“سآتي هنا مرة أخرى.. ولكن سيكون دوري في هذه المرة غير دوري الآن”.

تلك كانت كلمات “إيمانويل قراصو” المتحدث الرسمي باسم الوفد اليهودي لـ”تحسين باشا” كبير أمناء القصر السلطاني ” قصر يلدز” بعد رفض السلطان عبد الحميد الثاني اقتراح الوفد اليهودي ببيع أو تأجير المزارع السلطانية الواقعة على ساحل فلسطين ليتم تعميرها من قبل المواطنين اليهود لمدة 99 سنة مقابل ذهب يعادل ثلاث ميزانيات عثمانية رغم احتياج الدولة العثمانية لكل قطعة من هذا الذهب وبشدة.

كان هذا اللقاء الأول بين المحامي اليهودي والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني في عام 1898م.

ماذا عن اللقاء الثاني والدور الآخر الذي وعد به إيمانويل قراصو؟

في المرة الثانية والأخيرة كان “إيمانويل قراصو” رئيس وفد من نوع هو وفد “الاتحاد والترقي” والذي سيطر على مجلس المبعوثان – البرلمان حينذاك- لمقابلة السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1909م، لخلعه وإسقاطه من فوق عرشه موفيًا بوعده الذي قطعه على نفسه, فقد استطاع في أقل من عشر سنوات تغيير صفته من يهودي يعمل لصالح اليهود واليهودية إلى شخص تنويري تقدمي يعمل تحت غطاء حزب الاتحاد والترقي.

“أتاتورك .. القادم من بعيد”

جدير بالذكر أن هناك جيش سمي “بجيش الحركة” تحرك من “سالونيك” مركز ثقل حركة الاتحاد والترقي إلى إسطنبول كان على رأسه ضابط برتبة فريق أول هو محمود شوكت باشا، ومعه ضابط برتبة قول أغاسي (رائد) اسمه مصطفى كمال “أتاتورك فيما بعد” ولكن هذا الأخير تم عزله قبل دخول الجيش إسطنبول “القسطنطينية” لظروف غامضة. ولأسباب غير معروفة لم يطل انضمامه لجمعية الاتحاد والترقي فكان هذا من حسن طالعه.

فقصر مدة انضمامه للاتحاد والترقي وعدم وجوده في “جيش الحركة” والذي ضم أغلب أفراد الجيش والمنوط به عزل السلطان عبد الحميد الثاني كان بمثابة طوق نجاه له فيما بعد, فالشعب بكامل أطيافه انضم إليه – أتاتورك- فور بزوغ نجمه في معركة “جناق قلعة” الحاسمة والتي لو خسرتها الدولة العثمانية لدخلت الأساطيل الإنجليزية والفرنسية إسطنبول عاصمة البلاد ولانتهت الدولة العثمانية إجباريًّا وليس اختياريًّا كما تم بالفعل بعد ذلك.

وفعل الاختيار نفسه عند الشعوب عظيم لو تدري مع إني أرى أن اختيار الشعب إنهاء إمبراطوريتهم العظيمة كان بمثابة “إجبار ناعم”.

إذن فتاريخ مصطفى كمال (الظاهر للشعب) كان قبل معركة “جناق قلعة” الشهيرة أبيض لا توجهات محسوبة عليه سواء مع السلطان أو مع الاتحاد والترقي.

ولكن بعد هذه المعركة والتي حفظت ماء وجه إمبراطورية كانت يومًا ما عظيمة، أصبح بالنسبة للشعب رجلًا بلا خطايا بل له أيادي بيضاء عليهم, فقد توحد الشعب خلفه بخلاف ما حدث من الشعب تجاه أعضاء الاتحاد والترقي أصحاب الوجوه المعروفة من مطاردات أدت ببعضهم إلى الفرار خارج البلاد، فقد رأى الشعب أن هؤلاء هم من ألقى بالبلاد إلى أتون الحرب بسبب سياساتهم الرعناء غربًا وشرقًا، وها أنت ذا ترى نجاة أتاتورك من هذا المصير الأسود.

حتى السلطان عبد الحميد نفسه في” مذكراته” وفي كلمته الوحيدة عن مصطفى كمال “أتاتورك” أشاد به أيما إشادة بل ودعا له أن يبارك الله له إنقاذه لشرف الدولة العثمانية على خلاف ما كان نهج السلطان عبد الحميد تجاه أعضاء الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة, والذي كان هجومًا متواصلًا عليهم يصل لدرجة السب لهم (لاحظ أن السلطان عبد الحميد توفي 1918 أي قبل أن يحول أتاتورك الدولة إلى النظام الجمهوري).

وهذا إن دل يدل على أنه حتى السلطان عبد الحميد الثاني وشهرة جهاز مخابراته “الجرنالجية” والذي كان يعد على الناس أنفاسهم لم يستطع رصد أي شيء ضد “كمال أتاتورك” بل وطلب من ابنه “الأمير عابد” أن يتوسط له لمقابلة “أتاتورك” عندما اكتشف أن هناك ثمة معرفة بين الأمير وأتاتورك ليبارك له انتصاره الرائع.

يفسر لك ما تقدم أيضًا تلك الثقة والتي وصلت لحد الصلف والغرور من جانب مصطفى كمال “أتاتورك” وحسن النية تجاهه من جانب الشعب ذي الأغلبية المسلمة في عدم معارضته لهذا الكم من القرارات الجريئة والخطيرة التي لم يكن الشعب ليقبلها من غيره.

والتي بدأت بإلغاء الخلافة ثم عزل السلطان العثماني الأخير “عبد المجيد الثاني” رسميًّا, وتغيير حروف الكتابة التركية من العربية إلى اللاتينية, ومنع الأذان إلا في حرم المساجد ولا يخرج الصوت خارجها, وتغيير الزي بشكل إجباري إلى الأزياء الأوروبية ومنع لبس العمامات والحجاب وغيرها من الأزياء المميزة لكل ما هو شرقي أو إسلامي.

ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الشيء الوحيد المحلي الذي تمسك به أتاتورك هو الخمر المحلي لعشقه له. وهذه الأفعال الخطيرة السابقة لم تجرؤ عليها جمعية كـــ”تركيا الفتاة” أو “العثمانيين الجدد” وقتما كانوا يتحكمون في عزل وتولية السلاطين العثمانيين فقد ولوا مراد بدلًا من عبد العزيز وولوا عبد الحميد بدلًا من مراد، ولكن مثلًا لم يرد في مخيلتهم أن تكون البلاد بلا سلطان حتى لو ضعيف.

تفاصيل عزل عبد الحميد الثاني:

نعود لنرى الوفد الذي ذهب لتنحية السلطان عبد الحميد الثاني والذي تم ترشيحه من مجلس المبعوثان “المجلس النيابي” وعليه علامة استفهام, فلم يكن بينهم من هو تركي الأصل بالمعنى الضيق للكلمة أو حتى عربي واحد فهم أربعة ذكرنا منهم المحامي السالونيكي اليهودي إيمانويل قراصو والثلاثة الباقون أرمني وألباني وجورجي!!

“عزلتــك الأمـة “.. كلمتان خرجت من هذا الوفد أنهت حكم آخر السلاطين العثمانيين الفعليين.

السلطان عبد الحميد المنفي في دولته:

تم ترحيل السلطان إلى سالونيك تلك المدينة ذات الميول والصبغة اليهودية المعروفة, ولا تنس أن عضو مجلس المبعوثان فيها يهودي.. نعم هو نفسه إيمانويل قراصو. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إمعانًا في إذلاله أنزلوه في قصر يملكه يهودي يدعى “اللاتيني” وهو نفس اسم القصر.

تخيل معي السلطان الذي يعد أقوى موقف له طوال تاريخه هو وقوفه – على ضعف دولته- ضد اليهود تحدد إقامته في بيت أحدهم. وبطبيعة الحال لم يرسلوه إلى مكان قصي من البلاد ليحيا حياة رغدة.

وهذه مشاهد مما قاساه وأبناؤه في منفاه الأول:

1) الطعام كان مكونًا من أرز جاف رديء الطعم وقليل من الزبادي بدون أي أدوات مائدة من أي نوع لا ملاعق ولا شوك تناول الطعام باليد فقط.

2) طبعًا الإنارة هي شمعات ضئيلة الحجم إذا ذابت فقد تمر أيام حتى يتذكر أحد ما تغييرها.

3) لا خروج حتى إلى الحديقة, لا تطلع من النوافذ أو الشرفات فكلها موصدة, ولم يسمح حتى للأطفال بالتطلع منها إلا بعد أشهر.

4) كان السلطان عبد الحميد يضع كرسيين متقابلين وينام عليهما.

5) سيكون من البديهي إذا أضفنا عدم وجود صابون وقذارة الصنابير ومرارة مياه الشرب نفسها بالإضافة لعدم وجود أكواب فالشرب يتم من الصنبور مباشرة.

6) تقول الأميرة شادية ابنة السلطان عبد الحميد أنها كانت تخلع ملابسها لتغسلها وتظل عارية حتى تجف لتعيد ارتداءها من جديد, وكان الآخرون يفعلون ذلك أيضًا, ولكننا لا نعرف هل الآخرون هؤلاء يشملهم السلطان نفسه؟!

7) منع كامل من قراءة الصحف وعداء واضح من جنود وضباط الحراسة للأسرة كلها عدا قائدهم فتحي أوكيار الذي كان مهذبًا مع الأسرة كلها شديد الاحترام للسلطان.

8) أجبر الجيش السلطان عبد الحميد على التنازل عن أمواله الشخصية المودعة ببنكي “دويتش بنك” و”كيردي ليونة”، وسرعان ما بعث المصرفان مندوبين عنهما للتأكد من صحة الإجراءات وموافقة السلطان على التنازل عن أمواله دونما ضغط ولكن الضغط بالتأكيد كان موجود كتهديد حياته ومن قبلها تهديد حياة أولاده.

9) إبان حرب البلقان والتي اجتمعت فيها أربع دول بلقانية على الدولة العثمانية وهم اليونان والجبل الأسود والصرب وبلغاريا بين عامي 1912 و1913م انتقل عبد الحميد الثاني وأسرته إلى إسطنبول حيث كان سقوط سالونيك في أيدي اليونان أمرًا شبه حتمي فتم نقل السلطان إلى قصر “بيلربي” بإسطنبول “القسطنطينية” واستمر بها إلى أن وافته المنية.

موقفي من السلطان عبد الحميد:

إذا كان لي رأي فأنا أرى أنه رجل تساوت محاسنه مع مساوئه، ولهذا تفصيل سأقوم بنشره في مقال في القريب بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني
خروج المصريين على الحكام والسلاطين
مذكرات فتحي أوكيار
عرض التعليقات
تحميل المزيد