إن عظمة الكاتب ليست متأتية من كون ما يكتبه عظيمًا، ولكنها تعتمد أيضًا على البواعث التي تجعله يكتب ويخلص في ذلك، وقد ينبري الكاتب في التأليف وقد هيأت له جميع أسباب النجاح والبروز، ولكن البواعث ضعيفة والدوافع باهتة سقيمة فينعكس على مضمون ما كتب انعكاسًا يذهب بالكاتب ومؤلفاته أدراج الرياح، فلا تلمس فيه الروح ولا الانتماء ولا العقيدة كأنها الجسد فارقته الروح، كذلك كانت كتب العقاد إلهامًا جارفـًا وظاهرة تعجز في مجاراتها الظواهر، كيف لا؟ وهو يكتب بدم القلب، ويهتدي بنور الاعتقاد القويم، وتقوده البواعث العظام.

إن كتاب عبقرية محمد لدليل مشرق على براءة عباس محمود العقاد من التهم التي يحاول الشانؤون الحاقدون إلصاقها به، بل إنها أكدت مرة أخرى أنه لم يتوفر في جيل حافل من الكتّاب والمؤلفين الذين أنجبتهم الأمة العربية من تصدر وسخر يراعه وصحفه مكافحًا منافحًا عن العظمة والعظماء في الإسلام كما فعل، فيجلد كل صغير تسول له نفسه التطاول وينجح في إبراز الحقيقة وترصيعها بالحجة والدليل، وينتصر دائمًا ومن مثله لا ينهزم، وقد اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم رهانـًا وأنموذجًا للعبقرية الإنسانية.

أنتج العقاد مجموعة كبيرة من كتب السير والتراجم وكانت اختياراته تنصب على الشخصيات الإسلامية العظيمة التي إنهال عليها القدح والكيد، وطالتها سهام التشويه والتضليل، ولا شك أنه لم يكتب عن عمر بن الخطاب مستعرضًا سيرته ولكن خصه بالتدوين حتى يحصحص ما كان حاصلًا في سيرته من الشوائب والعلل التي دست في صحائف التاريخ، وما كتب في علي بن أبي طالب وعثمان وأبي بكر ومعاوية وخالد بن الوليد إلا لذات الشأن، وهاهو يكتب أيضًا للرسول صلى الله عليه وسلم، والعقاد ليس من الكتاب الذين تحركهم الأهواء وتستثيرهم العواطف ولكن العقيدة تحركه وإجلاله للعظمة في جميع حالاتها ومظاهرها، ولا شك أنه يرى في الإسلام العظمة الخالدة والنبراس الذي أعاد للكون فطرته وروحه، ولا أعتقد أن إظهار الحق ومغالبة الباطل من على المنابر والمؤتمرات والخطب بين الجماهير يختلف عنه في الكتابة والتدوين والتأليف والعقاد والشيخ أحمد ديدات عندي على فلك واحد، فهما يحملان مسؤولية الجهاد الفكري والدعوي كل حسب السجية والملكة التي وهبها الله له، وعلى قدر أهل العزم تأتي المكارم، فكلاهما شجرة عظيمة وافرة أينعت وأورقت وأنتجت عذب الثمار وأنفعها، ولم يكن ليكون للعقاد مثل هذا الباع لولا همته العالية ومطالعته الغزيرة ومحبته للمعارف وغرامه بها؛ فالكتب في فقه عباس محمود العقاد ضروري الضرورات وكنه الموجودات وله فيها فلسفة خاصة يسردها في كتابه فصول فيقول: «الكتب كالناس، منهم السيد الوقور، ومنهم الكيس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، والساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل والوضيع والخليع، والدنيا تتسع لكل هؤلاء، ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلًا كاملًا للدنيا، يقول لك المرشدون: اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول: بل انتفع مما تقرأ، إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟ وقد زاره أحد أصدقائه المثقفين في مكتبته فتفاجأ بوجود كتب تخص الحشرات فسأل العقاد ما لك وللحشرات وأنت تكتب في الأدب والثقافة؟ فأجابه العقاد بذكاء وهل نسيت أنني أكتب أيضًا في السياسة، فتبسم الضيف وعلق قائلًا: أنت محق من يكتب في سياسة السياسيين جدير أن يكتب أيضًا في الحشرات، فالعقاد يعتقد أن كل كتاب صالح للقراءة وإن بدا سيئًا ورديئًا أو بالأحرى لن تصل إلى تقييم منصف له إن لم تقرأه؛ فكل كتاب مهما بلغ سوءه لن يبخل عليك بمعارف جديدة، وهو أمر أعتقد أنه نسبي ويخضع لنوعية القارئ وهدفه من القراءة؛ فبعضهم يقرأ ليتسلى وبعضهم يقرأ ما يتيح له الاجتهاد في وظيفته، ومنهم من يقرأ تدعيمًا لمشواره العلمي وفي كل ما سبق يختار القارئ بعناية كتبه، وقليل من القراء من هم في هيامهم وعشقهم بالمعارف كما هو العقاد، والناس أصناف ولا شك أن صاحب العبقريات صنف فريد.

إنه لحري بنا أن نكتب في سيرة العقاد بالقدر الذي كتب فيه سير الأعلام وهو لا شك علم من الأعلام الذين تركوا بصمة ناصعة في الأدب العربي الحديث، بل إنه تغلب على أقرانه من حيث عصاميته وشجاعته التي كادت أن تقذف به إلى المهالك، بل إنه ناضل من أجل حرية الإنسان وكرامته وتصارع مع الطغيان كثيرًا، كما بدت عداوته لنابليون وهتلر كانعكاس لشخصيته القوية والصارمة؛ فهي في الوقت ذاته تسلط الضوء على معالم الإنسان فيه ودفاعه المستميت عن القضايا المظلومة بدءًا من القضية الفلسطينية.

ويبقى أن ما أفهمه ورغم حبي وانبهاري بعبقرية العقاد إلا أن عقدة العصامية بقيت تطارده – رحمه الله- وتنغص حياته الفكرية، فراح يصارع كل أقرانه الأدباء ليثبت لنفسه أنهم وإن درسوا في أرقى الجامعات وتدرجوا إلى أعلى الدرجات فعصاميته ستهزمهم؛ فخاض معارك شعواء من طه حسين إلى جبران إلى كل أقرانه، ولكنه انتكس عند اثنين، أحمد شوقي والرافعي، رحمة الله عليهم جميعًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد