عندما تريد أن تحكم على شخص فيجب أن تعرف أبعاد بيئته، وسياقات مجتمعه، وتدرس إنتاجه وإنتاج تلامذته وأساتذته، أما الاكتفاء ببتر الشخص عن سياقاته وخلفياته وأبعاده فلا يمكن أن يؤدي إلى النتيجة السليمة.

وما دفعني إلى كتابة هذا المقال أنني وجدتُ نفرًا من المحسوبين على السلفية الجهادية في مصر، ممن يجيدون التعامل مع الكيبورد والسوشيال ميديا، ويؤججون المشاعر، ويلهبون الجماهير، ويتعاملون مع عالم الأدب والعلم كتعامل المشجعين مع فرقهم الرياضية، وجدتُ نفرًا من هؤلاء يتهم عباس العقاد بالعمالة للغرب. العمالة! هكذا بكلّ سهولة وبرودة!

وقال هذا الشخص، نصًّا: (يقول عباس العقاد في كتابه “التفكير فريضة إسلامية”: “من العسير على الكثيرين من المتدينين المؤمنين بالأنبياء أن يذكروا أسبابًا عقلية لتفضيلهم الدين الذي يعتقدونه على سائر الأديان التي لا يعتقدونها، وغاية ما عندهم من التعليل لهذا التفضيل أن يؤمنوا بهذه العقيدة لأنها عقيدة نبيهم، ولا يؤمنون بالعقائد الأخرى لأنها عقائد أنبياء آخرين لا يؤمنون بهم”. وأورد عباس العقاد حديثَ “العهد القديم” عن أنبياء الله، والقول بأنهم يشربون الخمر، ويصارعون الرب – تعالى الله – ويأمرهم الرب بأن يضاجعوا الزانيات، وأن أبناءهم يزنون ببناتهم، وأنهم يزنون ببناتهم، وغير ذلك، ثم يقول: (هذه الأخبار وما إليها نورد ما أوردناه ولا نناقشه أو نتعرض لنفيه وإثباته”. ثم ختم كلامه بمقولة: “عباس العقاد عميل للغرب“).

ولا أدري حتى مع صحة نقله للمقولة السابقة، أين عمالة العقاد للغرب فيها؟!

غاية ما يريد العقاد قوله أن التقليد الذي طمس عيون الأتباع في كل الأديان هو الكارثة التي أصابت الإنسانية وضلت تفكيرها، ولا يمكن لعاقل مستقرئ تاريخ الأديان أن ينكر تلك الحقيقة، وهي تعصُّب كل جماعة لدينها ومذهبها بغض النظر عن: هل بحثوا صوابية ذلك المذهب أم لا؟! ولعلماء علم الكلام كلامٌ طويل حول صحة إيمان المقلد في العقائد! ولعلماء الأصول كلام نفيس فيه أيضا، فالعقاد ليس مبتدعا ولا مخترعًا!

وقد قام تلميذه الأديب الكبير محمد رجب البيومي بترجمة العقاد وكتابه التفكير فريضة إسلامية الذي استلّ منه صاحبنا تلك العبارات، وقام البيومي بعرض أفكار الكتاب وتدعيمها بقطعيات الدين، في موسوعته الضخمة: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين 1/ 551، ط1/ دار القلم بيروت 1995م.

ولم يُصرّح العقاد بقبول كلام العهد القديم، ولا يمكن أن نتهمه لمجرد النقل ورفضه التعليق عليه!

وهو العقاد نفسه الذي هاجم الأب أنستاس الكرملي، وألمح إلى ديانته النصرانية في سابقة اعتبرها الأدباء تعصبًا للدين الإسلامي من العقاد، وخلطًا بين النقد الأدبي الرفيع وديانة المنتَقَد. (معركة الأب أنستاس الكرملي وعباس العقاد، شعبان يوسف، ص158، مجلة الدوحة، أكتوبر 2015م). فهل يمكن أن نتهم العقاد بالعمالة للغرب، ونتجاهل الصورة الكاملة للسياق العام؟!

لمصلحة من؟!

وهنا السؤال الكبير: لمصلحة من يهدمون رموزنا الدينية والثقافية، فتارة يهدمون طه حسين، وتارة عباس العقاد، وأخرى: سيد قطب، وسعد زغلول، وقاسم أمين، ووصل بهم الحال إلى هدم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومدرسة الإصلاح!

من يتبقى إذن من رجالنا ومن حضارتنا إذا هدم هؤلاء؟!

كل الدنيا تحترم رموزها وتقدر إنتاجهم، أما الشبيبة المتعالمون عندنا فلا يجدون في ساحة المعرفة إلا أنفسهم، ولا في الصواب إلا منهجهم؟! أهذا منهج؟ وهذا فكر؟ إنه الإقصاء الفكري، والفاشية الثقافية، والإرهاب المعرفي؟!

 

العقاد وسيد قطب:

إنّ عباس العقاد من أجلّ أساتذة سيد قطب، وكان سيد قطب يُجلّ العقاد ويحترمه، وينافح عنه، ويقيم المعارك الأدبية من أجل أستاذه، وليس مجرد تلميذ راح مرة أو مرتين الصالون الأدبيّ للعقاد كما قال صاحبنا السلفيّ الجهاديّ، الذي ينكر علاقة سيد قطب بالعقاد، وهو إنكار للبدهيات والحقائق، والظواهر التاريخية الثابتة المتواترة، التي ما زال صانعوها على قيد الحياة!

لقد كانت بين سيد قطب ومحمود شاكر خلافات طويلة مشهورة، وظنّ البعض أنها خلافات بين الرجلين، وما هي إلا خلافات متشعبة الجذور، ممتدة التاريخ، أصلها الخصام الذي وقع بين العقاد والرافعي، ثم وَرَّثوا تلامذتهما ذلك الخصام، فنافح سيد قطب عن أستاذه العقاد ضد محمود شاكر والعريان أبرز تلامذة صادق الرافعي!

فاتهام العقاد بالعمالة للغرب يلزم منه اتهام تلامذته بالعمالة أو بالغفلة، وتلامذته كبار القوم، وفحول الأدب، مثل: سيد قطب، ومحمد رجب البيومي وأبو همام عبد اللطيف عبد الحليم في عصرنا، رحمهم الله، وعشرات من الأدباء المحترمين الكبار! وهؤلاء هم أدباء زماننا، وهم الرائحة المتبقية من عالم الكبار!

وأظنّ صاحبنا لو اطلع على قصيدة أدبية من جواهر ودرر العقاد ما فهم ألفاظها فضلا عن أن يحلّ مشكلاتها، وهو المتخصص كما يزعم في العلوم السياسية! ومن المحال أن يفهم الشعر برموزه وإيحاءاته ومعانيه الخفية ودلالاته وهو لم يحسن فهم النثر! ولا أدري ما علاقة السياسة وجفائها وألاعيبها بالأدب والفن والتذوق والجمال؟! أو ربما ظنّ صاحبنا هذا أنّ التعامل في عالم الأدب كالتعامل في عالم السياسة التي هي تعبير في الأصل عن قلة الأدب وانعدام الضمير، والبراجماتية المتوحشة! واستحلال قتل الخصوم، ووأد الثورات، والتلون كل يوم بلونٍ حسب ما تقتضيه المصلحة.

لقد جعل سيد قطب من نفسه تلميذ العقاد الأول والناطق بلسانه، والمدافع عنه كما لم يدافع عنه أحد، وكانت المعارك التي خاضها سيد قطب بسبب العقاد تجلب عليه الكثير من الهجوم العنيف، فكان سيد قطب يهاجم كل من يقترب من العقاد، فخاض معركة مع جماعة أبوللو في الثلاثينيات، وهاجمه الشاعر أحمد زكي أبو شادي. ثم خاض معركة حامية الوطيس مع أبي فهر محمود شاكر على صفحات الرسالة، بسبب العقاد والرافعي. فعندما كان محمد سعيد العريان يكتب سلسلة مقالات عن الرافعي على صفحات الرسالة، وانتهت بكتاب ضخم عنه، انبرى سيد قطب ليهاجم العريان بقوة، عندما تعرض العريان لعلاقة العقاد بالرافعي، ورغم أن العقاد نفسه لم يردّ إلا أن سيد قطب اندفع ليكيل أشكالا من الهجوم على العريان، وعلى أستاذه الرافعي نفسه!

وهنا تدخل أبو فهر محمود شاكر، ليرد على سيد قطب على مدى خمسة أعداد. وهذه المعركة على وجه الخصوص أظهرت الولاء الفكري والشخصي والإنساني الذي يكنه سيد قطب للعقاد. (انظر: علاقة مركبة، شعبان يوسف، ص158، مجلة الدوحة يوليو 2014م).

لم يكتف سيد قطب بإجلال العقاد والمنافحة عنه، بل اعتبره الشاعر الأوحد الذي لا يدانيه أحد أبدًا، فيقول: (قد يكون هناك كتّاب يتقاربون مع العقاد، ولكن ليس هناك شعراء في لغة العرب، يتقاربون مع العقاد، ولقد كنت هممت بإصدار بحث عن الشعراء المعاصرين، ونظرت في أدبهم جميعًا وأنا منهم، ولكن عاقني عن إصداره أني لم أجد نقط اتصال بين العقاد الذي سأكتب عنه أولا وبين جميع الشعراء الآخرين، فالفرق هائل جدا، وأكبر مما يتصوره الآخرون، بين طاقة العقاد والطاقات الأخرى).

ثم يأتي صاحبنا ليقول بأن سيد قطب ليس تلميذا للعقاد وليس كلّ من مرّ بصالون العقاد يعدّ من رواده المعجبين به! وتلك الكلمة كبيرة، وتكفي لطرح رؤية صاحبنا في الرجل بالكُليّة، وإهمال مقولته، ولولا أنّا وجدنا من افتُتن بها، ما لوينا عناء القلم ليبدد معالمها.

وأعرف أن صاحبنا قد أُخِذَ من قلة اطلاعه، فتلك المقولات التي ننقلها لو اطلع عليها ما أفتى في غيابات الجبّ! وما أظهر نفسه بمظهر من يهرف بما لا يعرف، ولكنه مسكين لن يجد سبيلًا للاطلاع على تلك المقالات التاريخية النادرة.

والغريب في أمر تلك النبتة أنهم ينافحون عن محمود شاكر ويهجمون على محمد عبده ومدرسته، وعلى سعد زغلول، رغم أن شاكر من تلامذة الرافعي والرافعي من تلامذة محمد عبده وسعد زغلول، وهنا يظهر التشتت الأيديولوجي والانتقاء حسب الهوى، وما أدراك ما الهوى؟!

 

الحقيقة التاريخية:

لم يثبت عن أيّ أحدٍ من معاصري العقاد حتى من خصومه وأعدائه أنهم اتهموه بالعمالة للغرب! لقد هاجمه محمود شاكر كثيرًا ولم يزعم أبدًا عمالته للغرب! ولقد هاجمه الرافعي في حياته كثيرًا ولم يزعم أبدًا عمالته للغرب! ولو كان عميلًا للغرب ما كتب منافحًا عن الإسلام، مدافعًا عن ثغوره وحياضه، متعاطفًا مع تلميذه الشهيد سيد قطب في معاركه السياسية والأدبية. وتلك الحقائق التاريخية لا أدري كيف هدمها أو تجاهلها ببتر نصّ له في كتاب، عن سياقه، أو بذكر كلام يحتمل التأويل والإعذار!

ونحن لا نحتاج إلا قراءة تلامذة العقاد أو شيوخه لنعرف حبه لهذا الدين ودفاعه عنه، فيكفينا إنتاجه الأدبي الغزير الذي راج وانتشر، ليعرف كل منصف حقيقة العقاد، الوطنية والدينية والفكرية.

فيقول تلميذه الأديب رجب البيومي رحمه الله: (إذن فالعقاد لا شرقي ولا غربي، حين يكتب العبقريات، ولكنه مسلم آمن بعظمة نبي الإسلام، وخلفائه، عن بحثٍ صارم، وعزمٍ جاد، وأمانة مطمئنة، فرأى أن يبرز مبررات هذا الإيمان في خلال ما يكتب عن أبطال دينه، وهذا ما أوقد اللهيب لدى الموتورين). – النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين 1/ 566، رجب البيومي -.

ولا يخفى على كلّ ذي لبّ هجوم العقاد على الشيوعية والمذاهب الهدامة في أكثر من كتاب، حتى صار محلًا للطعن والتجريح من كبار الشيوعيين ومُنظّريهم! ولكن ها هو الزمان قد مرّ، ورأيناه عرضة للطعن من رجال ينتسبون للسلف!

 

العقاد وشوقي:

عندما احتفلت دار الأوبرا بأحمد شوقي في حفل بزعامة سعد زغلول باشا، كتب العقاد مهاجمًا: “إنّ الأمة التي تحتفل بشوقي لا تعرف معنى الكرامة”! فاستدعاه سعد زغلول وعاتبه لأن الحفل كان بحضوره ورئاسته، فردّ العقاد: “لكنك لا تعرف الشعر يا باشا”، وهنا ردّ سعد زغلول: “أنا لا أعرف الشعر، لكنني أعرف في الذوق، وأحب أن تكون هذه آخر مرة تزور فيها منزلي”.– على السفود ص7، تحقيق: حسن السماحي -.

ورغم أنّ العقاد كان وفديًا إلا أنه ردّ هذا الردّ على سعد باشا زغلول، وكان هذا الهجوم على شوقي أول تأسيس لمدرسة الديوان التي ضمت أجلاء الأدب، وعباقرة البلاغة والشعر والفصاحة في العالم الإسلامي.

 

العقاد والرافعي:

كانت العلاقة بين الرافعي والعقاد شائكة منذ وقت طويل، عندما التقى الاثنان في بدايات عشرينيات القرن الماضي في مجلة المقتطف، وكان الرافعي قد أصدر كتابه عن الإعجاز القرآني، فسأل الرافعيُّ العقادَ عن رأيه في الكتاب؟! فأجابه العقاد بما لم يعجب الرافعي، والرافعي كان أصمّ، وكان يتبادل الحوار مع محدثه بالكتابة على الورق، وعندما لم يعجب رأي العقاد الرافعي سأله الأخير: إنك تجحد فضل كتابي، فهل تراك أحسن رأيا من سعد باشا؟! فكتب له العقاد: وما سعد؟ وما رأي سعد؟!

عند ذلك قبض الرافعي بأصابعه على الورقة التي دون فيها العقاد رأيه المستخفّ بسعد عندما كان سعد هو زعيم الأمة بلا منازع.

وقال الرافعي للعقاد “هل تستطيع أن تجهر برأيك في سعد على صفحات الجرائد؟ فقال العقاد: اسألني هذا السؤال في جريدة من الجرائد وسيكون جوابي ما ذكرته لك الآن!”.

وبدأت عدة معارك أدبية بين الاثنين شهدتها صفحات المجلات والجرائد، منذ وقتئذ.

ثم ورّثا تلك المعارك للتلاميذ من بعدهما.

الشاهد في الكلام أنّه لا أحد في عصر العقاد ولا بعده من كبار الأدباء اتهمه بالعمالة للغرب، سوى الموتورين من رجالات السلفية الجهادية الذين لا يرعوون عن اتهام الرجل بلا دليل، وكيف لا، وقد أحلوا دماء كثيرة بلا دليل، وبمجرد الشبهة! ولو كان العقاد حيًّا ربما أفتوا بقتله!

وأخيرًا، أرجو من صاحبنا وأصحاب صاحبنا أن يراجعوا أنفسهم، وأن يتكلموا في العلم بالمنهج والمنهجية، لا بالظنّ والحدس والتخمين، وإعمال الكلام على ظاهره من غير تأويل، أو على باطنه من غير سياق، فالأدب علم، والعلم مناهج وأدوات، وليس مسائل وجزئيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد