كادت السنة الأولى على استلام العبادي لرئاسة الوزراء خلفـًا لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أن تمر “بهدوء” ودون الحاجة لمراجعة شاملة، لكن كان للشمس الحارقة في العراق رأي آخر. مع وصول درجات الحرارة إلى ما يفوق الخمسين في بعض أنحاء العراق وعجز الحكومة عن توفير الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى بالشكل الكافي الذي كان من الممكن أن يخفف من معاناة الناس، خرج آلاف العراقيين، في الوسط والجنوب، إلى الشوارع مطالبين حكومة العبادي بتوفير الخدمات الأساسية للمواطن،  بعد أن ذاق الأمرين من الصيف الملتهب.

 

تصاعدت الاحتجاجات، وجمعة بعد جمعة أخذت الاحتجاجات منحىً جديدً بمشاركة فاعلة وغير مسبوقة في الشارع العراقي، شاركت بها كل مكونات المجتمع، ومازاد من زخم المظاهرات هو دعم المرجعية العليا في العراق للمتظاهرين ومطالبهم المشروعة، وعليه, بادر العبادي بالرد على مطالب المحتجين بإعلان ورقة إصلاح جريئة تتضمن حزمة قرارات أبرزها إلغاء مناصب نواب رئيسي الجمهورية والحكومة، وإبعاد المناصب العليا عن المحاصصة الحزبية والطائفية، وفتح ملفات الفساد ضمن وعود إصلاحية أعمق وأشمل.

 

من البداية

لاقى تكليف معصوم للعبادي ترحيبًا دوليًا وإقليميًا ومحليًا أيضًا، رحبت الأطراف السياسية بالقرار, فالبرزاني أعلن تأييده للعبادي والقوى الوطنية رأت في التغيير بادرة أمل، فيما رحبت الحكومة الأمريكية بالتعيين ووعدت بدعم الحكومة الجديدة، إيران لم تغب عن الساحة؛ حيث باركت التعيين على لسان المرشد الأعلى علي خامنئي. ودعت تركيا جميع الأطراف لدعم الحكومة الجديدة. فيما أعلنت السعودية أن خبر تعيين العبادي “سار”.

 

لم يمنع الترحيب من كل الأطراف المرتبطة بالوضع العراقي بالعبادي من بدء التحديات باكرًا؛ حيث ومع لحظة إعلان تعيينه رئيسًا للوزراء في الحادي عشر من أغسطس من العام الماضي، قام المالكي بتحدي قرار رئيس الجمهورية بتعيين العبادي واتهمه بتخطي صلاحياته الدستورية، وأعلن أنه سوف يرفع شكوى ضده في المحكمة الاتحادية، لكن لم يدم الأمر طويلاً حتى رضخ المالكي، بعد ضغوط داخلية وخارجية، وأعلن من خلال خطاب متلفز يوم الخميس الرابع عشر من أغسطس تنحيه عن رئاسة الوزراء لرئيس الوزراء الجديد.

 

لم تكن عملية تشكيل الحكومة العراقية بأمر سهل على العبادي، حيث إن القوى الكردية والسنية كانت لهم مطالب واضحة للمشاركة في حكومة وطنية، ماراثون المفاوضات نتج عنه اتفاق بين بغداد وأربيل ووعود بحل القضايا العالقة ومنها تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي وقانون النفط والغاز. كما وقع اتفاقـًا سياسيًا بين الكتل السياسية العراقية. وتم تشكيل الحكومة واستطاع العبادي بفترة قياسية من تعيين وزراء للداخلية والدفاع، حيث إن الموقعين كانا شاغرين لفترة طويلة. واعتبر تشكيل الحكومة أول نجاح للعبادي بوجود32  وزيرًا من جميع الكتل السياسية.

 

انتقل العبادي بعد تشكيل الحكومة إلى إقرار الميزانية العامة لعام 2015، علمًا بأن المالكي أخفق بتمرير الميزانية لعام 2014.، وبدأت المفاوضات مع أربيل بخصوص تصدير النفط  وحصة الإقليم من الميزانية العامة، وانتهت المفاوضات باتفاق مالي، وأقرت على إثره الميزانية. ولكن عدلت الميزانية فيما بعد مع هبوط أسعار النفط. حيث تم إقرار الميزانية على سعر  56 دولارًا أمريكيًا للبرميل بعجز يقدر بنحو 22 مليار دولار.

 

كانت أول مائة يوم للعبادي ماراثونية, ومرت بأجواء إيجابية بشكل عام في الداخل العراقي رغم الانتقادات العلنية من بعض الأطراف السياسية، فبين إقرار الميزانية وهدوء العلاقات نسبيًا بين بغداد والإقليم، والكشف عن50  ألف فضائي في الجيش تحت ملف محاربة الفساد،

 

وتوقف تمدد داعش بل وتحقيق انتصارات ولو جزئية كاستعادة مدينة تكريت وإقرار نظام داخلي لعمل مجلس الوزراء، وحل مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وإقالة عدد من القادة العسكريين، والتعاون غير المسبوق بين السلطة التنفيذية والتشريعية، كان التفاؤل الحذر سيد الموقف. ولا يغفل هنا محاولات العبادي الدؤوبة في فتح علاقات جديدة من خلال سياسة خارجية نشطة.

 

الأجواء الإيجابية لم تساعد على التخفيف على المواطن العراقي الذي يرزح تحت وطأة ضعف الخدمات العامة والبينة التحتية الهشة ونقص الماء النظيف والكهرباء وسوء الصرف الصحي وتدني التعليم والصحة وانتشار الفقر. كما أن المهجرين والنازحين لم يعودوا إلى بيوتهم؛ حيث مازالت عصابات داعش تسيطر على ما يقارب ثلث البلاد.

 

خلال الفترة التي تلتها عانت العراق من الركود السياسي ولم يتم إنجاز شيء يذكر على الصعيد السياسي أو الاقتصادي وحتى الاجتماعي. وعلى جهة الحرب ضد داعش، شكل سقوط الرمادي بيد داعش في مايو الماضي صدمة أيضًا للشارع العراقي وتم تقاذف الاتهامات بهذا الخصوص بين الأطراف السياسية وظهر العبادي بمظهر العاجز عن التحرك قدمًا والدفع بالبلاد إلى بر الأمان.

 

قبل حلول الصيف ودخول المتظاهرين إلى المشهد السياسي من خلال المظاهرات، كان على العبادي اللعب على توازنات القوى السياسية الفاعلة في العراق وهي كانت المهمة شبه المستحيلة، وكان المثل ” رضا الناس غاية لا تدرك ” هو العنوان الأساسي للمرحلة، فتارة يتهم قادة الكرد العبادي بعدم الالتزام بالاتفاق المالي أو تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بالمادة 140 ، وتارة تتهمه القوى الوطنية بعدم تنفيذ الاتفاق السياسي وعلى رأسها إقرار قانون الحرس الوطني وغير ذلك من القوانين التي تمس بشكل أساسي القوى الوطنية (السنية). لم يسلم العبادي أيضًا من التحالف الوطني فبين اتهامه بتقصير بأداء واجباته وبين اتهامه بالتنازل للقوى السياسية الأخرى أكثر مما يلزم، كان العبادي يمشي بخطوات بطيئة في طريق الإنجازات.

 

صيف العراق

في أيلول بدأت بعض المظاهرات للمطالبة بتحسين الخدمات العامة وخاصة الكهرباء، وتزايدت حدة وزخم المظاهرات مع دخول شهر آب اللهاب، شكل الشارع قوة ضاغطة على الحكومة والعبادي  للعمل على تقديم الخدمات والإسراع في الإنجاز، ومع توالي المظاهرات، تم رفع سقف المطالب من إصلاح الخدمات إلى إصلاح النظام في بعض التحركات، تحرك العبادي سريعًا للرد على المظاهرات، وأكد على نية الحكومة على تحسين الخدمات،

 

لكن وبعد دعم المرجعية لمطالب المتظاهرين زاد الزخم في الشارع العراقي وقدم العبادي ورقة اصلاح وافق عليها الطاقم الحكومي بالاجماع وصادق عليها البرلمان، كما  قلص عدد أعضاء مجلس الوزراء ليكون 22 عضوًا إضافة إلى رئيس مجلس الوزراء. تضمنت ورقة الإصلاح العديد من الوعود مثل تقليص شامل وفوري في إعداد الحمايات لكل المسئولين في الدولة، إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين، إبعاد جميع المناصب العليا عن المحاصصة الحزبية والطائفية، ترشيق الوزارات والهيئات، إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

 

معوقات الإصلاح

الدستور وصلاحيات العبادي

همز الكثير عن تخطي العبادي لصلاحياته الدستورية في اتخاذ الكثير من القرارات الحاسمة، وعلى رأس من انتقد العبادي بهذا الخصوص هم نواب الرئيس الثلاثة المقالين (المالكي، علاوي، والنجيفي) حيث أعلنوا في أكثر من موقف أن الخطوات المتخذة غير دستورية وعلى رأسها قرار إلغاء مناصبهم كنواب لرئيس الجمهورية والصلاحيات الاستثنائية التي ضمنها البرلمان للعبادي، وكانت المرجعية قد أعلنت أن “الإصلاحات ينبغي أن تسير ضمن الدستور لأنه خيار الشعب”.

 

إصلاح القضاء

فبعد طلب المتظاهرين بإصلاح القضاء، وجهت المرجعية بتأهيل القضاء للقيام بمهامه، حيث إن القضاء متهم من العديد من الأطراف بتدخل القضاء على خط السياسة وبعدم النزاهة والاستقلالية، وعليه طالب العبادي من  السلطة القضائية، المستقلة دستوريًا، ” …. إلى القيام بسلسلة إجراءات جذرية لتأكيد هيبة القضاء واستقلاله، وتمكينه من محاربة الفساد وتكريس مبدأ العدالة بين المواطنين”، بحسب بيان لمكتبه قد وزع على وسائل الإعلام. ولاحقـًا، أعلن المتحدث باسم مكتب رئاسة الوزراء أنه لا يحق للسلطة التنفيذية قانونيًّا التدخل بعمل القضاء أو فرض الإملاءات عليه.

 

العجز المالي

يواجه العراق عجزًا ماليًا مع انهيار أسعار النفط العالمية والإنفاق على الحرب ضد داعش، بجانب الفساد المستشري في الوزارات وكل مؤسسات الدولة، والتي بدورها تعرقل كل المجهودات الحكومية بالقيام بالإصلاح وترشيق الوزارات ونقل صلاحيات الوزارات التي تم إلغاؤها لصالح مجالس المحافظات المحلية، علمًا بأن الميزانية العامة، وهي تقشفية، 102 مليار تقريبًا على حساب 56  دولارًا للبرميل، وتعاني الميزانية عجزًا يقدر22   مليارًا تقريبًا. علما بأن أسعار النفط العالمي وصلت لأقل من 42 دولارًا خلال العام أكثر من مرة.

 

داعش

تستنزف الحرب على داعش مقدرات الدولة المالية، حيث ينفق العراق كثيرًا من الأموال  على الحملة العسكرية ضد التنظيم والتسليح وكانت قد استولت داعش على العديد من حقول النفط ومازالت تسيطر على البعض منها.

 

الخلافات السياسية

ما يزال الاشتباك غير الإيجابي بين القوى السياسية الثلاث عاملاً معطلاً للحركة الإصلاحية؛ حيث إن الخلاف، على سبيل المثال، ما زال قائمًا بين الكتل السياسية على قانون الحرس الوطني، ولم تجد القوى السياسية مخرجًا لإقرار قانون توافقي وتم تأجيل التصويت على القانون أكثر من مرة، كما أن الإقليم لم تنفذ له أيًّا من مطالبه على حسب تصريحاته.

 

كما أن التنافس الداخلي بين أعضاء التحالف الوطني على أشده بين تيار يقوده المالكي وتيار رئيس الوزراءالعبادي، حيث تحاول جميع القوى السياسية الخروج من الأزمة بأقل الخسائر وأكثر المكاسب الممكنة, وبالتالي أثر هذا التنافس بشكل سلبي على مشهد الإصلاح.

 

الحصاد

ما يزال  العراق يعاني من أزمة حادة في الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ولم تجد الحكومة الحلول المناسبة لإنهاء الأزمة. كما أن الفساد مستشري في كل مفاصل الدولة العراقية، فالعراق وحسب التصنيف العالمي لا يزال يعتبر من أكثر البلاد فسادًا. كما أن الفقر في العراق ما يزال الأعلى؛ حيث إن سبعة ملايين عراقي تحت خط الفقر. مشكلة النازحين والمهاجرين ما زالت تتفاقم، حيث إنه، وحسب بعثة الأمم المتحدة، يتواجد ثلاثة ملايين نازح داخل حدود العراق، وأكثر من مليون مهاجر خارج العراق. أما داعش فما تزال المعضلة الكبرى، حيث تسيطر داعش على ثلث البلاد ومدن رئيسية كالموصل والرمادي، بالإضافة إلى ذلك سيطرتها على بعض حقول النفط.

 

على المستوى السياسي لم تنجز الحكومة أهم النقاط المتفق عليها في الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة. فلا هي حلت المشاكل العالقة مع الإقليم ولا أقرت أهم القوانين التي قد تؤدي إلى حلحلة الأوضاع السياسية مع القوى السنية. ولكن يحسب للعراق والعبادي إقرار قانون الأحزاب وقانون العمل والبدء في تطبيق اللامركزية.

 

خيوط اللعبة

ما يزال العبادي لم يمسك بخيوط اللعبة، وما يزال يظهر بمظهر رئيس وزراء غير قادر على الإنجاز، ولكن ومع تصريحه أكثر من مرة بأنه مستعد لدفع حياته ثمنـًا للإصلاح في العراق، يرى أن الرجل قد اتخذ قراره بعدم التراجع ومواصلة خطواته في طريق الإصلاح. لكن لن يستطيع العبادي النجاح بدون وجود طبقة سياسية لها إرادة سياسية في تطبيق الإصلاحات, داعمة له ومتناغمة مع الشارع.

 

فقط إذا تم التوافق الكامل بين القوى العراقية وكانت الإرادة الوطنية حاضرة بينهم لبناء دولة القانون والمؤسسات وبناء دولة تقوم على التعايش السلمي بين مكوناتها ومحاربة الفساد المالي والإداري، فلن يكون هناك مستقبل لداعش وكل المليشيات الحاملة للسلاح خارج إطار الدولة والقانون في العراق، ولن يكون للعامل الخارجي تأثيره، كما الآن، في الساحة السياسية العراقية. فهل سيكون العبادي قادرًا على قيادة دفة الإصلاح في العام المقبل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد