(1)

ها هي الانتخابات المحلية الموعودة الأجل ترتطم بجدار العناد الذي ما انفك يعيشه عباس، وقد انعكس في كل تفاصيل المشهد الفلسطيني ومكوناته التي يجثم عليها جميعًا، في سابقةٍ نادرة لمثله، وقد جُمعت له رئاسات متعددة وأخرى لم يصلها غير أنّه أمعن في مصادرتها وإجهاضها ما أمكن له ذلك سواء ما هو حادث في منع انعقاد المجلس التشريعي في الضفة الغربية أو الدعوة لانعقاده، وكذلك إهلاك كل ما يتوكل منه المجلس الوطني القائم بالتعيين والتكليف، ورئاسة حكومة لا تقوى أن تخطو خطوة في غير تحديد مسارها ووجهتها.

كل ذلك كائن في شخص تهالك بيولوجيًا وقد طعن في الثمانين من عمره، ناهيك عن تهالكه أيديولوجيًا وقد كفر بكل قيم الثورة وأخلاقيات الثوار، بل وبوصفٍ أدق فهو مُلحد بها (الثورة) إذ لم يُؤمن بها من قبل.

لذا تجده يُفاخر بما قدّمه ويُقدمه من مشاريع تُمعن بمزيدٍ من الحصار على من يُفترض أنّه رئيسهم (قطاع غزة)، وتجده كذلك وكأنّه يتلذذ في ترديده باستمرار، في مناسبة وغير مناسبة، بأنّه مستمر في أداء واجبه المقدس، عبر بوابة التنسيق الأمني، والذي شدد المجلس المركزي في غير مرة من جلساته على إيقافه وإخراجه بالكُليّة عن السّكة الوطنية التي ما عادت تستطيع تبريره بأي وجه من الوجوه.

ولكن، هيهات أن يُستجاب لذلك وقد ارتهن القوم، بكل أسف، لصالح مشاريعهم الخاصة المرتبطة مع الاحتلال وسلطاته، وهي من تُمارس القهر على الكل الفلسطيني في الداخل والشتات.

(2)

وإنّه وإلى أجلٍ قريبٍ لم يكن شيءٌ يمكن أن يُفسر كلّ هذا الصّلف والعناد الذي يبدو في صورة غباء سياسي حين يُسجل النقاط في شباك الوطن.

وقد استحكم في شخص العجوز (عباس) الجشع والهلع؛ فما زال يراكم ثروات أبنائه بتزايد مضطرد كلما استشعر بدنو أجله، حتى بات الجميع ينتظر هلاكه بعد أن أُحيط به شرّ ما صنعه وقد أُشرب في قلبه حبّ العجل أصحابه (يهود).

وفي مقابل جشعه فهو يزيد في شُحّه على الخير تجاه من ينهب ثرواتهم، ويصادر مستقبل أجيالٍ وهو يعلم أنّ آباءهم انتفضوا كي يعود من بمثله إلى الوطن الغالي، بعد أن لفظتهم كل عواصم بلاد العُرْب، وأطبقت عليهم الأرض بما رحبت، حتى ضاقت عليهم أنفسهم.

وقد عجزت قيادات نافذة عن سداد احتياجاتهم الأولية قبل أن يندلفوا إلى غزة المنتفضة وقتها لأجل الوطن؛ فتستقبلهم بصورة تعكس أصالة هذا الشعب وحسن وفائه.

لكنّهم؛ يُقابلون بهذا الإحسان نكرانًا للجميل، وتنصلًا عن القيام بالواجب المنتظر منهم، وغزة هي من كانت ملاذهم الأخير، وحصنهم المنيع حين أطعمتهم من قوتها، وأمّنتهم من خوفهم.

وإلى اليوم، ما زال الجاهلون يحاولون ما استطاعوا أن يهدموا المعبد فوق رؤوس سدنته، وينتظرون أن تسقط القلعة المنيعة؛ فيعبثون، بجهالة أو إجارة، لخرق سفينة الوطن.

فتـارة يُحرّضون السفهاء، وأخرى هم فيها يشمتون بما يناله منا الأعداء الصهاينة ومن لحق بهم من بني جلدتنا، أو يُتفّهون ما ننال من عدونا بسلاح صنعته أيدٍ فلسطينية مخلصة، وغير قليلٍ، تجدهم يقدّمون المعلومات للعدوّ بما يصلون إليه بأجهزتهم التي تُثير الأراجيف، وتتلصص على المجاهدين، وتختلق الكيانات الشاذة؛ لتطعن الثوار في ظهورهم!

(3)

وبرسم السؤال نطرحها بين يدي القارئ الكريم؛ بماذا يمكن أن تُفسر هذه الجهالة الجهلاء في معاني الوطن وقيم الوطنية، وهم في كلّ مرّة يعودون لمثل صُنْع ما أوردهم المهالك؟

أهي جهالة، فعلًا، لقوم لا يتعلّمون من تجاربهم؟ أم أُجراء يجعل لهم مستخدمهم خَرْجًا مما يُمكّن لهم به من أوطاننا، ولقمة عيش أبنائنا؛ فيتلقفونها منه في بوابات المعابر، أو في الوكالات المعتمدة، أو في إسهامات الشركات الكبرى، أو في كل ما سبق ذكره وغيره؟!

لكن، الذي لا يُدركه هؤلاء الأُجراء المُغفّلون أنّ شعبنا وإن كان متسامحًا كريمًا، غير أنّه لا يغفر الخيانة بأي شكلٍ جاءت، وبأي خِرقة ظهرت وبدت، وأنّها (الخيانة) في إيمانه جريمة لا يُمكن أن تُبرّر بحالٍ، ولا هي تسقط بالتقادم.

وأنّ ذيولها مهما امتدت وتشابكت والتوت غير أنّها مقطوعة، وأنّ رؤوسها مهما تطاولت وتكاثرت إلا أنّها، بعون الله، مجذوذة هالكة، هذه فلسطين (لا يعلو منافقوها على مؤمنيها)!

غير أنّ ما لا يُريدون إدراكه أن من يعملون أجراء عندهم (المحتلين) لا يرقبون فيهم إلًّا ولا ذمة.

(4)

ففي مشهد يذكرنا بما حلّ بالرئيس الراحل أبو عمار الذي أدرك بأنّ اليد التي تمد للسلام مع العدو لا يقابلها بغير الغدر من قوم (بُهْت).

فها هو (الاحتلال) يُخرج ما خبأه عبر إعلامه المسموم وبما يُسيء؛ فيظهر العورات المدسوسة لمستخدميهم، تتارًا، على السطح الإعلامي.

فلم يكن إظهار حقيقة ما حملته وثائق كان قد سرّبها عميل المخابرات الروسية والذي حملها معه إلى أوروبا قبل عقود، وهي ما تكشف النّقاب عن عملاء لجهاز المخابرات الروسية في حقبة الاتحاد السوفياتي.

فتكشف إحدى هذه الوثائق بأنً محمود عباس، والذي يعمل رئيسًا لهيئات سيادية فلسطينية متعددة، كان وكيلًا أمنيًا لصالح المخابرات الروسية (كي، جي، بي) عمل لهم 1983 في الساحة السورية باسم حركي (كورونوف)، أي الخلد (حيوان من فصيلة القوارض أعمى العينين يعيش تحت الأرض في أنفاق يحسن بناءها وتشعيبها).

ولم تُشر الوثيقة إلى قطع العلاقة الأمنية السرية بعد، والتي لم يكشف النقاب عنها من قبل، ولم تكن، بالقطع، معلومةً لدى الجهات الأمنية العاملة في إطار منظمة التحرير (الأمن الموحد) الذي اغتيل قائده وكثيرٌ من رموزه، وقد شهدت اختراقات كبيرة نالت من قيادة وازنة في (م، ت، ف) كان أبرزها أبو جهاد الوزير، وليس آخرها أبو عمار.

وإنّه لم يكن معلومًا كذلك بأنّ الاختراق قد وصل هذا المبلغ، بأن يصل إلى كل هذه الرئاسات للمؤسسات السيادية عميلًا لدى جهة أجنبية!

ولا يمنع أن يكون ذاته العميل يعمل مقاولًا لدى جهات متعددة، وهذا غير مستبعد لشخصٍ يفاخر بالخيانة للوطن هو رأس هرمه السياسي، عندما يكرر في طقوسه السياسية تقديسه للتنسيق الأمني مع الاحتلال!

(5)

وفي عودٍ على ذي بدءٍ، ومحطة أخرى من العبث السياسي انتهت أو تكاد تنتهي (الدعوة لإجراء انتخابات محلية)، وقد أراد العجوز (عباس) من ورائها أن يشغل بها الساحة الوطنية والإقليمية وكلّ خصومه بها.

غير أنّ قرار حماس بإنجاحها، في استجابةٍ منها لدعوة العقل الجمعي الوطني الفلسطيني المتطلع إنهاء الانقسام، كشف هذه المناورة على حقيقتها.

وهذه الاستجابة هي ذاتها ما جعلت عباس يُمارس تلكؤه المعهود منه، ووضعه للعصي في دواليب العملية الانتخابية، سواء بما أصدره من مراسيم تخص بلديات بعينها من تحديد نسب وإلزام برئاسات لشركاء الوطن (المسيحيين)، أو إطلاقه أيدي أجهزته الأمنية بإيعاز منه مباشر وفي تبادل للأدوار مع الاحتلال بالملاحقة والاعتقال والتهديد لكل من يتهيأ أو يبادر للمشاركة بالمنافسة غير القوائم التي يشكلها.

وذلك؛ لتسميم أجواء المنافسة التي من شأنها أن تقتل أي معالم للحرية والنزاهة في الضفة، حتى لم تسلم غزة من الملاحقة، بالابتزاز بقطع الرواتب أو التهديد الوعيد من أجهزة عباس المتهالكة تلك.

وفي صلفٍ، معهود منه، يقطع عباس هذا الطريق عبر منظومة العدالة الغائبة، وهذه المرة من منصّة محكمة العدل العليا، بقبول طلبين تقدم بهما شخصٌ لم يُعرف حتى على صعيد مهنته (المحاماة) قبل أن يَقْدم على ما طُلب منه، ففي أحدهما يشكك الدّعي بشرعية الانتخابات في غزة!

كيف؟ وغزة التي تُسيّج إرادتها الفلسطينية الحرة أجهزة أمنية عقيدتها الوطن لم تبرح أن تُلاحق العابثين، غزة المقاومة المنيعة التي تحول دون عنجهية الاحتلال التي يعانيها أهلنا في ضفتنا صباحًا ومساء. غزة التي وفّرت أفضل أجواء لممارسة العملية الانتخابية، بشهادة الأستاذ جميل الخالدي مدير اللجنة المركزية للانتخابات في غزة التي تفرد بتشكيلها، كما العادة، عباس.

ولا أختم بما قالته العرب تبكيتًا: (لا نامت أعين الجبناء) فحسب، بل نقول: لا نامت أعين العملاء في وطنٍ يعشقه أبناؤه ويحبونه أكثر مما تخافون من شرّ غدركم وخسة نذالتكم أيها الأُجراء العابثون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عباس
عرض التعليقات
تحميل المزيد