عبد الحفيظ سعيد شاب جزائري اغتالته أيادي الغدر في ريعان شبابه وأزهقت روحه بطريقة أقل ما يقال عنها أنها جبانة، طلقات الرصاص الثلاث كانت كفيلة بوضع حد لمفارقته الحياة الدنيا والتوجه للرفيق الأعلى، ولعل الروح النضالية التي كان يتحلى بها صاحب الـ24 ربيعًا، والتشبع بالقيم والمبادئ الإسلامية والوطنية، وتمسكه الوثيق بالهوية الجزائرية، والمنهج الوسطي المعتدل، كان سببًا رئيسًا في قتله يومين قبل توجهه للبقاع المقدسة لأداء مناسك العمرة وأياما قبل زفافه.

إن الفترة التي عاش فيها شهيد النضال – كما أحب أن ألقبه – أقل ما يقال عنها أنها حرجة فقد عاصر أحداث 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 ثم تلتها عشرية سوداء قضى آخر نصف عقد من حياته يناضل فيه من أجل جزائر واحدة موحدة إلى أن سقط في ساحة الحافلات، ولعل ما يعرف عن الرجل أنه كان من المدافعين عن التعريب، كيف لا وهو الذي افتك القرار الوزاري للتعريب في أكتوبر 1990 ثم نظم في أبريل (نيسان) 1991 الملتقى الوطني للتعريب. لم يقتصر نشاطه على التعريب وفقط، بل تعدى ذلك ليترأس لجنة المصالحة الوطنية التابعة للاتحاد العام الطلابي الحر ويبذل كل ما في وسعه من أجل الحفاظ على الجزائر بلد الشهداء.

بعد ربع قرن من استشهاد هذا البطل حق علينا طرح أسئلة لنعرف موقعنا من طود النضال هذا: ماذا قدمنا نحن كطلبة لهذا الوطن؟ أين نحن من تضحيات عبد الحفيظ سعيد وإخوانه؟ وهل يمكن أن نرى نسخة ثانية عن الشهيد عبد الحفيظ سعيد أم لا؟

في الحقيقة لو قمنا بعملية المقارنة بين الجيل الذي عاش فيه هذا الشاب لوجدنا أنه جيل له حمية وغيرة على المبادئ والهوية في حين أن جيلنا هذا أصابته حمى الحداثة والتفسخ، وأن الداء قد استفحل في جسد المجتمع، ففي آخر 20 محادثة أجريتها مع طلبة جامعيين من جامعة واحدة وجدت أن ثلاثة طلبة فقط هم من يتحلون بالروح النضالية التي هي منبثقة من غيرتهم على مبادئهم، أي أن النسبة تقارب 15% وهي نسبة قليلة لو أردنا فعلًا تطوير المجتمع والرقي بالوطن، بالإضافة إلى هذا فإن دور الطلبة قبل الحراك الشعبي كان قد اقتصر على تلقي المعلومة من الجامعة وفي أحسن الأحوال المشاركة في نشاط علمي مع أحد النوادي وفقط، في حين أن الحراك ترك أثرًا طفيفًا لدى الطلبة من ناحية تغير بعض السلوكات نحو الأحسن، لكن لم يترك ذلك الأثر في الطالب ليناقش عمق المواضيع ويعي بالتحديات الملقاة على عاتقه، ولم يرتق بعد للمستوى الذي هو مخصص له.

عبد الحفيظ سعيد – رحمه الله – ورفاقه في النضال لم يخرجوا من العدم وطبيعة السؤال تجعله سؤالًا يتداخل مع عدة مواضيع اجتماعية وسياسية، لكن الأصل هو غرس القيم والثوابت منذ الصغر، وهذا ما نفتقر نحن له في هذا الزمن؛ فالأم منشغلة بعدد الإعجابات على «فيسبوك» والموضات والأزياء، في حين أن الأب منشغل بالمقاهي والمباريات ومتابعة انتقالات اللاعبين وكأنه يملك النوادي، والإمام لا يهتم إلا بالوضوء ونواقضه، والمدرسة تعلمه أن الأب في الدار والأم في البار، فمن أين لهذا الطفل بروح النضال؟ ومن أين له بالقيم والثوابت؟ نعم، المسألة أعقد من أن نصوغها في سؤال أو نجيب عنها في مقال، لكن ما يجب أن ندركه أننا مقصرون في حق الوطن وفي حق القضايا التي يجب أن نقف عندها وننضال من أجلها.

كل ما ذكرنا لا يلغي إمكانية تجدد شخصية من طينة هذا البطل ولا يلغي أن هناك رجال كثيرين في الميدان يناضلون من أجل المبادئ لا من أجل الشهرة، يعملون لأنهم يؤمنون بالوحدة والحرية وبالعمل، فقط وجب البحث عنهم ومؤازرتهم والذود عن أعمالهم.

«نحن نعمل لغايتين لننتج و لنؤدي الواجب.. فإن فاتتنا الأولى فلن تفوتنا الثانية».

هي كلمات قالها الشهيد الصائم – رحمه الله – لخص فيها معنى النضال الطلابي والغاية منه ووضح ذلك بأبسط العبارات وأبلغها، فواجب اليوم علينا وضع هاته الأقوال نصب الأعين وتحويلها إلى أفعال في الميدان، وإعادة بوصلة النضال نحو وجهتها الصحيحة قبل فوات الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد