على مدار السنوات الماضية، حقق كاتب السيناريو المصري، عبد الرحيم كمال، شهرةً واسعةً بأعماله الدرامية، والتي كان أبرزها «الرحايا.. حجر القلوب»، «شيخ العرب همام»، «ونوس»، «الخواجة عبد القادر»، «أهو ده اللى صار»، وغيرها من المسلسلات التليفزيونية التي كشفت عن سيناريست مُختلفٍ متميزٍ لا سيما في أعماله الفنية التي تناولت الصعيد المصري.

يُنظر إلى عرض عملٍ جديدٍ لـ«عبد الرحيم كمال» سواء في السينما أو التليفزيون، بوصفه حدثًا مهمًّا في الوسط الفني، ولكن عندما يكتب هذا السيناريست الشهير عملًا روائيًّا، فإنَّ هذا الأمر يستحق التوقف والتدقيق، وطرح أسئلةٍ مثل: ما الجديد الذي سيُقدمه «كمال» في هذا العمل الأدبي؟

بدايةً، فإنَّ هذه السطور لا تمثل نقدًا أدبيًّا لرواية «بوَّاب الحانة» الصادرة عن دار «كيان للنشر والتوزيع»، الطبعة الثانية 2016م، لكن يمكن اعتبار هذه السطور قراءةً حرةً لأحداثِ الرواية، وشخصياتها، وعالمها.

قبل قراءة هذه الرواية، يمكن القول إنه من الصعوبة استبعاد الصورة الذهنية التي أصبحت مترسخةً عن كاتبها عبد الرحيم كمال، السيناريست الشهير، الذى تحقق أعماله نسب مشاهدةٍ مرتفعةً، كما أنَّ القارئ هنا لن يتعامل مع «بوابة الحانة» بوصفها عملًا جديدًا للكاتب، ولكن طواعيةً سيُدخلها ضمن مشروع الكتابة الخاص بصاحب مسلسلات «الرحايا» و«شيخ العرب همام» و«يونس ولد فضة».

الجزئية السابقة «سلاح ذو حدين» بالطبع؛ فهى من ناحيةٍ قد تكون سببًا جوهريًّا في «تسويق» هذا العمل الأدبي جيدًا، بينما على الناحية الثانية من الممكن أن تكون سلاحًا ضد الكاتب، إذا رأى قارئ أن هذه الرواية ليست جيدةً.

من عنوان هذا العمل الأدبي، نكتشف أنَّ الرواية بطلها (المكان/ الحانة)؛ هنا يتجمع الأبطال: حسان، البرديسي، عبد الله العراقي، فريد خير الله، ميخائيل صاحب الحانة، الباز، فريد الصحافي، على يماني الروائي، تنطلق حكاياتهم وثرثرتهم، وتُحدد مصائرهم القاسية أحيانًا، «الحانة» هي المسرح الذي سيصعد عليه كل الأبطال لنعرف حكاياتهم، تناقضاتهم.

يبدأ الكاتب عبد الرحيم كمال روايته بما يشبه «الأسطورة»، عن «عجب» الفتاة التي تشاهد شيخ الكتاب يأكل طفلًا صغيرًا، ثم يأكل ثلاثةً من أطفالها الذين تنجبهم من «الأمير»، إنها حكاية الصبر، حيث يُعيد لها الشيخ هؤلاء الأطفال وقد أصبحوا صبيةً.

في رواية «بوَّاب الحانة» نرى شخصياتٍ مختلفةً إلى حدٍ ما، ها هو الكاتب عبد الرحيم كمال يُمارس هوايته من جديدٍ في «إدهاشنا» بأبطالٍ من لحمٍ ودمٍ؛ عبد الله العراقي الذي نزل للاستحمام في نهر دجلة وأفاق في مصر القديمة، حكاية لن يصدقها القارئ بالطبع، ولكن تُطلق الخيال لعنانه، ثم يتزوج من «فواكه»، أرملة العربجي، التي تُنجب له أولادًا، بينما يصبح «عبد الله» من الرواد الأساسيين في «الحانة» الواقعة في الجيارة.

أما «حسان» فحكايته أكثر إدهاشًا، وارتباكًا، واضطرابًا، كيف تحوَّل هذا «الأزهري» الصوفي إلى بواب لـ«حانةٍ» كل زبائنها من السكارى الصعاليك في حارةٍ ضيقةٍ بـ«الجيارة» بمصر القديمة، ثم أصبح المالك الفعلي لهذا المكان بعد تخلي صاحبه ميخائيل الصعيدي عنه، وعودته لأسيوط مع زوجته «شمعة».

ينقلك «كمال» عبر فصول روايته من حكايةٍ إلى حكايةٍ؛ فى هذه الحانة سترى «فريد الصحفي»، الفلاح الذي جاء إلى العاصمة، وعرف أسرار النجاح مبكرًا؛ انضم إلى الإخوان في الثمانينيات، ثم أصبح «ناصريًّا»، هنا ترى قصة شخص نموذج في «التسلق»، كيف انطلق من حارات الجيزة وأزقتها، إلى العيش في الحي الراقي، صحفيًّا وإعلاميًّا يهاجم الوزراء في برنامجه الأسبوعي، ويقضي بقية الليل في «حانة حسان».

أما علي يماني، الروائي والكاتب الفاشل الذي يعاني من تجاهل النقد له، فيقصد هذه الحانة، ينوي كتابة عملٍ روائي عنها، يُشكك في صدق شخصياته؛ فهو يرى حسانًا رجلًا مدعي مضطرب، والبرديسي الصعيدي، قاتلًا أجيرًا، وعبد الله العراقي، كاذبًا، وأنه ليس عراقيًّا لكنه أفَّاق من إحدى محافظات الدلتا، والباز ذكي.

تمثل «الحانة» وشخصياتها المضطربة هنا بالنسبة لـ«علي يمانيّ» حلم الخلاص؛ الخلاص من تجاهل وحقد النقاد عليه، وغباء الجمهور، فهو يخطط لكتابة روايته الرابعة عن هذه الحانة، يرى أن هذا العمل الأدبي، سينجح، سيتحول إلى عملٍ تليفزيوني وسينمائي.

بينما يمثل «البرديسي الصعيدي» نموذجًا للقروي الذي يُفتَن بالقاهرة؛ شوارعها، إعلاناتها، أنوارها ونسائها الجميلات، أفضل ما في حكاية «البرديسي» ما خطه الكاتب عن العاصمة بطريقةٍ قاسيةٍ؛ يشبهها بالعجوز الشمطاء التي تقتات على مواهب القادمين إليها ودمائهم، حتى عماراتها ومبانيها بُنيت على أكتاف «الصعايدة».

ظهر الهجوم القاسي من الكاتب على القاهرة/ العاصمة في تشبيهها بـ«الغولة» التي تجلس أمام بيتها، وتغري الغرباء بدخوله، حتى إذا فعلوا، ابتلعتهم البئر الواقعة خلف باب بيتها.

يقول الكاتب عن القاهرة/العاصمة: «قالت على الفلاحة أم كلثوم إنها ابنتي كوكب الشرق، ونسبت اليتيم الهارب عبد الحليم حافظ إليها، وأسمته العندليب، وطاردت أحمد زكي من مكان إلى مكان حتى أسكنته الفنادق قبل القبر، ثم قالت فتى الشاشة الأسمر، وقتلت يحيى الطاهر عبد الله في حادث طريق، وأنهكت جسد أمل دنقل بالمرض، وأكلت غيرهم على المقاهي الرخيصة والبارات، ورقصت مع غيرهم وغنت، ثم دفعتهم إلى حين غرة إلى الضياع، ملعون أبوها العاصمة التي لم أنم فيها ليلة واحدة نومًا هنيًّا، كذلك الذي نمته في حجر أمي».

بعيدًا عن «الحانة» وشخصياتها – أبطال الرواية – فإنَّ هناك العديد من الملاحظات أولها: الشعور بأن هذه الرواية كُتبت على عجلٍ، حكايات الشخصيات قد تكون ثريةً، ولكنها رُسمت بسرعةٍ، فضلًا عن اللغة التقريرية المباشرة التي كانت واضحةً في أجزاءٍ كثيرةٍ من الرواية التي قسمها الكاتب عبد الرحيم كمال إلى فصولٍ قصيرةٍ بعناوين أيضًا مباشرة تخلو من الابتكار. الانشغال بكتابة السيناريو قد يكون سببًا في هذا الضعف الذي يضرب الرواية؛ فالكتابة الأدبية بالطبع تحتاج إلى تفرغٍ.

من أهم مميزات السيناريست عبد الرحيم كمال «قوة الحوار» في مسلسلاته التليفزيونية، الرجل يمتلك لغةً حواريةً تدفع بالحدث إلى الإمام، وفي الوقت نفسه لا تكف هذه اللغة عن الإدهاش، هذه الميزة التي «انفجرت» في عمله الأهم «أهو ده اللي صار»، الأيقونة الذي حقق نجاحًا كبيرًا، عمل مختلف في كل جوانبه؛ القصة، الحوار، الحبكة، عوالم أبطاله.

وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ السرد سيطر على رواية «بوَّاب الحانة»، حتى الحوار القليل الموجود في أجزاءٍ منها لم يكن قويًّا؛ كان مباشرًا، تقليديًّا، خاليًا من «الخلطة المعروفة» للسيناريست عبد الرحيم كمال.

كما قلنا سابقًا، فإنَّ هذه الرواية لن تكون منفصلةً عن مشروع عبد الرحيم كمال في الكتابة؛ ستجد كثيرًا من الملامح التي تتميز بها مسلسلاته؛ ففي «بوَّاب الحانة» ستقرأ عن شخصياتٍ من الصعيد الذي كتب عنه «عبد الرحيم» أعمالًا متميزةً، وكذلك النزعة الصوفية التي ظهرت في أعماله ستجدها في هذه الرواية، هنا يحضر الإنشاد الديني، حلقات الذكر، «ابن الفارض»، أبو الحسن الشاذلي، المرسي أبو العباس، ابن عطاء السكندري، فضلًا عن الأحداث الأقرب للخيال أو الفاتنازيا.

الخلاصة أنَّه قبل أن تقرأ هذه الرواية، عليك ألا تعتقد أنَّ هناك مغامرةً فنيةً أدبيةً تنتظرك بين سطورها، كما تعودت أن تشاهد في مسلسلات الكاتب والسيناريست المصري الشهير عبد الرحيم كمال؛ رواية «بوابة الحانة» عمل متواضع، يُمكنك تصفحه لمرةٍ واحدةٍ قبل أن تضعه بجانب التليفزيون، وتُمسك بـ«الريموت» متجولًا بين الفضائيات بحثًا عن «شيخ العرب همام» أو «الخواجة عبد القادر» أو «يونس ولد فضة».

ولد الكاتب عبد الرحيم كمال في «العيساوية شرق»، بمحافظة سوهاج، بصعيد مصر، وتخرج في المعهد العالي للسينما قسم السيناريو عام 2000.

من أعماله: «الكنز»، «يونس ولد فضة»، «ونوس»، «دهشة»، «الخواجة عبد القادر»، «شيخ العرب همام»، «الرحايا».

ومن أعماله الأدبية روايات: «ظل ممدود»، «المجنونة»، «بوابة الحانة»، وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد