قرأتُ عن الحبّ وتلذّذتُ بالمآسي التي تليه، وانزعجت بالنتائج الباهتة التي تؤول إليها التجارب الفاشلة، لاسيّما المشاهد التي تُصوّرُ سردًا، تكون بحق مشاهد تُدمي القلب، وكاتبها، لو عاشها فعلًا، أو أبدع من خياله – الخيال هو حياتنا الأخرى التي نلجأ إليها كلّما اقتضت الضرورة – فإنّ ذلك مؤسفٌ حقًّا. الحبّ الأول، إنْ لم نحتفظ به، فإنّ العلاقات التي تليه، تُصبحُ مجرّد مشاعر ميكانيكية، جافّة، وخاليّة من طعم العشق الجارف.

من كتب عن الحبّ، لا يكتب لأنّه يحتاج الكتابة، بل لأنّ جرحًا غائرًا بداخله أبى أن يندمل، ظلّ ينزفُ دون انقطاع. الحبّ يجعلُ من الإنسان جثّة بلا روح، وعقلًا بلا تفكير، وقلبًا مهجورًا. القلبُ خلق للحبّ وليس لضخّ الدماء. ربما يجدُ الكاتب لذّتهُ القصوى وهو يُفرغُ ما يجتاحهُ عبر السطور، لأنّه بذل جهدًا جادًّا ومضنيًا من أجل تجاوز الماضي ونسيانه، لكن الذّاكرة تظلُّ دائمًا تتذكّر الأشياء الجميلة التي تؤدّي إلى تذكّر نقيضها، هنا يدخلُ الإنسان في نفقٍ مظلم قد يُحدثُ اضطرابًا بداخله.

قرأت بعض الأعمال الروائية والقصصية الّتي تناولت الحبّ وصوّرتهُ في مشاهد سردية، قد تترقرق بسببها الدّموع في أيّ لحظة، نظرًا إلى الصدق والحب العميق النّابع من وراء الحبر. انكببتُ على قراءة تجارب الحب التي رواها دهاقنة الرواية العربية، كل واحدٍ روى مظلمتهُ في الحبّ، وسرد جلّ أطوار قصته، كما شاهدتُ أمتع الإنتاجات السينمائية التي تناولت قصص الحبّ الشائقة، بلحظاتها المنتشية، وبانكساراتها، وتلاشي المشاعر، فخلُصتُ إلى فكرةٍ واحدة مفادها أنّ الرجل إذا أحبَّ، فإنّه يُحبُّ بصدق وبشغفٍ كبيرين، ويسعى جاهدًا إلى المحافظة عن روافد حبّه، ويبذلُ قصارى جهده للمحافظة على سعادته، ولو أنّ كل شيء قابل للزوال في أي لحظة. لا يبقى مكتوف الأيدي وهو يرى كيانه الذي يضمُّ أحلامه الزاهيّة يتهاوى شيئًا فشيئًا، وإذا وقف الزمن ضدّه، ولم تكن بيده حيلة يستسلمُ في صمتٍ وذهول، وغصة لا تفارق حلقه، متحسرًا على ضياع كلّ شيء، ويتذكّرُ بفرح تلك اللّحظات الفاصلة التي تقاسمها معها، ويبقى قلبهُ مهجورًا كبيتٍ هجره أناسهُ تاركين وراءهم ذكريات متناثرة هنا وهناك. أمّا المرأة فحبُّها يكونُ عابرًا، قد يُنسيها آخر في السابق دون أدنى تفكير في الذي عاشتهُ. تنسى الماضي وتطوي صفحته نهائيًّا، ولا يبقى في ذاكرتها إلّا فتات الذكريات التي تعمّدت الاحتفاظ بها. وتفتحُ بكل سهولة صدرها لقصّة جديدة ستكونُ مثيرة، وستؤدي في غالب الأحيان إلى تعاقدٍ داخل مؤسسة مقدسة، ألَا وهي الزواج، إنْ لم تكن نهايتها مُشابهة تمامًا لسابقتها. في ذاكرةِ الرّجل امرأةٌ واحدة، حتى وإن تعددن، فالأُخريات مجرّد مُقتحمات لحصنٍ تُلعبُ فيه لعبةُ النّسيان باحترافيّة كبيرة.

ديناصور الرّواية العربية عبد الرّحمن مُنيف أمتع القارئ العربي، وأحزنهُ في الوقت نفسه، من خلال روايته «قصّة حبٍّ مجوسية» الصادرة سنة 1974م، التي ستظلُّ محفورةً في ذاكرتي ما حييت، نظرًا إلى الانطباع الشديد الّذي خلّفتهُ بداخلي. عبد الرحمن مُنيف يكتبُ بقلبه، يكتب بعدما راكم تجربة كبيرة. يُعدُّ عبد الرحمن منيف، في نظري، أيقونة الرّواية دون أدنى شك، ولم أجد روائيًّا عربيًّا يُمكنني مُقارنته بمُنيف، رغم المكانة المرموقة التي يحتلّونها جلّ الروائيين العرب في نظر القرّاء. منيف يكتبُ بأعجوبة، يستهوي القارئ ويغوصُ به في متاهات لامتناهيّة. يجذبُ القارئ العادي بسرده الذي يبدو في البداية بسيطًا، لكن مع توالي الصفحات تكتشفُ أنّه سرد يقودك إلى تيهٍ ويا لهُ من تيه. أُشبِّه رواياته بخيط منتظم ومستقيم، تتقفى نهايته، فتأكلُ الصفحات واحدةً تلو الأخرى دون أن تصل إلى نهاية الخيط.

بيد أنّ منيفًا، لم ينل حقّه، فلماذا لم ينل جائزة مرموقة كجائزة نوبل للآداب، رغم الإنتاجات البديعة التي تركها؟ ألَا يُعد عبد الرحمن أبرز مُنظّرٍ للرواية العربية؟ حمل على عاتقه قضايا شاغرة تستحقُّ من القارئ اهتمامًا يليق به. كتب في الرواية، وأمتع في القصّة «أسماء مُستعارة، الباب المفتوح»، وشدّ القارئ في أعماله الفكرية والأدبيّة «بين الثقافة والسياسة، الكاتب والمنفى». ألَا يستحقُّ وافر الإشادة والثّناء على ما خلّفه؟ لا يمكنُ لكاتب أن يكتب رواية وهو لم يُطالع أعمال منيف الرّصينة. فرواياتهُ كرّست لنا كتابة أدبية فريدة من نوعها، قلّما نُصادفها، وأسلوبًا أدبيًّا تأمليًّا يسلطُ الضوء على القضايا التي تشغلُ بال الفرد العربي أحيانًا «شرقُ المتوسط»، وأحيانًا أخرى يتناول مشكلة الإنسان مع الطبيعة «النّهايات، أمّ النُّذور»، إلى غير ذلك من القضايا.

تحدّث عن الحبّ الذي يتربّصُ بالإنسان بمجرّد أن يفترق عمن يُحب، فيجتاحهُ التيه والانكسار، ويظلُّ تائهًا يبحث عن الخلاص من ذلك العذاب الذي يبسطُ قبضتهُ عليه. في أحد المشاهد من روايته «قصّة حبٍّ مجوسية»، والرّاوي ينظرُ إلى باولا (حبيبته)، وصف لنا بدقّة منقطعة النّظير، نظراته الثّاقبة، والشعور الذي اعتراه في تلك اللحظة، ودمهُ الذي تكلّس في عروقه، وتنفسه بجموح، ثم تلوى من شدّة الألم الذي أحسّ به، وهو يراها من بعيد، ولم يستطع الاقتراب منها؛ لأنّها كانت مُتزوجة، أحبّها خلسة، فاكتوى بجمرات الحبّ التي خلّفت منحنيات واضحة في شخصيّته. هي شغلهُ الشاغل في تلك المدينة، يكتفِي بمراقبتها والنّظر إليها. النظر كان كافيًا حتى يسقط في حبّها. نظرات صادقة.

شبّه حبّه لها بالمجوسي؛ فالمجوسي، كما هو معروف، يعشقُ النّار ويعبدها. سرد لنا طوال فصول روايته كيف يمكنُ للحبّ أن يُحوِّل حياة أيّ إنسان إلى جحيمٍ لا خلاص منه إلّا باستئصال الذّاكرة، يصفُ لنا التفاصيل الصغيرة، التي قد يتغاضى عنها الكاتب العادي لأنّ هذا المستوى لا يمكن أن تصل إليه إلّا بالدُّربة والمِراس، لكن منيفًا يركز عليها حتى يبين المأساة التي كان يعيشها بطل الرواية في صمت. يقول عبد الرحمن منيف: «هل يمكن اعتبار ما حدث قصّة؟ هل يمكن اعتباره قدرً ساخِرًا؟ لا أريدُ الضياع في غياهب الكلمات العمياء، فالمشاعر التي تسيطر عليَّ حين أتذكّرها تجعلني أقرب إلى المجنون. والأوقات التي يمرُّ فيها طيفها كثيرة لدرجةٍ لا أستطيع أن أُفكّر بغيرها».

ننسى قليلًا، ننسى كلّما سنحت لنا الفرصة، لكن بمجرّد رؤية مشهدٍ قلّما يبرحُ مخيلتنا، ولو باختلافٍ في الجزئيات، فإننا نغوصُ في بحرٍ بلا ساحل، بحر قلّما ينجو من دخل إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد