كثيرًا ما يهرب المثقفون، وغيرهم، والمتعلمون، والأقل منهم، من أمام أي خبر يكتب في عنوانه كلمة “الموازنة”، فكثيرًا عندما أتناقش مع أصدقائي في أي موضوع اقتصادي، وأذكر كلمة “الموازنة”، أجد البعض يحاول الانسحاب من الحوار بدعوى أنه لا يفهم في الاقتصاد، ولكن هل الموازنة فعلا شيء معقد لا يفهمه سوى المتخصصون في الاقتصاد؟!

في الحقيقة إنها معقده بنفس القدر من التعقيد الذي تواجهه عندما تحدد أولويات إنفاقك، وتحتاج نفس التفكر العميق الذي تفكره عندما تحصل على راتبك، وتضع احتياجاتك في المقابل لتحدد ماذا ستفعل، ومتى، ولماذا، هذه هي الموازنة ببساطة، مرهقة قليلًا، ولكن بدونها سيتشتت تفكيرك وتضيع أموالك في أشياء ربما تكون ليست ضمن أولوياتك.

تعالَ صديقي نتعرف على الموازنة بشيء من التبسيط، بدون استخدام المصطلحات الكبيرة المعقدة، لكن لماذا نتعرف على الموازنة؟! سؤال قد يتبادر إلى ذهنك وبالطبع أنت محق، ما الذي سأستفيده من معرفتي بالموازنة؟! ببساطة لأنها أموالك وأقل حق لك أن تعرف أين تُنفق، وتعرف من الذي تهتم بهم الحكومة؟ هل تدعم الفقراء أم الأغنياء، هل تهتم بالاستثمارات والصناعة، فيزداد أملك في الحصول على وظيفة، أم العكس؟

الطبيعي في كثير من دول العالم أن تصدر الحكومة ما يسمى بـ”موازنة المواطن”، وذلك في خلال مرحلة الإعداد، والمناقشة، والاعتماد، حيث تكون هذه الموازنة بكلمات بسيطة وغير معقدة، وبها كل المعلومات التي يجب أن يعرفها المواطن، لأن ذلك كما ذكرت أبسط حقوقه، ولكن بما أن مصر دائما ما تخرج عن الطبيعي، فمن الطبيعي أن تجد أن أكثر من 90% من الشعب لا يعرفون ما يسمى بـ “موازنة المواطن”، لأنها لم تصدر في مصر سوى مرات، أظن أنها لم تصل إلى الثلاثة.

عندما نتكلم عن جوهر الموازنة نجد أنها تتكون من جانبين (الإيرادات والإنفاق)، وعندما تزيد الإيرادات عن النفقات يظهر ما يسمى بالفائض، أي ما يفيض عن الحاجة، وعندما تزيد النفقات عن الإيرادات “وهو الغالب” يظهر ما يسمى بالعجز، أي عدم قدرة الإيرادات على تغطية احتياجات الدولة، وهنا يظهر “الدين” وهو ما تلجأ له الحكومة لتغطية عجز الإيرادات عن النفقات، وللديون أكثر من شكل لن نخوض فيها الآن.

هناك مقولة شائعة تقول، “قل لي فيم تنفق أموالك أقُل لك ما هي أولوياتك” هذا القول لا يقتصر على الأشخاص فقط إنما ينطبق أيضا على الحكومات، ولكي تعرف أولويات الحكومة الفعلية وسياساتها، بعيدًا عن تصريحاتها الإعلامية المتجملة ما عليك سوى النظر إلى بيانات الموازنة العامة، وقتها ستعرف بمن تهتم الحكومة، هل يشغلها الأمن أم التعليم والصحة، أم أنها مهتمة أكثر بالصناعة والزراعة والطرق ومحطات الصرف والشرب إلى آخره .. كل هذا ستجد إجابته داخل الموازنة العامة.

لكن في مصر يواجه المتخصص مشكلة في الحصول على المعلومات، فما بالك بالمواطن العادي، وهذه المشكلة تسمى الشفافية، فغياب شفافية الموازنة مخالفة بالغة لقواعد الديمقراطية والقوانين والاتفاقات الدولية، ووجود الشفافية ضرورة ملحة، فيجب إتاحة معلومات تفصيلية كاملة ومبسطة وغير منقوصة عن الموازنة العامة للدولة، لأنها الأداة التي بدونها لا يمكن بأي حال مساءلة الحكومة حول كفاءة وفعالية أنشطتها ونزاهة مؤسساتها المالية والتنفيذية.

ملامح الموازنة المصرية الجديدة

قبل سرد أبرز ملامح الموازنة الجديدة يجب أن نعرف أن هناك فروقًا بين الموازنة التي أرسلتها الحكومة للرئاسة لاعتمادها وبين الموازنة التي أعلنت عنها الحكومة بعد الاعتماد، ولكن بشكل عام فإن الحكومة مستمرة في رفع الدعم عن الطاقة، وبالتالي ارتفاع أغلب الأسعار مجددا، وتتجه لزيادة الضريبة العقارية وفرض الضريبة المضافة.

العجز: أقرت الحكومة مشروع موازنة السنة المالية 2015-2016 بعجز متوقع بنسبة 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة مع 9.9% في النسخة التي أصدرتها الشهر الماضي من مشروع الموازنة.

الإنفاق: تتوقع الحكومة وصول المصروفات العامة إلى 864 مليار جنيه (113 مليار دولار) مقارنة مع 885 مليار جنيه في النسخة السابقة من المشروع، الجزء الأكبر من هذا الإنفاق يذهب فوائد الديون التي تشكل 244 مليار جنيه في الموازنة الجديدة، بزيادة 25% عن الموازنة السابقة، وتشكل 28% من الإنفاق العام، فيما تتوقع الحكومة وصول الدين الحكومي إلى 2,550 تريليون جنيه.

الإيرادات: تنتظر الحكومة أن تبلغ الإيرادات 622.2 مليار جنيه من 612 مليارًا في النسخة السابقة، معتمده في ذلك على آمالها في نمو اقتصادي متوقع في السنة المالية دون تغيير عند 5%.

الدعم: من أهم ملامح الموازنة الجديدة أنها خفضت الدعم بشكل واضح وذلك بقيمة 39 مليار جنيه ليصبح إجمالي دعم المواد البترولية في الموازنة الجديدة 61 مليار جنيه، بدلًا من 100 مليار جنيه كانت مخصصة لهذا البند في ميزانية 2015-2014، بالإضافة إلى تقليص الدعم المتوقع للخبز والسلع الغذائية الأساسية إلى 38 مليار جنيه من 38.4 مليار جنيه.

الضرائب: تشكل الضرائب حوالي 70% من إيرادات البلاد وتواصل الحكومة رفعها بشكل واضح بداية من موازنة العام السابق، حيث ارتفعت إلى 422.3 مليار جنيه بالرغم من أنها كانت 422 مليار في المشروع السابق قبل الاعتماد.

ملاحظات على الموازنة الجديدة

عدلت الحكومة تقديرها للعجز المستهدف في موازنة العام الجديد لينخفض إلى 8.9% من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 251 مليار جنيه، مقابل 9.9% كانت أعلنت قبل أسبوعين أنها تستهدفها بقيمة 281 مليار جنيه، وتخفض الحكومة لقيمة العجز بنحو 30 مليار جنيه، جاء عن طريق رفع توقعاتها للإيرادات بنحو 10 مليارات جنيه، من 612 مليارا إلى 622.2 مليار جنيه، وتخفض توقعاتها للمصروفات بنحو 20 مليار جنيه من 885 مليارا إلى 864.5 مليار جنيه.

العجز المستهدف غير واقعي بالمرة ولن يحدث من وجهه نظري وسيصل إلى الـ 300 مليار جنيه، فقد كانت هذه الحكومة تستهدف عجزًا في الموازنة السابقة بقيمة 240 مليار جنيه وانتهى العام والعجز يقترب من 280 مليار جنيه. الحكومة تتوقع معدل نمو 5%، وكل المؤشرات تقول إنه لن يصل إلى 4.5%، وبذلك تبني الحكومة الموازنة على توقعات خاطئة وغير واقعية، وبذلك تنخفض الإيرادات بنسبة كبيرة وتزداد فجوة العجز.

الحكومة خفضت عجز الموازنة على حساب الفقراء، فقد خفض الإنفاق بقيمة 20 مليار جنيه، فقد تم استقطاع 10 مليارات جنيه من بند الأجور، كما تم تخفيض برامج الحماية الاجتماعية بنحو ملياري جنيه، ومن بينها تخفيض يصل إلى 700 مليون جنيه في دعم السلع التموينية والخبز، وتم تخفيض ميزانية التعليم بقيمة 2 مليار جنيه، وتخفيض ميزانية الصحة بقيمة 4 مليار جنيه، والمتضرر الأول هو المواطن البسيط.

من أهم الملاحظات على الموازنة الجديدة عدم الإعلان في مشروع الموازنة للعام المالي الجديد عن مخصصات وزارة الدفاع ونفقات الأمن كما جرت العادة في سنوات سابقة، وطبقًا للدستور الصادر في العام 2014 فإنه يتم الإعلان عن هذه المخصصات كرقم واحد وليس بالتفصيل لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي المصري، وهو ما لم يحدث، رغم أن مشروع الموازنة المنشور على صفحة وزارة المالية على الإنترنت نشر بالتفصيل مخصصات العام الجديد لبنود الأجور والتعليم والدين العام والتعليم والصحة والاستثمارات العامة.

وهناك قفزة غير مبررة في كل من المصروفات وكذلك الإيرادات والأجور، حيث أنها أرقام فاقدة للواقعية، فهناك فجوة كبيرة بين الموازنة المقدرة والمحققة، الأمر الذي يثير الاستغراب، من جانبها رأت “موديز” وكالة التصنيف العالمية منذ أيام أن ارتفاع عجز الموازنة يعني استمرار ارتفاع مستويات الدين العام، كما يزيد من احتياج الحكومة المصرية للاقتراض لفترة أطول.

ما حذرت منه “موديز” هو ما بدأتة الحكومة بالفعل في أول أيام الموازنة الجديدة، وأعلنت عن عزمها طرح أذون وسندات خزانة “قرض” بقيمة إجمالية 262 مليار جنيه (33.9 مليار دولار)، خلال الربع الأول من العام المالي الجديد يعني 3 أشهر فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد