الأحد الأخير من شهر مايو (أيار) الماضي، أذن الله تعالى لروح «هنومة خليل علي» المعروفة بـ«مديحة يسري» أن تصعد إليه عن عمر يقارب 97 عامًا، إذ تردد أنها من مواليد 3 من ديسمبر (كانون الأول) 1921، لأب بسيط، فتح عيناه على جمالها فأسماها «هنومة»، أي تصغير هانم، وفق العامية المصرية التي لا تخلو من طرافة في ألفاظها.

ورغم مسيرة حياة الراحلة الفنية المليئة بالصخب والأفلام، وزيجات أربعة، وابن واحد «طارق»، وقد شاء الله أن يتوفى في حادث؛ رغم كل هذا يبقى أبرز ما في حياة الراحلة علاقتها النقية الطاهرة بالراحل الأديب المعروف «عباس محمود العقاد»، رحمهما الله.

ففي عام 1939م شاء القدر أن يلتقي «العقاد» و«هنومة»، قبل أن تصبح «مديحة يسري» أو يتحول اسمها الحقيقي لآخر للشهرة، لا يمت لها بصلة، إلا سهولته على ألسنة الجماهير.

كان «العقاد» من مواليد أسوان جنوبي مصر في 28 يونيو (حزيران) 1889، وقد ناهز الخمسين من العمر؛ فتُولي شمس حياته غاربة في شاطئ كهولته، بعد أن شغل نفسه بالأدب والسياسة فكان ملء السمع والبصر في الوطن العربي منذ شبابه.

وفي لقاء «العقاد» بـ«هنومة» درس عميق لأولئك الذين تحلو وتزدهر في أعينهم الحياة، ويسعون نحو نيل أقصى ما تستطيع نفوسهم من ملذاتها وخيراتها، بخاصة الشهرة والجمال والمال والولد؛ فكل الأحياء في مقتبل العمر اليوم أو في كهولته؛ بخاصة من السياسيين الذين يحرصون على الشهرة والنيل من شعوبهم العربية، وأذنابهم من الإعلاميين والفنانين، وصولًا إلى مبدعين قصروا نعمة الله عليهم على معاونة الظالمين، مرورًا بعسكريين أو أمنيين يحملون السلاح ضد الأبرياء أو حتى قضاة لا يحكمون بالعدل، الجميع مدعو لأن «يتلصص» على قصة «العقاد ومديحة يسري»؛ ليعرف كيف يمضي العمر من يد الجميع وينتهي بهم المطاف إلى الكفن ولقاء الله، بلا حتى ذرة من متاع الدنيا؟!

فإن قال قائل سنحيا اليوم بملذاته، ونبقي غدًا لغد؟!

كان الرد أن «هؤلاء الماضين» كانوا مثلهم اليوم، لكن منذ قرابة قرن إلا عقد، أو 100 عام إلا 10 سنوات، فما دامت لهم لا الشهرة، ولا المال والأولاد، ولا الجمال النادر، أو حتى وصلوا للحظة راحة كاملة في الحياة مع كل هذا!

كان «العقاد» يملك الشهرة الطاغية والعلاقات السياسية المتعددة، حتى إنه سب الملك «فؤاد» وسُجن عام 1930، وقت أن كان «العقاد» نائبًا في البرلمان، ودافع من قبل عن حزب الوفد، أبرز أعداء القصر الملكي، ثم انقلب عليه فأشبع نقدًا وسخرية، فضلًا عن أنه عُرفَ بالمعارك الأدبية الأشبه بتكسير العظام ما بين «مصطفى صادق الرافعي»، الذي لم يرحم «العقاد» ضعف سمعه الشديد؛ فأسماه «الأصم المهذار» أو عديم السمع الذي يكثر من السخرية في غير مكانها، وانبرى الأخير له بكتاب «على السفود» أي على فحم شوي اللحم لا الفكر وحده، ألا رحمهما الله تعالى!

ومن «الرافعي» لـ«طه حسين» و«زكي مبارك«»، مرورًا بـ«عبد الرحمن شكري»، وقد أسس مع العقاد جماعة الديوان الأدبية، لكنه انقلب عليه فحطمه وألزمه بيته، بعد أن عطل نبوغه وإبداعه الشعري، وصولًا إلى «أحمد شوقي»، أمير الشعراء، الذي لم يُسلم «العقاد» له بالإمارة وأرادها لنفسه، حتى «سعد زغلول»، لم يترك العقاد أحدًا تصدى له أو اختلف معه إلا وشنها حربًا شعواء تشهد عليها ساحات الجرائد والمجلات، ومن معركة لأخرى بلا رحمة أو هوادة، أفاق الرجل على العقد السادس من العمر مع الوحدة الشديدة، دون ولد أو أهل سوى الخادم، فطمحت نفسه.

كان يقرأ جريدة لعلها «الأهرام» في أوائل الخمسين من عمره ليتسلى، لما رأى صورة «هنومة خليل»، فتاة في مقتبل العمر ـ18 عامًا فحسب- سمراء متفتحة، واسعة العينين تسعى إلى الشهرة والفن، والشهرة لدى «العقاد»، لكن من باب الأدب، فماذا لو رضيت به، وهل تحلم؟ هكذا حدثت «العقاد» نفسه لتجتمع لديه «بها» الشهرة والمال والجمال، ويعوض شبابه من شبابه، ونسي «العقاد» صاحب القامة أن الحياة لا تعطي أحدًا مهما كان أو كانت عقليته كل شيء فيها، ولو كان «العقاد» صاحب العقلية والنبوغ.

واحتال حتى استطاع أحد تلاميذه أن يأتي بها إليه في مجلسه الأسبوعي ببيته، الذي يحمل رقم 13 في أحد شوارع ضاحية مصر الجديدة، الأفخم في مصر آنذاك، فسألها في البداية عنه:

ـ هل تعرفين العقاد؟

وعرض صورًا له مع مشاهير الصحفيين والساسة في مصر، فقالت ببساطة:

ـ عرفتُ اسمك من صاحبتي، ونحن قادمتين إليك.

ـ وطه حسين؟

ـ لا أعرفه!

ورغم أنها من عالم مختلف عن عالمه، فإن قلبه الذي تأخر في أن يدق حتى بلغ الخمسين تمسك بها، وقال الأديب السياسي الأريب الذي لا تعجزه عداوة أحد، قال لنفسه: نكسب هذه السمراء البالغة الجمال هذه المرة؛ فتكون كنزنا المدخر في الحياة، تهبنا الأنس والشباب والألق والولد، وباستقرار الحياة يصبح لدينا كل شيء، بعد مجيء المال الوفير.

بدأ يحدثها عن «هيجل، وسقراط، ومي زيادة» التي يريدها مثلها؛ وحدثته «هنومة» في المقابل عن «منيرة المهدية، وفتحية أحمد، وأم كلثوم»، التي تريد أن تكون مثلهن رغم ضعف صوتها، فلم ييأس «العقاد»، وحاصرها بتلاميذه، يحاولون اقتفاء أثرها، بل لقي أباها في «جروبي» واستدعياها ليشعرها الأديب الكبير أنه جاد في مسعاه للارتباط بها.

أما هي ففي البداية رأته رجلًا يستحق الشفقة والعطف، ويكفي أثاث بيته غير الحديث وخروجه ـ العقادـ لملاقاة ضيوفه يوم ندوته بالبيجاما؛ فطرزت له تلفيحة يضعها على رقبته وطاقية لشعره، ورويدًا رويدًا شعرتْ «هنومة» بأنه لا يحبها، ولكن يريد تملكها لتصبح أقرب لكتبه، يعدل ويبدل ويغير فيها كما يشاء، ولا يراعي أحلامها ولا ما يستحقه جمالها.

وغافلته وزارت الموسيقار الراحل «محمد عبد الوهاب» في مكتبه؛ فاختارها لتقف أمامه لتصوير أغنية «بلاش تبوسني في عنيه»، واتصلت بـ«العقاد» نكاية فيه وتشفيًا في محبته امتلاكها لتخبره بأنها ستصير ممثلة سينمائية؛ فلم «يخيب ظنها ولا حس الأنثى الذي قال لها إنه يريد امتلاكها لا محبتها»، وصرخ: تعالي لدي فورًا!

أغلقت الخط، وهي تتعجب منه، رجل كهل توشك شمس عمره على الغروب، ويريد امتلاكها باسم الزواج، وما تزال شمس حياتها تشرق بعد بـ18 عامًا فقط، فهي من عمر أبنائه، إن لم يكن أحفاده، لو أنه تزوج في مثل عمرها.

وذهبت فمثلت فيلمًا، وربما اثنين، ثم اتصلت به بكيد المرأة لتقول له إنها ستتزوج المطرب «محمد أمين»؛ فأغلق «العقاد» الخط في وجهها، وهرع إلى تلميذه الفنان التشكيلي الراحل «صلاح طاهر» يأمره أن يرسم له لوحة لتورتة جميلة يحيط الذباب بها؛ تعبيرًا عن رأيه فيها وفي الوسط الفني المحيط بها.

وكلما اغتاظ العقاد منها، ومن شهرتها، وعدم تلبيتها لطلبه، بسد النقص في حياته ليكون الإنسان الكامل، نظر إلى لوحتها فوق سريره فهدأ، ثم ما لبث أن ألف روايته الوحيدة «سارة»، قالت هي نفسها في التسعينيات من القرن الماضي إنها كانت عنها، وقال بذلك نقاد مشهورون منهم «طارق الشناوي»، رغم أن بطلة الرواية كانت متزوجة، ولعلها رغبة «العقاد» في مداراة قصة فشله العاطفي.

وعاش الرجل عملاق الأدب والفكر «العقاد» حتى 12 من مارس (آذار) 1964، حين قبض الله روحه، وعاشت هي حتى 29 من مايو الماضي؛ هو افتقد فيها دفء الأسرة والبيت والولد حتى وفاته، فلم يفكر في الزواج بعدها؛ وهي تزوجت أربع مرات، ووجدت الشهرة التي بحثت عنها، والمال الوفير، لكن الله قبض إليه ولدها «طارق» ففقدت بعضًا من روحها، ولم تلبث أن تنقلت من بيت زوج لآخر، فافتقدت استقرار العاطفة ودوام وجودها، وطالما بحثت عنها صغيرة، وتصورت الفن جنة تبلغ بها الراحة القصوى في الأرض، ولم تكن تعلم وتعرف أن كل أزواجها سيخونونها كما صرحت قبل مرض الرحيل؛ وأن الوحيد الذي لم يخنها تمردت عليه ورفضت الزواج منه، فبقي وفيًّا لذكراها!

وفي نهاية حياته كان «العقاد» يحرص بنبل على ألا يتذكر «هنومة خليل علي»، وفي نهاية حياة «مديحة يسري» حرصت بنبل وألم على أن تنكر أنها كانت بطلة رواية العقاد «سارة»، بل حياته؛ كما في حوارها مع برنامج «واحد من الناس» عام 2017.

وكلاهما كان يود أن ينكر أنه افتقد حياته بضياع الآخر منها.

تُرى مَنْ يدرك أن الحياة لا تعطي كل شيء عبر قصتيهما، فيؤثر العمل للإبقاء من الدنيا الذاهبة الراحلة، وإن عاش المرء ربع قرن كـ«العقاد» بعد افتقاد حب بحث عنه طوال نصف قرن آخر؛ أو حتى عاش ثلاثة أرباع قرن أو نحوه بعد التفريط فيما لم يجد بديلًا عنه طوال حياته، كما فعلت «مديحة يسري»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مشاهير
عرض التعليقات
تحميل المزيد