نقاط فاصلة في تاريخ الخلافة العباسية

مع حلول عام 847 ميلاديًّا بدأ الانهيار يدب في أوصال الدولة العباسية، وتتقلص سلطة الخليفة لصالح الوزراء وقادة الجنود الأتراك.

مع هذا الواقع حاول الخليفة المتوكل التخلص من الأتراك، فقتل عددًا منهم، وحاول نقل العاصمة، وغيَّر مذهب الدولة من المعتزلي إلى السني الشافعي، وبدأ باضطهاد الشيعة بعد أن تحسنت علاقتهم بأسلافه من الخلفاء، وهدم ضريحي الإمام علي والإمام الحسين، وكنائس العراق، ومعابد اليهود، مع إلزامهم بارتداء ما يميزهم عن المسلمين، وحرمانهم من ركوب الخيل؛ فدبر له الأتراك الخونة مؤامرة لقتله، وتمت مبايعة ابنه، ثم عاشت الخلافة فترة من عدم الاستقرار والثورات، حتى بلغت أملاكها ربع ما كان لبني أمية، وتدخل الأتراك في تعيين الخليفة وعزله وسجنه، شجع الولاة على الاستقلال، وقامت الثورات، وشاعت الفتن.

وكان الخلفاء العباسيون في عصور الضعف يعتمدون على ولاة أو أمراء جد أقوياء، يحتمون بهم، وإذا أراد خليفة أن يغير نفوذ الوزراء والقادة كان يستعين بغيرهم، ولهذا استحدثت مناصب مثل أمير الأمراء والسلطان.

وأول من استحدث هذا المنصب بدافع حمايته وحماية العرش من الثورات، ومن تدخل الأتراك، ولعدم قدرة الوزراء على النهوض بمهام الدولة كما يجب، كان الخليفة الراضي بالله عام 934 هجريًّا، وكان يعهد لأمير الأمراء بالشؤون المدنية والعسكرية، وبالتالي حل منصب أمير الأمراء مهام الوزارة، وتولى محمد بن رائق أمير واسط هذا المنصب، وقلده الخليفة كافة السلطات والصلاحيات، وسادت حالة من الفوضى بينه وبين أحد قادته يسمى بـ«حكم»، وبين الأتراك وبين الخليفة حتى حسم الأمر دخول الحمدانيين بغداد في عهد المتقي بالله. وكان الحمدانيون أسرة شيعية موالية للعباسيين، وأعطاهم الخليفة ألقابًا مثل أمير الأمراء، وناصر الدولة، وسيف الدولة، ولكن الأتراك وحدوا قوتهم بقيادة الأمير توزون، وحدث صراع بين الأتراك وبين الحمدانيين.

وأشهر أمرائهم سيف الدولة الحمداني، وأبو فراس وشاعرهم المتنبي الذي أحدثت أشعاره صدى إعلاميًّا وشهرة واسعة للحمدانيين، وكذلك حربهم وانتصاراتهم ضد الروم. ولكن ضعفت الدولة الحمدانية ومعها المتقي بالله حليفهم وأخرجهم الأتراك من بغداد، وفر معهم الخليفة، إلا أن الأتراك أرسلوا له وأعطوه الأمان، ولكنهم كعادتهم خائنون كاذبون، بعدما عاد عزلوه وسملوا عينيه وبايعوا خليفة غيره.

ظلت الأمور على سوئها في بغداد حتى دخلها البويهيون وأطاحوا الأتراك، وكان ذلك في عهد معز الدولة البويهي، وكان سلطانًا من الديلم، وبنو بويه أسرة شيعية تميل إلى المذهب الزيدي، دخلوا بغداد سنة 945 م وأطلق على نفسه حامي الخلافة، وكان عهدهم عهد استقرار وإحسان وإصلاح وقوة، وازدهرت الحركة العلمية والأدبية، واهتموا بالمراقد المقدسة اهتمامًا كبيرًا وأسسوا المساجد وعمروها، وبلغت قوة الدولة في عهد عضد الدولة بن بويه، ودامت سيطرتهم على بغداد حوالي 130 عامًا، ولما قدم معز الدولة أحمد بن بويه في عهد المستكفي بالله، وأصبح من هذا التاريخ الخليفة منصبًا شرفيًّا والقوة والسلطة في يد السلطان.

 وفي عام 1055م عندما أرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى طغرل بك السلجوقي أن يدخل بغداد ويخلصه من البويهيين. والسلاجقة قبائل من الغز التركمان، وكانوا من أهل السنة، وحكموا مساحات واسعة من الدولة الإسلامية، وأحسنوا للخلفاء العباسيين، ومن أهم خلفائه ألب أرسلان الذي بدأ يقلص نفوذ الفاطميين.

وبدأ الاستقرار في عهدهم وتوسعت الدولة حتى وصلت إلى الأناضول وسوريا، وامتد ملك القائم بأمر الله لمدة 45 عامًا، إلا أن الحملات الصليبية بدأت في عام 1098م، وقد ساهمت في الإسراع بزوال دولتهم، ومع النزاعات الداخلية للسلاجقة ظهر نور الدين زنكي السلجوقي، الذي ثبت ملك الخليفة؛ فاستعاد الخلفاء السلطة عام 1136، واستطاع المقتفي لأمر الله أن يستقل ببغداد، وسقطت الدولة الفاطمية وعلا نجم الدولة الأيوبية، وطهر صلاح الدين الشام من رجس الصليبيين عام 1187 حتى عام 1258، بعد دخول هولاكو سلطان المغول بغداد وتدميرها وكتبتها والمدرسة المستنصرية، بعد أن عصف ببلاد فارس وخراسان، حتى سقط الخليفة المستعصم بالله، وكان متوليًّا الوزارة وزيره ابن العلقمي.

تم نقل مقر الخلافة إلى القاهرة في حماية سلاطين المماليك، الذين انتصروا على التتار في عين جالوت عام 1260، وظلت الخلافة في القاهرة حتى عام 1517، ولم يمض إلا نصف قرن من خراب بغداد إلا ودخل أعداد كبيرة من المغول في الإسلام، ونشروه في غالبية أرجاء قارة آسيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد