في أحدث أعماله الأدبية «قمر شاحب» يسرد الطبيب السوري «عبد الخالق كلاليب» قصة جريمة في قرية بعيدة. ببداية متخبطة لا ندري فيها هل تقع الرواية تحت سطوة السيرة الذاتية للضابط المتقاعد التي سيرويها كراوي عليم أم هي مونولوج داخلي يستغذب فيها الضابط ألمه الذي يطارده في كل شتاء!

«ربما تكون الكآبة هي ذاتها في كل زمان ومكان، ذلك الشعور الثقيل الجاثم بقوة علی الأنفاس، ذلك الإحساس الحزين بتفاهة الأشياء كلها ولا معناها. عبث الحياة وتلاعبها الصفيق بنا، أن تحس أنك لا تريد شيئًا لأنك تكره كل شيء».

تدور أحداث الرواية في الماضي، علی أطراف البلاد في فصل الشتاء حيث البرد القارس وهطول الثلوج المستمر.

إمكانيات «عبدالخالق كلاليب» التي منحته القدرة علی الكتابة تقريبًا هي نفسها التي منحته القدرة علی أن يكون طبيبًا، يتوغل بعمق داخل كل شخصية يكتبها، يسرد أدق التفاصيل ويدون أتفه الأمور وأعظمها عن كل شخصية في عالمه، هذه هوايته المحببة، بالإضافة لكونه لا يمل من لعبة خلط الأوراق وإلقاء الكلمات كلغزٍ.

ما بين صدی الأرواح وقمر شاحب

تختلف وتتشابه بعض الجوانب في روايتيّ «عبدالخالق كلاليب». الروايات تدور حول جريمة قتل يتورط البطل في حلها. كما حدث في «صدی الأرواح» التي كانت تدور حول طبيب نفسي يكتشف مذكرات صاحب البيت الذي يسكنه هو ويبدأ في تتبع خيوط الأحداث عن طريق المذكرات الشخصية للقتيل التي تساهم في الوصول لشخصية القاتل الحقيقية، بينما في «قمر شاحب» يسافر ضابط الوحدة الجديد لقرية بعيدة علی أطراف البلاد المعزولة بشكل كامل عن العالم بلا طريق ممهد أو وسائل اتصال بسبب وفاة شخص غريب عن البلاد هناك، يقرر الضابط الشاب في اندفاع وغرور أن يفتش عن السر الحقيقي ومعرفة سر موت الشاب، ويرتحل مع مساعده للقرية البعيدة التي وما أن يصل إليها حتی تشتد العواصف التي تزيد من عزلة القرية عن العالم.

في «صدی الأرواح» يمسك عادل بزمام الرواية. يتحدث عما يفعله ويتفاعل معه، بينما في «قمر شاحب» تتكون الرواية من فصل واحد طويل يعتمد علی استرجاع الضابط المتقاعد الذكريات، يحكي بارتباك كيفما يتذكر بلا ترتيب زمني بفعل الذاكرة وبفعل الحزن الذي يضغط علی قلبه ويدفع ببعض الذكريات علی السطح بينما يراوغ مع بعضها الآخر ويطمسها في العمل.

الأبطال المترددون في روايات عبدالخالق كلاليب

منذ اللحظة الأولی مع الرواية وأنا أعقد المقارنات بين «صدی الأرواح» التي صدرت عام 2018 عن دار التنوير بلبنان وبين «قمر شاحب» الصادرة حديثًا عن دار «العليا / الرسم بالكلمات» بمصر، الأدوات الفنية التي يمتلكها الروائي السوري خاصة به هو وحده، تقنيات السرد واللغة الحية التي تنقلنا لعالم الرواية التي تدور في قرية بعيدة لا يتوقف الثلج عن الهطول فيها كلها فنيات تخص عبدالخالق كلاليب الذي يغوص في نفوس أبطال أعماله ليحكي عن رجفة الخوف ونظرة القلق والبسمة الهازئة.

تتشابه نهايات الروايتين معًا، بل وتكاد أوجه تشابه الروايتين بالكامل معًا تكون أكثر بكثير من أوجه الاختلاف. أبطال الروايتين أشخاص في نفوسهم تقدير للضعف البشري، يعرفون قيمة الحياة ولكنهم يدركون قوة الضعف التي قد تتسبب في ارتكاب جريمة قتل أو التستر عليها، بالإضافة لسعي أبطال العملين نحو الحقيقة ولكن كُلًا منهم في النهاية يتغاضی عنها، يبلغ السأم والحزن درجة كبيرة في روحه وتحل عليه رغبة لعن معرفة الحقيقة. في «قمر شاحب» التي تقع أحداثها في «215» صفحة يغرق الضابط الجديد في بركة عميقة من الحيل والأكاذيب وتنقذه العناية الإلهية، ويمنحه بعض الحظ أدلة جديدة تساعده علی حل الجريمة، وفي كل مرة يصل فيها أحد أبطال الكاتب السوري للحل نجده بعد بلوغه كل هذا التعب قد شعر أن حل الجريمة والتعريف بالجاني الحقيقي لن يفيد. في «صدی الأرواح» لم يبلغ الطبيب النفسي عن الجاني لأنه أدرك بأنه سيهدّم عائلات كثيرة وسيفتح قضية أُغلقت منذ سنين لن يستفيد من القصاص فيه أي شخص، القتيل مات ولا وارث له، والقاتل له عائلة وعائلة لعائلته، ربما البحث عن الحقيقة كان هدفًا شخصيًّا له فقط!

أما في «قمر شاحب» فإن كشف هوية الجاني الحقيقي لن تفيد أحدًا لأنه ببساطة قد مات، ولأن الميت لا وارث له ولأن القضية أيضًا شبه مغلقة من ذي قبل فإن كشف هوية الجاني ربما كان مرغوبًا به لإرضاء غرور الضابط الجديد المعتز بنفسه. ربما أمور مثل هذه يعني بها الكاتب أن معرفة الحقيقة ليست هي الحل الأمثل في كل الأحوال، لأنه في النهاية كل جانب خفي قد يكون خفيًا لأن كشفه سيؤدي لكوارث عديدة، وأن من مات لن يموت مرة أخری أو يعود من موته، ولذلك فإن لا فائدة له من القصاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد