يقوم جندي إسرائيلي بتذخير سلاحه المتطور ويصوبه نحو شابٍ أعزل مُلقى على الأرض قد أثخنته الجراح جراء رصاصاتٍ قد تلقاها من قبل، يصوب الجندي سلاحه على هدفٍ حي – وقلما تتوافر له هذه الفرصة من جديد – ليختبر مهاراته في إصابة الهدف من مسافةٍ لا تُذكر.

رصاصةٌ في الرأس تزيد من عدد الرصاصات في جسد هذا المسجى بمقدار واحدة؛ تُجري من دمه المسفوك الكثير، وتوقف حركة جوارحه وتُغيب الهواء عن رئتيه، وتوقف عن قلبه نبضات الحياة.
بهذه البساطة.

صباح الخميس 24 مارس قرر الشابان عبد الفتاح الشريف ورمزي القصراوي أن يقوما بعملية طعنٍ لجنودٍ إسرائيليين في شوارع الخليل، ومنذ أن بدأت انتفاضة القدس يُقدِم الفلسطينيون على القيام بعمليات طعن ودهس للجنود والمستوطنين الإسرائيليين، ولا يُقدم أحد على هذا إلا وهو موقنٌ بموته.

فيما يبدو لم يفلح الشابان إلا في إصابة أحد جنود الاحتلال بإصابةٍ طفيفة بينها وبين صفة الخطورة أميال، وعلى الرغم من هذا انهالت عليهما طلقات الرصاص فسقطا أرضًا بعددٍ وافر من الطلقات يعانيان آلام جروحهما وينتظران الموت البطيء، ولم يبخل الجنود الإسرائيليون في إظهار شجاعتهم البالغة وآدميتهم المعهودة في تكييل ألفاظ السب والإهانة لجريحين يسري الدم من جسديهما شاهدًا على ضعف قواهما وانعدام خطرهما.

وبينما تُرك الشابان يعانيان آلام الموت على صفحة الأرض؛ انصرف اهتمام الطواقم الطبية الإسرائيلية إلى ذلك الجريح المسكين من جنود الاحتلال والذي ربما أصابه أحد هذين الشقيين بخدوشٍ في يده أو كتفه تقض عليه مضجعه وتؤرقه في نومه فيما بعد.

هنا قرر أحد جنود الاحتلال أن يتجه نحو الشريف ويصوب فوهة سلاحه نحو رأسه ويُرديه برصاصة تُنهي حياته وتُلحقه بصديقه القصراوي؛ والذي ربما استشهد أيضًا بطريقةٍ مماثلة.

لم يعبأ الرجل – وأعتذر عن هذا الوصف – بكل من حوله من الجنود والطواقم الطبية، ومن المؤكد أنه كان يعلم بوجود كاميرا تصور في مكانٍ ما.

لم يعبأ بكل هذا وسار نحو الشاب بخطى ثابتة وأعدمه بدمٍ بارد.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها الوحشية الإسرائيلية في عمليات الإعدام بدمٍ بارد منذ اندلاع الانتفاضة.
بتاريخ 22 سبتمبر قام الجنود الإسرائيليون بإعدام الشهيدة هديل الهشلمون (18 عامًا) بدمٍ بارد على أحد الحواجز العسكرية بالخليل لرفضها الخضوع لإجراءات التفتيش ونزع نقابها، وأمطرها الجنود بالرصاص بعد أن همت بالرجوع حتى استقر في جسدها أكثر من 15 رصاصة.

تُركت هديل تنزف على الأرض ومنع الجنود أي أحد من الاقتراب منها أو محاولة إسعافها، ثم جُرت على الأرض بشكلٍ مهين يخلو من أي مظهر من مظاهر الإنسانية لنقلها من أحد جوانب الحاجز إلى الجانب الآخر، ثم حُملت إلى المشفى وأُعلن استشهادها.

الطفل أحمد المناصرة حالة أخرى من الحالات التي تكشف أن مقياس الإنسانية لدى الإسرائيليين تخطى الصفر وبدأ يسجل بالسالب.

أطلق الجنود الإسرائيليون النار على الطفل الذي لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة بدعوى حيازته سكينًا وإقدامه على طعن أحد الجنود، تُرك المناصرة على الأرض إلى أن حاصرته دماؤه من كل ناحية جراء النزيف المستمر.

وكعادة الإسرائيليين في إظهار تحضرهم وإنسانيتهم وإبراز نفوسهم السوية؛ انهال المستوطنون على الطفل الجريح بالشتائم النابية والعنصرية من قبيل «موت يا عربي…» وما استحيينا عن كتابته كان أعظم، فعلى ما يبدو أن المستوطنين لا يجهدون أنفسهم في تعلم العربية وإنما اكتفوا بتعلم الألفاظ النابية والجارحة لاستظهار تأدبهم الشديد في مثل هذه الحالات.

نُقل المناصرة إلى المشفى بعد مدة وتم التحقيق معه تحت ضغط وترهيب شديدين ثم حُول إلى إحدى محاكم الاحتلال.

هذه الحالات التي تحدث بشكلٍ يومي في الأراضي المحتلة؛ تبرز نزعةً مرَضية في نفوس الإسرائيليين تُفضي إلى الشعور بحالة من النصر في مواجهة الجرحى العزل، والمتعة التامة في الإجهاز على شابٍ جريح يصارع الموت على أرض وطنه وقد سُلبت منه قوته وجُرد من كل حولٍ هو له.

عبد الفتاح الشريف وعمر القصراوي اسمان جديدان في قائمة ضحايا الهمجية الإسرائيلية، ولكن ما نصيب هذين الاسميْن من الذكر على الصفحات الإخبارية حول العالم؟! ما نصيب هذا الحدث المفجع من التغطية في وسائل الإعلام؟!

أوردت كل من الدايلي ميل والإندبندنت والـCNN الخبر على مواقعها الإلكترونية مرفقًا بالمقطع المصوَر للحادث مع تصريحات رئيس وزراء الاحتلال ووزير دفاعه التي تمحورت حول أن هذا التصرف «ليس من طبيعة جيش الدفاع…» وأن «جنود جيش الدفاع يجب أن يتحلوا بضبط النفس والهدوء…».

إذاً فالمسألةُ هنا ليست مسألةَ روحٍ أُزهقت بغير حق ونفسٌ وافاها الأجل برصاصة مجرم؛ بل مسألة جندي انفعل قليلًا وخرج عن طوره، وعليه ألا يعود لمثلها مرةً أخرى بعد انتهاء التحقيق  الذي أجبرت السلطات عليه بعد نشر المقطع المصور.

انعدام رد الفعل العالمي والعربي يكشف عن حالة من الفصام يعيشها المجتمع الدولي تجاه قضايا العالم، ففي الوقت الذي تُكيل فيه آيات التضامن والمواساة مع ضحايا باريس أو بروكسل؛ لا يوجد أي ذكر أو إدانة للجرائم التي تقوم بها سلطات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية والتي لا ترقى إلى التصرفات الحيوانية.

تغلو السلعة بندرتها وترخص بكثرتها في الأسواق، وما أرخص سلعتنا التي ملأت شوارع القدس بلونها الأحمر.

ما أرخصها في نظر هؤلاء الجلادين وأولئك الذين يعتلون العروش.

ولكن ما أغلاها في أعيننا نحن.

والمثير للاشمئزاز حقًّا هو وجود هؤلاء الذين تنطق ملامح وجوههم قبل ألسنتهم بالعربية ولكنهم صيروا أنفسهم دعاةً على درب التطبيع والموادعة، ويعملون بشكلٍ حثيث على تعديد مكارم أخلاق الشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد