إن البحث العلمي في موضوع ما يقتضي الاطلاع على كل ما كُتب فيه، حتى يكون الباحث على دراية تامة بالموضوع، وكي تكون له الفوقيّة على بحثه؛ إذ يراه من كل جوانبه، ولا يقع فريسة العجز والعَيْ لجهله بما لم يطلع علىه، أو ما لم تصل إليه يديه، ثم تأتي الأمانة العلمية لهذا البحث في نشر الحقائق، ومن مقتضيات الأمانة العلمية التجرد من كل رأي مسبق، أو هدف شخصي.

لكن في مناقشة د. زيدان لقضية الأقصى لم أجد بحثا علميا ولا أمانة، بل قصورا ثقافيا ومعرفيا، ثم تضليلا وتدليسا.

قال د زيدان:

القول الأقصر ،في الرد على شيخ الأزهر (أ) :للأستاذ الدكتور "أحمد الطيب" عندي كل التقدير و الاحترام ، و ما كنت أحب أن…

Geplaatst door Youssef Ziedan op Zondag 31 december 2017

القول الأقصر (ب) :(2) ليس صحيحاً بالمرة ، أن الخليفة عمر بن الخطاب يوم استلم المسلمون مدينة "إيليا" التي كان اسمها قبل…

Geplaatst door Youssef Ziedan op Zondag 31 december 2017

القول الأقصر (ج) :(4) كنت أرجو من شيخ الأزهر و العاملين تحت سُلطته الإدارية ، بدلاً من هذه "المناهدة" العبثية معي و…

Geplaatst door Youssef Ziedan op Zondag 31 december 2017

ثم استدل بأربعة مصادر تاريخية، وهي: مجموع فتاوي ابن تيمية (جـ 27)، فتوح البلدان للبلاذري، البداية والنهاية لابن كثير (جـ 7)، وتاريخ اليعقوبي لأحمد بن يعقوب (جـ 3).

وكنت قبل إعلانه عن مصادره في دهشة وحيرة، فأيّ المصادر التاريخية التي من الممكن أن تحوي هذه الأباطيل، فحشدت مكتبتي التاريخية لكبار أمهات الكتب في ذات الشأن، كابن الجوزي وتاريخ ابن خلدون واليعقوبي وابن كثير والبلاذري وغيرهم وغيرهم، لكنني فوجئت أنه اعتمد فيما قال على أربعة مصادر فقط لا يصلح الاستدلال بها على الإطلاق، كما سنبين بعد.

أما الغرض مما يقوله دون علم أو وعي بخطورة القضية عربيا وإسلاميا فلن أفتش في النوايا، لكن علي أن أقرر بيقين أن مثل هذا الكذب على التاريخ يُضعف موقف العرب في قضيتهم وحقهم التليد في الأراضي الفلسطينية، ولا يخدم سوي مستقبل الصهيونية، ويقوي أطماعها في السيطرة على أراضينا ومقدساتنا، إذ إن الأقصي هو روح القضية، وهو ما يجعل من فلسطين ذات شأن خاص في قلوب العرب بين قضايانا الأخرى.

ثم إن كلام الدكتور ليس أكثر من صيد ثمين للصهيونية، أتى إليهم سعيا مكبلا بلا تعب ولا كلل.

ولا أدري لم يستمر الرجل في ضرب جذور القضية، محاولا على الدوام تشويهها في الذهن العربي، بداية من حملته على صلاح الدين الأيوبي ونهاية بما قال أخيرا.

الثابت تاريخيا أن رحلة الإسراء ورحلة المعراج وقع فيهما اختلاف كثير بين أعلام المسلمين، وحتى الصحابه أنفسهم رضي الله عنهم أجمعين، فمن البداية تجد الخلاف مشتعلا: هل أُسري بروحه وجسده أم بجسده فقط أم بروحه فقط، ثم من أي مكان خرج من الحرم، هل من المسجد الحرام الذي يعرفه الناس اليوم، أم من أي مكان بمكة لأنها كلها حرم، ثم هل رأى ربه في السماء أم لا، وهذه الخلافيات مبسوطة في كتب التاريخ والتفسير، لكن لم يختلف أحد على المكان وذهابه صلي الله علىه وسلم للمسجد الأقصى بفلسطين الحالية ولم يتطرق له أحد، بل الأعجب من ذلك أن حذيفة بن اليمان أنكر أن النبي صلى الله علىه وسلم قد صلى بالأنبياء في المسجد، مستدلا بأنه لو صلى فيه الركعتين الشهيرتين لكَتَب الله عليهم الصلاة فيه، ولكن تَعَقّبه البيهقي وابن كثير بأن المُثبِت – وهم جمهور الصحابة – مُقدّم على النافي.

ومع ذلك لم يُنكر أحد وجود المسجد وقت النبي أو إسرائه إليه، ولم أجد مفسرا ولا محدثا، ولا مؤرخا، نفى هذه الرحلة، ولا وجود المسجد، ولا ذكر خلافا بين وجوده وعدمه أصلا.

حتى إن عارف باشا العارف في كتابه (تاريخ القدس) والذي ساق فيه اتهام سليمان عليه السلام بعبادة الأوثان، لم يستطع أن يُنكر حادثة الإسراء إلى المسجد الأقصي بفلسطين، ولا أن يُنكر وجود المسجد بأراضيها، بالرغم من ادعائه أن المسجد مقام بالفعل على هيكل سليمان.

وأري الآن أن الإثبات التاريخي لوجود الأقصي – من جانبنا – وقت النبي لا طائل منه هنا، إذ يبرز سؤال منطقي: إلى أين أسري بالنبي إذن؟ وبالطبع فهناك تدليس آخر بهذا الصدد لا مجال لبسطه.

ثانيا: هناك سوء فهم من الدكتور عن كُنْه المسجد الأقصي وتاريخه المُبَيّن في كتب التاريخ التى لا يطلع علىها، أو الأطالس التى أرخّت جغرافيا وتاريخيا لدولة فلسطين، فالمعروف من تاريخها أن المسجد الأقصي اسم لكل الحرم، بكل ما يحوي من مصليات وزوايا متفرقة داخل مستطيله بالبلدة القديمة، وأن القبة التى بناها عبد الملك ابن مروان المعروفة بقبة الصخرة ما هي إلا محاولة سياسية طغت على شعوره الديني وحمّلَته إثما عظيما ليصرف الناس عن حج بيت الله الحرام بمكة، وقصتها مبسوطة في الكتب لا داعي لذكرها، أما المسجد الذي بناه عمر، والذي يروج له الشباب على أنه المسجد الأقصي فاسمه (المسجد القبلي) الذي بناه عمر، وكلاهما (القبلي – قبة الصخرة) جزء من المسجد الأقصي المبارك، الذي ينفي الدكتور وجوده.

ولعل الدكتور يقيس المسجد وقتها بالمساجد التي عليها المسلمون اليوم، ذات الحوائط الأربع والسقف والقبة والمئذنة، وفاته أن ذلك لم يكن إلا في عهود متأخرة، وفاته كذلك المعني اللغوي لكلمة مسجد.

ثم إن المسجد الأقصي بفلسطين هو ثاني المساجد على وجه الأرض وبينهما أربعون سنة كما روي البخاري في حديثه الصحيح.

فلا مجال على الإطلاق للإعتماد على أدلة لا وجه للاستدلال فيها على ما ذهب إليه، اللهم إلا إن كانت مراجع صهيونية بحتة.

ماذا عن مصادر الدكتور؟

أولا: ابن تيمية كمرجع:

ذكر الدكتور زيدان في منشور (بوست) منفصل مصادره التاريخية التي استند علىها في قناعته تلك، وفي مقدمتها الجزء السابع والعشرون الصفحة 11 من مجموع فتاوي ابن تيمية، وهذا المرجع بالذات والاستناد إليه به من التدليس وسوء الفهم الكثير، فهو استدلال مجزوء أولا، أسيء فهمه ثانيا.

أ. الورقة رقم 11 الواقعة في بداية الجزء السابع والعشرين، جاءت في كتاب (الفقه – الزيارة)، وهي تتمة لسؤال فقهي بحت حول النذر إليه (المسجد الأقصى) بالتعبد.

نجد ابن تيمية في إجابته ينوّع في استخدام المفردات أثناء شرحه للمسألة الفقهية، فيقول مرة المسجد الأقصى، ومرة أخرى يقول (الصخرة)، وهذه دلالة واضحة على وجوده، لذا قال ابن تيمية في نفس المصدر الذي ذكره الدكتور: (فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يُصَلِّي إليها، فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، مع أنها كانت قبلة ولكن نُسخ ذلك) ص:10

ب. يبدو سوء الفهم واضحا (للدليل) الذي يستدل به الدكتور، فصدر هذه الصفحة نجد أن ابن تيمية يُثبت وجود الأقصي، ولا أدري كيف فهم الدكتور عن ابن تيمية أنه ينفي، يقول ابن تيمية في نفس المصدر:

(فإن المسجد الأقصي اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام، وقد صار بعض الناس يسمّي الأقصي المصلي الذي بناه عمر للمسلمين).

فهنا يُثبت ابن تيمية ولا ينفي كما ذهب إليه الدكتور.

ثم إنه لخطأ شنيع أن ينتزع الدكتور من ابن تيمية الورقة 11 ويهمل 10 و 12، واللتان تؤكدان بوضوح وجلاء عكس ما يريد أن يُثبته.

قال ابن تيمية في ص 12: (وليس في بيت المقدس مكان يُقصد فيه للعبادة سوى المسجد الأقصى.. وأما زيارة معابد الكفار مثل الموضع المسمي (بالقُمَامة) أو (بيت لحم) أو (صهيون) أو غير ذلك مثل (كنائس النصارى) فمنهي عنه).

إن ابن تيمية هنا دليل على وجود الأقصى، وليس على نفيه، فأين وجه الاستدلال يادكتور!

ج. وقبل أن نختم الكلام عن هذا المصدر، نشير إلى تعلىق الدكتور محمد عمارة عن هَجْمِة ابن تيمية على الأقصى وتقديسه الزائد عند المسلمين، قائلا: (الدين الإسلامي يحوي تيارا ينحسر إلى حد ما، لكنه موجود بشكل دائم من النظرة المضادة للقدس، وربما كان من أبرز أنصار هذه النظرة هو ابن تيمية (1263 – 1328م)، أحد أبرز المفكرين في الإسلام ومن أكثرهم صرامة وتأثيرا في محاولته لتطهير الإسلام من البدع والخرافات استبعد ابن تيمية تقديس القدس، باعتباره اعتقادا مبتدعا مصدره اليهود والمسيحيون، ومصدره تنافس الأمويين القديم مع مكة ..) ص: 23.

ثانيا: فتوح البلدان للبلاذري ص 188

بداية أشير إلى أنني هنا أعتمد على نسخة من (فتوح البلدان) على درجة عالية للغاية من التوثيق والمراجعة التاريخية الدقيقة، حققها وشرحها الدكتور عبد الله أنيس الطبّاع وهو دكتوراة في الفلسفة والآداب، وخريج معهد المكتبات والتوثيق العالي في مدريد.

نرجع إلى كلام الدكتور الذي قاله (لا يصح في العقل والمنطق والتاريخ القول بأن المسجد الأقصى الموجود اليوم في فلسطين كان قائما في زمن النبي محمد والخليفة عمر.. وأن عمر لم يصل بالمسجد… إلخ).

واستدل الدكتور بفتوح البلدان لأحمد بن يحي البغدادي المشهور بالبلاذري، بفصل متفرع عن فتوح الشام تحت عنوان (أمرُ فلسطين)، واعتبر الدكتور هذا الفصل دليل على كل الأباطيل التي ساقها، ولأننا لا نشك ولو مرة في البلاذري أنه قد يقول ما قاله الدكتور أو بعضه، رجعت إلى فتوح البلدان، فوجدت أن كلمة (بيت المقدس) والحديث عنها ورد أربع مرات، ص: 24 و ص: 166 ، وص: 188 (المستدل بها)، و 326.

والأربعة مواضع ليس فيها دليل ولا شبهة دليل على ما ادعاه وقال به، ففي ص: 24 يقص البلاذري ما كان من أمر بني إسرائيل بعدما هدم بختنصر بيت المقدس وتشردهم وذهاب بعضهم للجزيرة العربية، أي أنه يحكي تاريخا موثوقا لا شبهة فيه أن المسجد الأقصي كان موجودا قبل زمن النبي بأزمان.

وفي الموضع الثاني ص: 166

في هذا الموضع يذكر البلاذري موقعة المسلمين مع الروم والمعروفة بـ(مرج الصُفَّر) وهزيمة الروم وفرارهم إلى دمشق وبيت المقدس.

وفي الموضع الرابع ص: 326

يذكر البلاذري كلمة بيت المقدس في مَعرض الحديث عن الفتوحات العباسية تحت خلافة أبي جعفر المنصور في إفريقية.

لكن ماذا عن الموضع الثالث وهو الأهم الذي استدل به الدكتور في فتوح البلدان ص: 188.

ليس فيها أي دليل على ما ذهب إليه الدكتور، إنما هي صفحة مجتزأة لا فيها ولا علىها، يسوق فيها البلاذري أمر فتحها، بل يُثبت كيفية الفتح وذهاب عمر إليهم.

أين وجه الاستدلال في الدليل يا دكتور؟

ثالثا: ابن كثير كمصدر الجزء السابع:

حقيقة لا أدري لما كل هذا التدليس والتضليل الذي يسوقه د/ زيدان، هل يعتمد على أننا لا نقرأ، أو أننا سنقتنع برأيه العاري من الصحة لمجرد أنه اقتطع ورقة من سياقها ليستدل بها على عبثه بذهن هذا الجيل.

رجعت إلي مصدره في الجزء السابع، تحت باب (فتح بيت المقدس على يدي عمر ابن الخطاب)، لم أجد فيه إلا كذبا على ابن كثير وعلى تاريخ فلسطين العربي والإسلامي، بالفعل يبدو أنه يعتمد على عقلية فارغة تتلقى دون مراجعة لما يُقال، وتهضم بلا تمحيص وتَثّبُّت، فقبل الورقة التى استدل بها وفي سياق متصل (لم يفصله سوى الدكتور) يقول ابن كثير بعد استقبال قواد المسلمين لعمر ابن الخطاب بفلسطين من خالد وأبو عبيدة وغيرهم: (ثم سار (أي عمر) حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها، إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ليلة الإسراء).

ثم كلام آخر متصل يوضح فيه ابن كثير أنه (عمر) صلى بمحراب داود بـ(بني إسرائيل) إلى باقي حديثه حتى تصل بعد بضعة سطور إلى رأس الورقة التى ذكرها الدكتور والتي بدايتها (فاستدل على مكانها…).

لم هذا الكذب على التاريخ وتبديله وتزييفه؟ لم اللعب في أذهان العرب ومحاولة تشويه قضاياهم القومية، ولصالح من؟

رابعا: تاريخ اليعقوبي كمصدر.

استدل الدكتور بتاريخ اليعقوبي، وهو عندي ثلاثة مجلدات طبع المكتبة الحيدرية بالنجف، ويقع استدلاله في الجزء الثالث ص: 9.

والورقة التي يستدل بها لا تؤكد مما قاله شيئا، ولا تذكره من بعيد ولا من قريب، هي فقط تذكر الحرب السياسية بين عبد الملك وابن الزبير.

فأين وجه الاستدلال في هذه الأدلة يا دكتور، فما هي إلا تدليس وتضليل.

ثم إن الدكتور يصرح بأن قصة المعراج وهميّة، لم تحدث، وأنها مأخوذة من التراث المجوسي القديم، وللعجب العجاب أن الدكتور يوسف يقول عن تلك الأباطيل ثابتة تاريخيا، وبالطبع لو رجعنا إلى أي مصدر إسلامي، سواء في التفسير أو الحديث لنستدل به على حقيقة المعراج والإسراء، فلن يقتنع به الدكتور، فنحن أمام عقلية تجتث قضية الأقصى من جذورها في الذهن العربي، وترفع عنها القداسة والأهمية لا لشيء ذي أهمية للعرب، بل لغيرهم.

وأخيرا، هناك فرق شاسع بين الدليل ووجه الاستدلال به على قضية معينة، فمثلا لو سألت فقيها عن دليل أن شهر رمضان شهر فضيل، لساق إليك الأدلة المرتبطة بما تسأل عنه، عن صيامه وقيامه… إلخ.

أما الدكتور، فلم نجد في أدلته التاريخية وجها للاستدلال، إنما هي صفحات مجتزأة ليدعم بها رأيه عنوة، فأصبحت كرجل سأل فقيها: هل يجوز لي بيع ابني، فقال له نعم، فقال له: ما الدليل؟ فقال له: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مجموع فتاوي ابن تيمية
البداية والنهاية لابن كثير
فتوح البلدان للبلاذري
تاريخ اليعقوبي لأحمد بن أبي يعقوب
القدس بين اليهودية والاسلام للدكتور محمد عمارة
أطلس معالم المسجد الأقصي المبارك للدكتور عبدالله معروف والاستاذ رأفت مرعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد