صولو الكولة الذي يجعلك تسبح في عالم أخر وتجد حوارًا مُعدًا كاملًا من جُمل موسيقية، يُحرك داخلك ما نسميه المشاعر من حزن وفرح وحنين وغربة إلى آخره، هذه الأحاسيس التي ستجدها تتماشى مع أحداث حياتك، ذلك الصوت لا يغيب عن روحي قبل أذني التي عشقت سماع الناي والكولة، إذ تعودت الذهاب لحفلات الفنان محمد منير لأعوام عدة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا؛ إذ كنت أذهب وراءه، ليس فقط لمنير ولكن للحالة التي أعيشها كاملة، حيث أستمع لصوته المفضل لديَّ وكلمات أغانيه القديمة العظيمة التي عاشت وستظل مع موسيقى فرقته المميزة، والتي كنت أعد بطلها لزمن طويل هو الفنان عبد الله حلمي عازف الكولة، وأحد أقدم العازفين في فرقته الموسيقية، ورغم أني انقطعت عن حفلات منير لسنوات فإنني أحمل تسجيلات حفلاته وأسمعها؛ إذ إن الصوت بها صوت حي أسمعه كأنه صادر من داخلي وأشعر به أكثر من تسجيل الإستديوهات، ورغم تغيرات الفرقة الطبيعية نتيجة لعدة عوامل منها عمر العازفين وإتاحة الفرصة للشباب الذي أثبت مكانة ليستحق دخول فرقة منير فإن عبد الله حلمي ظل إلى أن اضطر الجميع لطلقبول بغيابه.

ولد عبد الله في التاسع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 1957 في محافظة كفر الشيخ، وتربى على يد أبيه عازف الناي والعود والكمان، ليختار عبد الله أن يلعب الكولة ويصنعها ويجيدها حتى يسيطر عليها من أولها إلى آخرها.

بدأ حلمي مشواره منذ انضم إلى فرقتي كلٍّ من محمد منير وعلي الحجار، وكانت إسهاماته وموهبته معهما مؤشرًا جعله محط الأنظار لدى الكثير من الفنانين؛ إذ شترك في الكثير من الأغنيات داخل ألبومات لعديد من المطربين مثل عمرو دياب، حنان ماضي، أصالة، أحمد عدوية، كاظم الساهر وعبد الله الرويشد وغيرهم. كما قدم ألبومات موسيقية مع كبار الموسيقيين مثل فتحي سلامة، عمر خيرت، عمرو إسماعيل، يحيى خليل وحسن أبو السعود. قام أيضًا عبد الله حلمي ألبومات موسيقية وهي همسات ودموع الكولة في (2005) وهمسات الكولة «جزء ثان» في (2008)، و ألبوم حوار (2014) الذي تعاون في توزيعه أحمد علي الحجار.

ظهر من خلال مشواره تنوعه وثراه الفني، إذ استطاع تقديم الموسيقى بين كل أنحائها من بوب وسلم خماسي وشعبي وخليجي وكل منهم كان لحلمي بصمة مسموعة واضحة فيه. دائمًا ما تنسب الأغنية لمغنيها ثم كاتبها وملحنها وموزعها لكن العازفين هم الأقل رؤية من الجماهير رغم أن منهم من له بصمة ومساحة يأخذها بنفسه إذ تعجب الموزع والملحن فيتركه هكذا، حكى عمار الشريعي عن حلمي ذات مرة. هنا يظهر العازف حين يكون حراً ويتحقق ذلك له في الحفلات الحية أكثر من تسجيل الإستوديوهات.

 

يروى عن اصل تسمية الكولة أنها جاءت من الصعيد حيث يسمونها «القولة» من القول، حيث كان يقال لعازفها ليس أعزف بل قل، هكذا أكد حلمي أنها كانت تليق بتسميتها حين كان يسند المغني في أوقات وأوقات أخرى يحل محله وأوقات يرشده و يغني معه كما لو كان مطربًا أخر موجودًا، وكان لو نسى المطرب بعضًا من الكلمات كانت الكولة تقوم بغنائها، ذلك الذي قد يجده أحد عيبًا، كانت الكولة تجعلها ميزة ممتعة.

تميز حلمي في عدة أغنيات كأدائه لأغنية الدنيا ريشه في هوا، والليلة يا سمرا، وغريبة وغيرها، ففي إحدى حفلات محمد منير في ألمانيا غني «علي صوتك» وكأنها دويتو بينه وبين كولة عبد الله حلمي، غنى فيها حلمي كما يغني منير و رد عليه و أكمل جُملة. وفي عام 2007 في احدى حفلات منير بالأوبرا، والتي كانت من أجمل الحفلات التي حضرتها حين وجدت ضيوف منير فنانيْن هما الحجار ومحمد الحلو وغنى حينها منير والحجار أغنية الأخير «بحبك وانطلق عصفور» على خلفية الكولة فقط وظل هذا التسجيل محفوظًا ومفضلًا لديَّ أسمعه حتى مع اختلاطه بأصوات الجماهير كان الأداء صادقًا من الجميع.

 

في حفلات قلة كانت تجرى بدون عبد الله حلمي تشعر أن هناك شيئًا مفقودًا، لقد حجزت الكولة مقعدًا أساسيًّا في الفريق ولكن، الالتزام بمواعيد الحفلات كان يلزم أن تكون الحفلات بدونه، لكن عندما عُلم لدى منير أن العودة مستحيلة فكانت الإتاحة لشاب في حفلة منير الأخيرة التي أقامها في الساحل حيث ترك حلمي ومنير الفرصة لابن الأول «خالد» ليحل محله إلا أنه بالتأكيد لن يستطيع أخذ مكانة أبيه أو إخفاء الأثر الذي تركه.

عودنا الزمان أن لا شيء سيبقى على حاله، ولكن الذكرى باقية كما ستظل الأصوات باقية، مر قرب العام على غياب الفنان عبد الله حلمي، والذي كان أحد أبطال الفرقتين للفنانَين محمد منير و علي الحجار مع بعض مساهماته في حفلات لفنانين آخرين، لكنه ها هو ينقطع لظروفه الصحية؛ إذ أصابه السرطان اللعين في حنجرته ليبتعد عن الكولة فى سبيل صحته، وأتمنى له كل الصحة والعافية فقط هنا أترك له رسالة بأن صوته باقٍ مسموع لنا وداخلنا، وأن صوت (الته) حقق حلم أبيه العازف الذي تمنى له الغناء بدلًا من العزف حتى ينال قدرًا من الشهرة.

 

الآن هو حقق الأصعب حين نال الشهرة والتقدير بغناء (الته) الكولة، وتم تكريمه في مهرجان الموسيقى العربية في عام 2016 كما عده حمل ميلادًا جديدًا للكولة وأنه أتاح الطريق لمولد أجيال جديدة ستظهر وتلقى النجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد