يمتلئ التاريخ الإسلامي بقصص المجد والبطولة التي يعجب الإنسان عند سماعها، فيندهش من جور الزمان وتقلبات الدهر، أحدثكم اليوم عن فارس بني أمية وصقر قريش الداخل، الذي أعاد مجد بني امية في الغرب بعد أن سُلب في الشرق، الفارس الأموي عبد الرحمن الداخل الذي لقبه غريمه وعدوه بصقر قريش!

يرجع أصل عبد الرحمن بن معاوية إلى أسرة بني امية الشريفة، والتي ينسب لها معاوية بن أبي سفيان، نشأ عبد الرحمن في قصر جده هشام بن عبد الملك بدمشق حيث عاصمة الخلافة الأموية هناك، حيث سُطرت هناك صفحات الانتصار، حيث رفرفت راية الإسلام معلنة حكمها من الصين في الشرق إلى الأندلس في الغرب فنال عبد الرحمن العلوم المختلفة، فنشأ اهلاً للحكم، وصفه ابن حيان القرطبي فيقول ( كان راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ثم لا ينفرد في إبرامها برأيهن شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغاً مفهوماً، شاعراً محسناً سمحاً سخياً طلق اللسان، وكان يلبس البياض ويعتم به ويؤثره، وكان قد أعطي هيبة من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز، ويصلي عليها، ويصلي بالناس إذا كان حاضراً الجمع والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، ويكثر مباشرة الناس والمشي بينهم.)

الزحف العباسي!

عند قيام الدولة العباسية وتوسعها على يد القائد ابو مسلم الخراساني، أصبح هنالك خطر على أسرة بني امية ولم تمر إلا سنوات قليلة وقد وصل العباسيون الشام واستولوا عليها واحكموا قبضتهم عليها فقتلوا كل من عارضهم وأمروا بالقبض على الامراء الامويون وقتلهم. فخرج عبد الرحمن من دمشق ومعه خادمه واخوه فهرب من دمشق قاصدا الأندلس وفي طريقه لاقاه العباسيون فأرادوا قتله واخوه فأعطَوهم الأمان فذهب اخوه فقتلوه امام عينه.

مر عبد الرحمن في هذه الرحلة الطويلة بعدة أقطار فمر على فلسطين ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وعند خروجه من الشام حزن لفراقه فحمل كماً هائلاً من الحزن والفراق فأنشد قائلا

قفا ودعا شاما ومن حل بالحمى. . وقد قل شاما عندنا أن يودعا

وصل عبد الرحمن إلى تونس واختفى هناك مدة، ثم ذهب إلى طنجة بالمغرب فنرل عند أخواله هناك فبدأ يعد العدة لدخوله الأندلس، فأرسل خادمه بدر لكي يعرف أحوال الأندلس واخبارها.

دخوله للأندلس

كان يحكم الأندلس في ذلك الوقت عبد الرحمن الفهري والصميل بن حاتم، وعندما أرسل عبد الرحمن خادمه بدر الذي أجرى بعض المفاوضات للموافقة على مجيء عبد الرحمن، فاستطاع جمع المؤيدين الذين كانوا في زيادة مستمرة.

دخل عبد الرحمن الأندلس أخيراً وتسلم حكمها ففرح سكان الأندلس بدخول هذا الأمير الأموي فقد كانوا يحبون الأمويون رغم أن الأندلس كانت تواجه معاركاً طاحنة بين العرب اليمانية والقيسية، وكانت تواجه نزاعات كثيرة فوحد الداخل فيما بعد هذه الفرقة وألغى هذه الطائفية واستطاع خمد الثورات التي واجهته في الأندلس

اهتم الداخل بالجيوش الاسلامية، واهتم بالعلوم والمعارف فاستطاع أن يؤسس دولة قوية وصلبة، فأنشأ الكتاتيب والدواوين وخالط الناس ورافقهم وعرف احوالهم، كما أنشأ مصانع للسيوف والاسلحة، وعمل على انشاء اسطولاً بحرياً عظيماً واهتم بالقضاء والحسبة واستطاع أن يكون جيشاً قوامه مئة ألف رجل، واهتم بالتجارة والأسواق.

واهتم صقر قريش بالجانب الديني فبنى المساجد حتى قال فيه بعض المؤرخون: “لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام في الأندلس ” وبنى جامع قرطبة الكبير الذي ضم أيضا مكتبات ودور علم وأخرج جيلاً من العلماء والشيوخ، كما أنه بنى الرصافة وهي من أكبر حدائق الإسلام وقد أنشأها شوقاً إلى رصافة جده هشام بن عبد الملك.

قتاله وجهاده

لم يقتصر اهتمام عبدالرحمن على الجانب الحضاري فقط، بل اهتم ايضاً بالجيوش وحماية الأندلس وثغورها واستطاع التصدي لكل محاولات الانقلاب، فخمد الثورات وقاتل الخوارج، وتصدى لغرو شارلمان ملك الفرنجة لشرق الأندلس وغزا عدة غزوات، من ذلك : غزوة قشتالة التي جاز إليها من نهر طليطلة، ففرت الروم أمامه، وتعلقت بالحبال، فلم يزل حتى وصل مدينة برنيقه، من مملكة قشتالة، فنزل عليها، وأمر برفع الخيام، وشرع في البناء، وأخذ الناس يبنون، فسلموا إليه بالأمان عندما يأسوا من النجدة، فخرجوا بثيابهم فقط، وما يزودهم، ثم كتب عبدالرحمن لأهل قشتالة ذلك الأمان الذي تقدم، وهو بخط الوزير بشر بن سعيد الغافقي كما تصدى لعدة محاولات لاغتياله من قبل العباسيين حتى يأسوا من قتاله فتركوه. كما أنه لم يترك عادة اجداده الامويون في الجهاد المستمر، حيث كانوا يجاهدون بالصيف حين يذوب الجليد، وكانت الجيوش تسمى الصوائف، كانت تخرج إلى الشمال كل عام لهدف الإرباك الدائم للعدو، وقد جعلها عادة له ولقواده كل عام.

تسميته بصقر قريش

جلس أبو جعفر المنصور، المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية مع أصحابه، فسألهم: «أتدرون من هو صقر قريش؟»، فقالوا له: «أمير المؤمنين الذي راض الُملك، وسكّن الزلازل، وحسم الأدواء، وأباد الأعداء». قال: «ما صنعتم شيئًا»، قالوا: «فمعاوية»، قال: «ولا هذا»، قالوا: «فعبد الملك بن مروان»، قال: «لا». قالوا: «فمن يا أمير المؤمنين»، قال: «عبد الرحمن بن معاوية الذي تخلّص بكيده عن سنن الأسنة، وظُبات السيوف. يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدًا أعجميًا. فمصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره، وشدة عزمه. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه. وعبد الملك ببيعة تقدمت له. وأمير المؤمنين بطلب عترته، واجتماع شيعته. وعبد الرحمن منفردًا بنفسه، مؤيدٌ برأيه، مستصحبًا عزمه.»

وفاته

توفي الداخل عام 172 هـ ودفن في قصر قرطبة بعد أن صلى عليه ولده عبد الله. وخلفه من بعده ولده هشام الملقب بهشام الرضا بعهد من والده، رغم أن أخاه سليمان كان أسن منه، ولقب بالداخل لأنه أول من دخل الأندلس من بني أمية حاكماً فبدأ به عهد سُمي بعهد الإمارة.

هكذا استطاع الداخل بناء دولة الإسلام في أرض غريبة، بعيدة عن دياره، فر من بلاده خائفاً ليبني دولة استطاعت الصمود لعصور، رغم كل هذا كان الداخل يحن إلى موطنه دمشق، ومن اشعاره:

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة                  تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت شبيهي في التغرب والنوى               وطول انثنائي عن بني وعن أهلي

نشأتِ بأرضٍ أنت فيها غريبةٌ                فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

Image result for عبدالرحمن الداخل مسلسل

فرحم الله عبد الرحمن بن معاوية وجزاه خيراً عما فعله وقدمه للإسلام ولعلنا نعتبر ونأخذ الدروس والعبر من قصته العظيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد