، بأية وسيلة كانت، حتى بالانقلاب العسكري كما كان يشاع، غير أن رفيق الأمس وغريم اليوم، حاول أن يثبت نفسه على العرش الذي لم يتخيل مع نفسه يومًا أن يصل إليه لا في حلم ولاحقيقة، لذا تراه راضيًا كل الرضا عندما وضعوه على كرسي نائب رئيس مجلس النواب، قبل أن يضعوه على كرسي رئاسة مجلس الوزراء، وهكذا هو كما يبدو لا يحرك ساكنًا، يضعونه وهو المنون، هنا أو هناك ليس زهدًا بالمنصب وإنما هو يعرف جيدًا قدر نفسه، وقديمًا قالوا “رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”، المهم ما لم يكن أصبح كان، وعليه أن يظهر سياسته الجديدة التي يُطمئِن من خلالها شركاءه في العملية السياسية والإقليم العربي والعالم الذي وقف إلى جانبه مؤيدًا ومؤازرًا.

كان بإمكانه أن يغتنم هذا الدعم الدولي لإصلاح الواقع السياسي، والحكومي تحديدًا، لكنه لم يستطع التحرر من القيود التي حكم نفسه بها سواء الحزبية منها أو الأيديولوجية، التي تفرض عليه حزمة من الولاءات تتعدى حدود الوطن إلى حواضن جاره، لذا ظلت حركة العبادي متناغمة مع سلفه وكأنه يؤدي دوره المكمل، مع فرق جوهري؛ أن المالكي كان هو صاحب القرار، أما “صاحب العصمة” فهناك من يصوغ له القرار وعليه التنفيذ.

من هنا بدا العبادي ضعيفًا إزاء تنفيذ الاتفاقات التي تشكلت بموجبها الحكومة، كما أعاد بشكل أو بآخر إنتاج الخلافات التي كان يثيرها سلفه مع الشركاء السنة والأكراد، فيما انفلتت من يديه سلطة القيادة العامة للقوات المسلحة التي أصبحت مجرد واجهة في ظل تفشي الميليشيات وهيمنتها على المشهد العراقي، وبروز قياداتها كمصدر قرار يعلو ولا يُعلى عليه.

 

كما بدا العجز عليه في إلغاء قرارات لسلفه اتخذها في آخر أيامه، والتي تمثل تثبيت بعض أركانه في الحكومة الجديدة، على قاعدة (غائب وملائكته حاضرة)، نعم اتخذ بعض القرارات على مستوى القيادات العسكرية، لكنها كانت بمثابة “ذر الرماد في العيون”.

لقطات كثيرة، رافقت الرجل منذ أن تسلطت عليه الأضواء، هي بالتأكيد تكشف عن شخصيته، لكن طبيعة العراقيين متفائلة إلى حد الملل، أو ربما مستسلمة إلى حد اليأس، وفي الحالتين فإنها تمني النفس أن يتعلم ويتجاوز تلك السقطات الساخرة، وبالإمكان مشاهدتها في “اليوتيوب”، لمن لم يحصل على شرف المشاهدة ولا سيما زيارة أنقرة، أو ليلة نزوله من “المنصة” والحبل على الجرار.

الملفت للنظر أن تأريخ الرجل السياسي، لا يحتوي على شيء، سوى أن له شقيقين أعدما في عهد النظام السابق، وأنه ينتمي إلى حزب كان معارضًا، لكن معارضته قضاها كلها في الخارج، ولعلها أمنية كل عراقي أن يكون معارضًا كما كان السيد العبادي، وبعد الاحتلال جاء ليحصد غنائم تلك المعارضة المرهقة في بلاد الغرب.

وقد تقلب العبادي في دورات نيابية لكن نجمه لم يبزغ وظل رهين المحابس، حتى كان أقل الوجوه ظهورًا عبر الشاشة الفضية، وأذكر له أن في اجتماع مهم لتحالفه، كان هو منشغلًا بأكل الخوخ، وعذرًا إذا كان فاكهة أخرى، فالعتب على النظر.

بقي أن نقول أن رهان بعضهم على العبادي في التغيير رهان على فرس خاسر، لأنه غير قادرعلى أن يتمرد على سلطة سلفه، أو يخرج حتى من عباءته، بل هو يتحرك على هداه وخطاه ولا يمكنه أن يزيح حجرًا عن حجر إلا بإذن سلفه وسلسلة طويلة من المراجع. وصدق من قال: أن المالكي لا يزال رئيسًا لمجلس الوزراء، ويقصد الفعل وليس الواجهة، ويعني ذلك بعبارة أخرى أن العبادي مجرد خيال مآتة يخيف به العصافير أما الصياد فهو المالكي، والحليم تكفيه الإشارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد