في مداخلة بأحد البرامج على قناة الجزيرة، يضرب الشاعر عبد الرحمن يوسف كرسيًا في «الكلوب» باتهامه قيادات الإخوان المطاردة بالخارج بخذلان الثورة والثوار، ولنعرف معنى الخذلان الحقيقي.. علينا أن نستعيد بعض الذكريات. وسامحني يا عبد الرحمن، فأنا أعلم أنك لا تحب الحديث عن الماضي لأنه.. «كان كله جراح».

يومًا ما نجحت ثورة ومن بعدها أُقرت انتخابات من خلال موافقة على استفتاء شعبي، انتُخب على إثرها مجلس شعب تم حله قضائيًا، ثم انتخب رئيس جمهورية، قامت معارضة كنت أحد نجومها بالانقلاب عليه بمساندة الجيش الذي تريد أن تقنعنا أنك تريد أن تسقطه الآن، كانت الفرصة سانحة أمام المعارضة قبل ثورة هلامية مفتعلة، لتشارك في مجلس نواب جديد بعد أن مهدت الأرض أمامه بعملية تشويه ممنهجة للنظام الوليد؛ بل كان بإمكانها أن تكتسح فتغير التشكيل الوزاري وتعيد مناقشة الدستور وسن القوانين وأن تسحب الثقة من الرئيس نفسه إن أرادت؛ لكنها اختارت الحل الأسهل، وانقلبت على الديمقراطية التي طوعت مفهومها ليتناغم مع رغبتها في الإطاحة برئيس من فصيل لا ترغب فيه بغض النظر إن كان ذلك عملًا أخلاقيًا أم لا، فعن أي خذلان تحدثنا اليوم؟! من خذل من؟!

إن أسوأ ما فعلته نخبة الثلاثين من يونيو أنها شوهت المفاهيم السياسية، وأفسدت ميزان القيم حتى لا يستطيع الناس التمييز بين الحق والباطل، الظالم والمظلوم، الخائن والأمين، رفعت الديمقراطية شعارًا، فلما جاءت بما لا تهوى نفسها نبذت كتابها وراء ظهرها، جعلت الاصطفاف مطلبًا مراوغًا لا تريد أن ترسي قواعده حتى تضمن انضمام أكبر عدد ممكن على غير هدى، واليوم تبكي خذلانًا متجاهلة دعاوى رفعت، ومؤتمرات عقدت، ومخاطبات، ومساعدات، ورحلات، ووقفات لم تحظ بتلميع إعلامي كما حظيت حملة صغيرة أخيرة هي في الحقيقة نتاج جهد آخرين لسنين طوال، طمست هذه النخبة المبادئ بحيث صار الثوري المطالب بإسقاط نظام منقلب.. متشنجًا، بينما المتفاعل معه -مكسبًا إياه شرعية- مرنًا يناور ليكسب أرضًا، وتحولت الثورة لمباراة كسب نقاط، بينما كانت جحيمًا مستعرًا على أول رئيس شرعي،  الآن يعتبر الالتزام بالقواعد السياسية مثالية ونقاءً ثوريًا لا يتعامل مع الواقع؟! واليوم تبثنا النخبة مصطلحًا جديدًا مغلوطًا اسمه التكامل الثوري والذي يعني تكاملًا من طرف واحد، أي أن يرفع طرف الآخر ثم يتنازل عن كل شيء ويختفي!

في ازدواجية غير مقبولة يرفض يوسف التصنيف لأبيض وأسود بالرغم من أن ذلك كان أسلوب نخبة رضي عنها أيام مرسي، مارست التصنيف في أبشع صوره، يطالب عبد الرحمن بأن نرى الواقع من زاويته، وأن نرحل لأرض تصوراته رافضًا التزحزح من مكانه، يريدنا أن نقرأ التاريخ في حين يرفض هو أن ينظر للماضي، أليس هذا الماضي تاريخًا؟! قرأنا التاريخ أيضًا، ومنه علمنا أنه ولا بد أن يعلم أن المشاركة في يونيو لا تعفي مما جرى في يوليو وفي أغسطس، وأن ظهور فريق الاصطفاف بمظهر المحايد جرأة يحسد عليها، يقرر شاعرنا أنه لا يمكن العودة ليوليو 2013 ويدعو لتكرار مشهد يناير 2011! وأسأله كيف يمكن أن يعود الزمان للخامس والعشرين من يناير ولا يستطيع أن يعود للثالث من يوليو؟!

يجزم عبد الرحمن أن حملة كتلك التي يدعمها لو أطلقها سياسيون لديهم رصيدًا محدودًا من المصداقية لاستجاب الشعب لهم، ونحتاج هنا أن يجيبنا أولًا: ما هو مقياس المصداقية؟ فبحسب المقياس المعروف، تكون نخبة الثلاثين من يونيو أكذب من نخبة الإخوان، فرصيد الإخوان من الفعل الصادق تاريخيًا أعلى، أما أهل يونيو فقد استهلكوا كامل رصيدهم، وأي شعب يقصد؟ هل عادت نخبة يونيو إلى نغمة تبجيل الشعب؟ أليس هو نفس الشعب الذي انقلبت على إرادته لأنه أجهل من أن يعرف خيره من شره؟! أم أنها تقصد شعبًا آخر؟!

في إصرار عجيب تريد نخبة يونيو أن تمحو التاريخ كما يفعل المنقلب؟! مازلنا شهودًا على ما تصدرونه للناس من تمييع للحقائق، ولا تنسوا، إن سر قدرتكم على الحديث اليوم هم هؤلاء الذين تنعتوهم بالفشلة! فلولا الذين خرجوا في رابعة والنهضة لاختنقت الكلمات في حلوق أعظم الشعراء والمفوهين، هؤلاء فرشوا لكم الطريق بدمائهم ومن بعدهم من خرجوا في مظاهرات ما بعد الفض، تلك المظاهرات التي اتهمتم الكيان الداعم لها بأنه يقدم الناس للموت، وقتلتم الحراك بتلك الفرية، رغم أن عمليات القتل التي تبعت توقف المظاهرات وحتى اليوم لهي أكثر حصدًا، فصار الناس يُقتلون في البيوت، والجنود يُصطادون على الحدود، هؤلاء هم حقًا من حركوا الراكد بينما كان غيرهم يخوض في ماء آسن، ينفعل شاعرنا الهمام مدافعًا عن اصطفافه بأننا أخرجنا من الملعب ولا يريد أبدًا أن يتوقف ليسأل نفسه، من كان فخر العرب الذي أدخل في مرمانا الكرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد