وضع أحد الأصدقاء على الفيس بوك، وهو من أحد مؤسسي حملة الدكتور أبي الفتوح رئيسًا، براءة عامة وفي طياتها وجدته يبرأ من أبي الفتوح قائلًا: اللهم إني أبرأ إليك من فعل د. عبد المنعم أبي الفتوح في لبنان؟!

 

أردت التحقق من السبب فدخلت على صفحته فوجدته في منشور سابق يطلب من الدائرة المقربة الحالية من دكتور أبي الفتوح تأكيد الخبر أو نفيه. فكان الرد من إحدى عضوات الحزب: رابط لفيديو يخص الخبر الذي تفاجأت به حقيقة لما سمعته، وقلت: لعل الفيديو قديم؟!

 

كان الفيديو يخص كلمة الدكتور أبي الفتوح في مؤتمر بعنوان: مؤتمر العرب العام لدعم المقاومة ورفض وصفها بالإرهاب. بحثت عن الفيديو بالكلمات الدلالية أولًا قبل سماع الكلمة فوجدته حديثًا وليس قديمًا؛ فبدأت في سماعه وليتني ما فعلت؟!

 

تحدث الدكتور أبو الفتوح في الكلمة التي كانت بالمناسبة هي نفس مقاله في جريدة السفير اللبنانية بعنوان حرب تموز دروس وعبر، فقال: أولًا: ليقل النظام الرسمي العربي ما شاء، فـ «حزب الله»، وذراعه العسكري «المقاومة الإسلامية»، في لبنان، ليس منظمة إرهابية، بل هو حركة مقاومة شعبية دافعت عن بلادها واستردّت أرضها من دون أي تنازل للعدو، فلا أبرمت اتفاقية سلام معه، ولا اعترفت بحق الكيان الصهيوني في الوجود على أرض فلسطين، ولا أعلنت أن السلام مع الاحتلال خيارها الإستراتيجي، ولا انخرطت في مفاوضات مباشرة معه، ولا تركت هجومًا لاحقًا عليها أو على لبنان من دون رد عسكري فوري.

 

وهذه لو قيلت قبل أن يدخل حزب الله بقدمه إلى سوريا داعمًا النظام المجرم هناك، وقبل أن يحاصر الناس فيموتون جوعًا، وقبل أن يساعد بنفسه في قتل وتعذيب الثوار والشعب الذي طالب بالحرية، وقبل أن تكشف خلاياه المجرمة في اليمن والعراق وغيرها من البلدان المساندة للطائفيين والمجرمين في إجرامهم، لكان كلامًا مصدقًا لا نختلف عليه.

 

ولو قيلت أيضًا قبل أفعال حزب الله التي لا تقل قذارة وخسة في الداخل اللبناني عن خارجه، لكان الكلام له سند وظهر قوي بين من يؤمنون بحق المقاومة المشروع، والجهاد ضد المحتلين الظاهرين، والمحتلين بالوكالة، لكان كلامًا يستحق الإشادة والدعم.

 

والدكتور الذي أكن له احترامًا كبيرًا وكنت معجبًا أيما إعجاب بوقوفه القوي ضد نظام مبارك، وكلمته النارية الخارجة من قلب مهموم محب ضد جمال مبارك ورجاله التي قالها بصوت عالٍ يبكي القلوب المحبة، والتي تنتظر بصبر وترقب اليوم الذي تتنفس فيه الحرية، وتعلو فيه القيمة الحقيقية للإنسان في تلك البلاد البائسة: شوية العيال الصيع اللي عاوزين يخربوا البلد؟! قالها بلا وجل أو تردد.

 

وهو نفسه رئيس الحزب الذي توافقت معه في كثير من المواقف، واختلفت معه في بعضها. سمى صاحب كل هذه المواقف ما يحدث في سوريا بالحرب الأهلية؟!

رغم أن تعريف الحرب الأهلية لا ينطبق أبدًا على الوضع في سوريا لا في البدايات ولا في الموجود الحالي، فالوضع في سوريا كما لخصه الأستاذ «عمر كوش» في مقاله هل هي حرب أهلية بالآتي:

هو احتجاج ورفض شعبي واسع، قادته جماعات الشباب على سياسات ونهج النظام، وعلى الأزمات السياسية والاجتماعية العميقة، وعلى التمييز والتهميش والبطالة المقيمة، وعلى الإمعان في الإقصاء، والإيغال في مرتع الأزمات والخيبات. لكن قوى النظام وأجهزته لم تقدم حلًّا سوى القتل والعزل والتفرقة والتمييز والفصل والتهميش.

 

ومن المفترض أن الرجل رئيس حزب يمارس السياسة، يفهم معنى المصطلحات ومدلولاتها وتوابع إطلاقها، وهو أيضًا محسوب على الثورة، يفهم معنى ما جرى في سوريا هناك، وما هو توصيف النظام ومصيره المرجو.

ومع هذا جلس الدكتور أبو الفتوح على منبر من منابر حزب الله، ذلك الحزب الذي لم تعد خسته تخفي على أحد، ولم تعد تبعيته لإيران تخفى على أحد إلا من أراد أن يخادع نفسه، أو يعيش في كوكب ما قبل الربيع العربي.

 

فحزب الله إرهابي ظهر بوجه الوقح في سوريا. نعم إرهابي مرتزق أقولها اليوم وأنا الذي كنت بالأمس أهتف في مظاهرات مؤيدة للحزب، وأدعوا له في الصلاة متحديًا الإمام ومزاج السلطة بعد الصلاة. أما اليوم فالحزب إرهابي صرف ومجرم صرف، ومن يدعمه مجرمون، وما ارتكبه أبو الفتوح كان جريمةً، حتى لو كانت بحسن نية فالجهل جريمة، وغفلة المشهد جريمة في هكذا أمور.

وماذا يفرق حزب الله عن بشار؟ وبماذا يفرق من أيدوا الحشد الشعبي عن من أيدوا حزب الله عن من أيدوا بشار أو أوباما في حربه المزعومة على الإرهاب؟!

 

ولو قال أحد ما: ألم ترى أن الرجل كتب في مقاله:

إن كل طرف منخرط في هذه الحرب مسؤول عن أفعاله فيها أمام ضميره، وأمام الأمة، وأمام التاريخ.

لقلت له إن هذا الضابط الذي وضعه الدكتور ضابط سخيف وخفيف لا وزن له، وإن شئت قل: ماسخ لا لون ولا طعم ولا رائحة له.

 

وبعضهم قال إن وفدًا من حماس شارك في هذا المؤتمر أيضًا؟

 

وهل حماس هي رسول الله حتى نتبعها من دون الناس، ولو ارتكب شيخ ما جريمة أو دعم باطلًا معلومًا بطلانه، فهل وقتها سنرتكبه لأن الشيخ قد فعل أم سنأخذ على يديه ونخبره بكل حزم أن هذا يا شيخنا عار عليك اتق الله فهذا لا يحل لك؟

 

وإن كانت مثلًا حماس يدعي أنصارها أنها مضطرة من أجل الدعم الذي تحصل عليه من إيران ذلك البلد الذي يقوده «مجرمون قتلة»؛ فتذهب هناك وتبارك هناك، وإن كان هذا لا يبرر فعل حماس، ولكن ما العذر الذي يحمل الدكتور «الثائر» على فعل ذلك؟

 

ويا دكتور لو كان الداعي لهذه الكلمات «القاتلة والمجرمة» هو حرب تموز، فالنظام السوري كان داعمًا لحزب الله في حرب تموز، وداعمًا لحماس في حربها ضد الصهاينة، فلماذا بخلت بمثل هذا عن النظام في سوريا وداعميه؟!

 

 

 

ولو قال قائل يجب عليك ألا تنسى تاريخ الرجل ونضاله، وأنه كان من ضمن قلة وقفوا في وجه ما يحدث في مصر وقالوا له لا.

 

لقلت لهم: لم أنس تاريخ الرجل المشرف، ولم أنس كثيرًا من الشرف الذي مارس به السياسة في ظل أجواء كلنا يعرف ما يجري فيها، وكيف تتم محاسبة المعارض الحقيقي وليس المعارض المدجن أو الذي أوجد ليكون مصطفى بكري مثلًا.

ولكن:

لا يمكن لي احترام غالبية الصوفية الحالية وما تقوم به من ضلالات من أجل أن تاريخهم القديم في الزهد والجهاد كان عظيمًا. ولا يمكنني احترام تاريخ أحمد حجي قاديروف لأنه كان مفتي الشيشان في حكومة الشهيد مسخادوف، أو لأنه كان مجاهدًا سابقًا بين المجاهدين ضد الروس في الشيشان، وأنسى خيانته لدينه ووطنه الحديثة. وبشار الأسد بحسب الماضي القريب كان راعي الممانعة كما يوصف ويزعم بدعم أكبر من إيران، فهل وجب عليّ الوقوف عند تاريخها والتوقف عن تجريم حاضرها المجرم؟ وهل هذا التاريخ القديم كان يوجب مثلًا على أبي الفتوح زيارة دمشق ومعانقة الأسد أو مساندة طهران في حربها على الإرهاب؟

 

الماضي لا يمكن أن ينسينا الحاضر، ولو فعلنا لكنا حشاشين يبحثون في كل مرحلة عن صنف جديد يشعرهم بأنهم مناضلون على صواب. ولو سرنا على الطريقة «الإخوانية» في التقييم والتأثر، فما الذي كنا نحاول إبداله وتغييره إذا؟!

ألم نكن نعتب ونحذر من طريقة الحكم على الأشياء بمعايير عاطفية أو طائفية أو مصلحية، لا بمعايير ثابتة تحترم التاريخ وتحاكم الحاضر؟ إن كان كذلك فها أنا أفعل ولكن البعض يطالبني بالعكس.

 

وفي النقاشات حول الأمر عاتبني صديقي وقال: ليس دفاعًا أو تبريرًا لأبي الفتوح: لكن حضور أبي الفتوح لم يكن بدعوة من حزب الله، وإنما لمؤتمر دوري يعقد في بيروت لدعم المقاومة، ولم يكن يعلم بحضور المندوب السوري الذي وصف نظامه بالمستبد في كلمته وانسحب من المؤتمر اعتراضًا على منح السفير السوري الكلمة؟!

 

فقلت له: يا أستاذ هو رفض وصف حزب الله الموالي والمساند الرئيسي لبشار الأسد والمدعوم إيرانيًّا وصاحب الجرائم الكبرى في سوريا بالإرهابي. ولا معنى من انسحابه من المؤتمر، ولا يغير في الأمر شيئًا فهو ذاهب إلى مؤتمر يعلم جيدًا أنه من تنظيم ورعاية حزب الله والنظام السوري في الباطن لتلميع هذه القوة الإرهابية الظالمة المجرمة في العلن، تحت ستار المقاومة والممانعة، تلك الحجة التي بها يقتل أولئك السفاحون الشعب، ويغتصبون النساء، ويفعلون بهم ما نقلته لنا صور «القيصر» المسربة لكل من حاول رفع رأسه في وجه النظام، أو يهتف حرية. أما ستار المقاومة والممانعة والبحث عن المشترك فقد عرته الثورة السورية كما ثورات ربيعنا العربي فقد كانت «الفاضحة».

 

وإذا كنت لا تعلم هذا قبل ذهابك إلى هناك فعليك أن تعتزل السياسة، وتذهب إلى صالات الجيم فوقتها ستكون أفيد لك ولنا.

 

قال البعض: إن خطابكم لم يكن عليه غبار. وأنا أقول: إن الخطاب كان كله غبار.

 

ويا دكتور: هذه ليست غلطة يمكن أن نختلف حول تقييمها لأن هذه الخطوة كانت «جريمة» لم أسبق أن رأيتك تقع أو تفعل مثلها أو حتى قريب منها.

 

ومواقفك السابقة عندي التي اختلفت حول بعضها معك، يمكن أن تحاسب فيها فتعتذر ويقبل اعتذارك، أو توضح فيقبل إيضاحك: أما هذه فلا لأنها في نظري: جريمة توجب الاعتذار، ومعه الاعتزال. آسف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد