استطاع المسلمون إقامة دولة لهم في شبه الجزيرة العربية وعملوا على التوسع المطرد في النواحي المتاخمة لدولتهم وقد وجدوا أن الأراضي القريبة منهم والواقعة تحت سيطرة الإمبراطورية الفارسية الساسانية شرقًا والأراضي الواقعة تحت الحكم الروماني البيزنطي غربًا هي التي تشكل مناطق ذات ابعاد استراتيجية هامة لدولتهم الناشئة.

وقد استطاع العرب المسلمون التوسع في تلك الأراضي بسرعة مبهرة فلم تحل سنة 650 م/29هـ حتى كانت سوريا والقسم الشرقي من آسيا الصغرى والعراق وفلسطين ومصر وجزء من الولايات البيزنطية في شمال إفريقية قد دخلت تحت الحكم العربي.

ومع نهاية القرن السابع فتح العرب إفريقية كلها وبدأوا يتطلعون إلى فتح شبه الجزيرة الأيبيرية وهو ما تحقق فعلًا في بدايات القرن الثامن الميلادي، ولم يقتصر المد الإسلامي في الأراضي البيزنطية على التوسع البري وحسب – بل إن العرب المسلمين الذين كانوا حديثي العهد بركوب البحر – قد استطاعوا عام 655 م أن يهزموا الأسطول البيزنطي في معركة ذات الصواري وبذلك استطاعوا أن يشاركوا البيزنطيين السيطرة على البحر المتوسط وأن يستولوا على بعض الجزر الهامة في البحر المتوسط.

وقد تغير شكل العلاقات السياسية والحربية بين دول الإسلام المتعاقبة مع الإمبراطورية البيزنطية فبينما كان الخلفاء الراشدون ينظرون إلى التوسع في أراضي الإمبراطورية على أنه نوع من الجهاد ونشر الدين الإسلامي في أرض جديدة إلا أن الدولة الأموية قد وجدت في أراضي البيزنطيين ميدانًا واسعًا لتوسيع رقعة ملكهم وفرض نفوذهم.

وحاول الأمويون – أكثر من مرة – أن يقضوا على الإمبراطورية البيزنطية نهائيًّا، وأن يفتحوا عاصمتها المنيعة القسطنطينية وقد بدأت تلك المحاولات في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان عندما قام بتجهيز حملة بحرية ضخمة شارك بها العديد من الصحابة عام 49هـ، وبالرغم من فشل الحملة إلا أن خلفاءه حاولوا تحقيق ما كان يصبو إليه، فقام الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بتجهيز جيش ضخم وصل إلى 100 ألف جندي و 1800 سفينة حربية وجعل أخاه مسلمة بن عبد الملك قائدًا على هذا الجيش ووجهه لغزو عاصمة البيزنطيين.

وبالرغم من الحصار الذي فرضه المسلمون على القسطنطينية لمدة عام كامل إلا أن برد الشتاء القاسي ووفاة الخليفة سليمان وولاية الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز الذي كان يريد تأمين الدولة داخليًّا قبل متابعة الفتوح والحروب كل تلك العوامل قد أدت إلى رفع الحصار عن عاصمة الإمبراطورية ورجوع الجيش الأموي إلى قواعده عام 100 هـ.

ومع نهاية عصر الخلفاء الأقوياء في دولة بني أمية، بدأت فكرة فتح القسطنطينية تبتعد شيئًا فشيئًا عن الخلفاء الذين انشغلوا بمشاكلهم الداخلية والثورات التي ضربت الدولة الأموية في عدد من المناطق.

وبذلك خف الضغط عن الإمبراطورية البيزنطية وبدأت تحدث بعض المناوشات على الحدود بين الدولة الأموية والإمبراطورية البيزنطية، وقد تزامن مع الضعف الذي أصاب الدولة الأموية بعد وفاة الخليفة هشام بن عبد الملك عام 125 هـ، تزامن معه حدث آخر وهو صعود نجم الدعوة العباسية التي استغل أصحابها الحالة المضطربة التي تمر بها دولة الخلافة وقاموا بالترويج لفكرة الرضا من آل محمد الذي يقيم الحق والعدل بدلًا من الظلم والجور.

وبالفعل استطاع دعاة العباسيين أن يثوروا في أكثر من مكان وأن يستولوا على بعض الأقاليم من الولاة الأمويين وهزموا مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين في أكثر من موقعة، وطارده صالح بن علي العباسي حتى قتله في 17 من ذي الحجة سنة 132 هـ / 17 أغسطس سنة 750 م وتم احتراز رأس مروان بن محمد وأرسل إلى الكوفة ليشاهده ابن العباس أول الخلفاء العباسيين

وكان من الطبيعي أن يبدأ العباسيون في تنظيم دولتهم وأن يقضوا على الثورات التي اندلعت في بدايات عهدهم فشغله ذلك عن استئناف الجهاد ضد البيزنطيين بعض الوقت وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصراع العباسي البيزنطي قد أخذ شكلًا مغايرًا عن الصراع الأموي-البيزنطي فإن كان الأمويين قد نظروا إلى صراعهم مع الإمبراطورية على أنه صراع وجود يوجب القضاء نهائيًّا على الإمبراطورية البيزنطية والاستيلاء على عاصمتها إلا أن العباسيين قد نظروا في صراعهم مع البيزنطيين على أنه صراع وجود لا يتعدى فرض السيطرة والاستيلاء على بعض المراكز الهامة للجانب البيزنطي مع تأمين الحصون الحدودية بين القوتين.

ويرى د. السيد عبد العزيز سالم أن هناك سببين مهمين لتغيير شكل الصراع بين العباسيين والبيزنطيين عن شكله السابق في عهد الأمويين، السبب الأول وهو قلة اهتمام البيزنطيين بالبحرية في هذا العهد، السبب الثاني تحول سياسة العباسيين إلى الشرق.

وقد حاول البيزنطيون استغلال انشغال العباسيين بتثبيت قواعد دولتهم الناشئة فقام الإمبراطور قسطنطين الخامس بمهاجمة منطقة الثغور الجزرية وأغار على كل من ملطية والحدث وعندما عرف ابن العباس السفاح بذلك أمر بتجهيز الجيوش للرد على ذلك العدوان إلا أن الموت عاجله عام 136 هـ.

استطاع الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أن يستعيد ملطية وأن يحصنها ويعيد بناء أسوارها وقام بعقد معاهدة عام 139 هـ مع الإمبراطور قسطنطين وبموجب تلك المعاهدة توقفت الغارات بين القوتين حتى عام 146 هـ.

وقد اهتم المنصور بضرورة تجهيز العسكر والأجناد في حالة وقوع الحرب مع البيزنطيين فقام ببناء مرعش والمصيصة كما بنى مدينة الرافقة عام 155 هـ على الفرات وشحنها بالجند الخرساني لتكون مركزًا عسكريًّا هامًّا له في حالة الحرب.

وسار المهدي على نفس سياسة أبيه، فحصن العديد من المدن والحصون الواقعة على الحدود بين الدولة العباسية والإمبراطورية البيزنطية واهتم بطرسوس والحدث وعندما قام الإمبراطور ليو الرابع بحملة ضد سميساط عام 159 هـ قام المهدي بحملة مماثلة للرد عليه وقد وصلت حملة المهدي حتى أنقرة  ولكنها لم تحرز أي نتائج.

وفي عام 162 هـ أغار البيزنطيون على حصن الحدث فخربوه وهدموا أسواره فأرسل المهدي قائده الحسن بن قحطبة في الصائغة ومعه جيش من ثلاثين ألف جندي فقام ببعض الأعمال التخريبية والتدميرية دون أي فائدة، ووجد المهدي أنه يجب أن يقوم بعمل أكثر أهمية من ذلك فقام بتجهيز حملة كبيرة وخرج فيها بنفسه ومعه ابنه هارون عام 163 هـ وسار المهدي مع الحملة حتى البستان ثم رجع وترك القيادة لابنه واستطاع هارون أن يفتح حصن سمالو.

ولم يلبث أن توفي الإمبراطور ليو الرابع فخلفه ابنه قسطنطين السادس الذي كان ما يزال صغيرًا فتولت أمه إيرين الوصاية عليه وكانت إيرين تخاف من تغلب المسلمين على القسطنطينية ولذلك آثرت أن تعقد الصلح مع هارون الرشيد وأن تدفع له الجزية.

أما هارون فقد اعتلى كرسي الخلافة بعد فترة حكم قصيرة لأخيه الهادي ولعل من المهم أن نذكر هنا أن هناك عددًا من المصادر الأوروبية تذكر أن هناك عددًا من السفارات الدبلوماسية تمت بين الدولة العباسية والدولة الرومانية المقدسة وأن تقاربًا في وجهات النظر قد حدث بين العاهلين العظيمين هارون الرشيد وشارلمان ومن الغريب أن المصادر العربية لم تشر إطلاقًا لأمر تلك السفارات والهدايا المتبادلة بين الملكين.

ويبدو أن مصلحة الرشيد وشارلمان كانت متفقة ضد الإمبراطورية البيزنطية والدولة الأموية في الاندلس إذ كانت الممالك الأربعة: الدولة العباسية، الإمبراطورية البيزنطية، الدولة الرومانية المقدسة، الدولة الأموية في الاندلس، تقع بشكل متداخل وتتضارب مصالحها ومناطق نفوذها لدرجة جعلت السفارات الدبلوماسية بينها لها أهمية كبرى.

واستمرت الهدنة التي عقدت بين الرشيد وإيرين حتى استطاع نقفور الأول أن يدبر مؤامرة ويصل إلى العرش الإمبراطوري، واستغل المسلمون فرصة انشغال الامبراطور الجديد بحل مشاكله الداخلية فقام القاسم بن الرشيد عام 187 هـ بحملة في اسيا الصغرى وصل فيها حتى مدينة حصن قرة ثم انسحب مقابل الافراج عن بعض الاسرى المسلمين.

ولكن نقفور ما لبث أن نقض اتفاقه مع الرشيد وأرسل له خطابًا شديدًا يتوعده ويهدده به  فغضب الرشيد غضبًا شديدًا وجهز جيشًا كبيرًا قاده بنفسه واقتحم منطقة الثغور ودمر وخرب الأراضي التي قابلته حتى وصل إلى هرقلة وعندما أحس نقفور بالخطأ وخاف على ملكه فطلب الصلح والمهادنة وقام بتأدية الجزية إلى هارون وكذلك فقد قام الرشيد بتحصين العديد من النقاط الحدودية المتاخمة للبيزنطيين وأقام منطقة جديدة بين شمال الجزيرة وشمال الشام أطلق عليها اسم منطقة العواصم، وجعل قاعدة هذه المنطقة في منبج ورتب فيها جيشًا دائمًا.

توفي هارون الرشيد عام 193 هـ وبوفاته حدث الصراع الشهير بين ولديه محمد الأمين وعبد الله المأمون وقد أثر ذلك الصراع تأثيرًا كبيرًا على سياسة الدولة العباسية الخارجية تجاه الإمبراطورية البيزنطية ذلك لأن موارد الدولة كلها قد أضحت مستخدمة في الحرب الأهلية وهو الأمر الذي أتاح الفرصة للبيزنطيين وخففت من الضغط الواقع عليهم.

ولكن عقب ولاية المأمون وجلوسه على كرسي الخلافة عاد الوضع إلى حاله الأول وبدأ الضغط العباسي الممتد على الحدود مع الإمبراطورية في الازدياد.

وحاول المأمون التدخل في الشؤون الداخلية للإمبراطورية واستغل الفتنة الداخلية التي تزعمها توماس الصقلبي ضد الإمبراطور ميخائيل الثاني عام 821 م وأخذ المأمون يمد توماس بالمال والسلاح بل أن المأمون قد أمر بطريرك أنطاكية أن يتوج توماس إمبراطورًا وأمده بجند من العرب والفرس والأرمن، كل ذلك حتى يصل توماس إلى عرش القسطنطينية تحت سيطرة وحكم فعلي من الخليفة المأمون ولكن ميخائيل العموري استطاع أن يقضي على الثورة عام 823م

وبعد وفاة الإمبراطور ميخائيل تولى الحكم ابنه ثيوفيلوس عام 829 م وأراد أن ينتقم من المأمون فقام بمساعدة بابك الخرمي ودخل في عدة حروب مع المأمون، وفي عام 218 هـ أمر المأمون ببناء حصن الطوانة وأن تسكنه فرق من الجند من مصر والشام والجزيرة.

وتوفي المأمون بالقرب من حصن لؤلؤة وكان في طريقه لغزو البيزنطيين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد