في مثل هذا اليوم ولد الدكتور عبد الوهاب المسيري (8/10/1938)، وواجبنا اليوم أن نتوقف عند الكثير الذي بقي، وسيظل لفترات طويلة قادمة من فكر المسيري ومنهجه  الذي نحتاجه تماما الآن ؛ لينير لنا طريقنا نحو غد أفضل وحداثة إنسانية.

 

 

عبدالوهاب المسيري ليس مجرد مثقف ملتزم، ولا هو فيلسوف، وأستاذ للأدب الإنجليزي، ولا مناضل في الشارع من أجل حقوق أبناء وطنه، ولا هو حتى أفضل من حلل الصهيونية واليهودية في عالمنا العربي, لا

 

 

مكان المسيري في التاريخ ـ تاريخنا المصري والعربي والإسلامي ـ فوق كل هذا، إنه الرائد الذي لم يكذب أهله، والنذير العريان في زمن الاستهلاكية والعدمية وفقدان التوازن الحضاري.

 

 

 

انتمى المسيري إلى جيل عرف بالرصانة الفكرية، وتلقى تعليما حقيقيا أسهم في بنائه معرفيا، ونشأ بين رجال كانت النهضة هما رئيسا لهم, وفي بيئة اجتماعية ثقافية وسياسية غلب عليها حلم النهضة والتحرر من التبعية.

 

 

فقد انتمى المسيري إلى الحركة الماركسية المصرية، التي كانت منافسا قويا وندا حقيقيا للفكر الليبرالي الغربي، والفكر الإسلامي طوال القرن العشرين.

 

 

 

وساعده تعمقه في أدبيات الفكر الغربي بشقيه الليبرالي والماركسي، على إدراك حقيقة الحضارة الغربية، واكتشاف الكثير من الأباطيل والهالات الزائفة عن الحداثة الغربية التي عطلت فعل النهضة في بلادنا،

 

 

 

كما عاين بنفسه خطورة فكر ما بعد الحداثة أثناء فترة بعثته وإقامته في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي أسهم في تغير وجهته الفكرية, وشعوره بضرورة مراجعة النموذج الفكري الذي تبناه، والبحث عن مشروع للنهضة مرتبط بجذوره الحضارية العربية الإسلامية دون انفصال عن ثقافة العصر.

 

 

وأدرك المسيري بعد رحلة طويلة مع الفكر الغربي المادي، ودراسة الصهيونية ـ كأحد تجليات الإمبريالية الغربية، أن هناك حاجة ـ ترقى إلى مرتبة الضرورة ـ  لتطوير نماذج تحليلية للتعامل مع النموذج الحضاري الحداثي الغربي يحدد بدقة كيف يبحث الإنسان العربي المسلم عن إجابات لإشكاليات هذه الحداثة المقلقة، وأين يجده بالضبط؟

 

 

وأصبح لزاما عليه أن يأتي بمشروعه الحداثي، حداثة بديلة  تجيب عن تحديات العصر بشكل أكثر جدية وفاعلية، وتوليد المشروع الحداثي العربي الإسلامي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة؛ لتجاوز الحداثة الدارونية المنفصلة عن القيمة، المبنية على الصراع، والتنافس والتقاتل، والاستهلاك المتصاعد.

 

 

 

حداثة تبني المجتمعات العربية المسلمة بطريقة مختلفة، تقوم على تبني النقط الإيجابية في نموذج الحداثة الغربي، وعدم التقليل من القيمة الإنسانية لإبداعات الإنسان الغربي، في ذات الوقت الذي تحافظ فيه على هويتنا الحضارية.

 

 

 

وهو الأمر الذي كرس له المسيري مسيرته الفكرية ونتاجه البحثي سعيا  لتطوير رؤية عربية إسلامية تتعامل مع العصر الحديث، وتدرك أهمية البعد الثقافي في تقديم المشروع الحضاري المستمد من الإطار العربي الإسلامي.

 

 

لذلك، نذر عبد الوهاب المسيري عمره، وقصر عطاءه الفكري على النقد الحضاري للحداثة الغربية ومركزيتها المفرطة، التي شوهت الإنسان واستعبدته، ودمرت حضارات بأكملها، وشردت شعوبا؛ لتبني مجدها، وتراكم ثروتها، عبر تدمير هذه الشعوب أو الحاقها بها.

 

 

وكانت موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية قمة نقده للمشروع الحضاري الغربي ووحشيته من خلال الصهيونية الاستيطانية الوظيفية التي زرعت في فلسطين العربية.

 

 

 

وبالرغم من أن القرن العشرين يذخر بالعديد من المفكرين النابهين الذين لا يقلون أصالة ولا أهمية عن المسيري, ولكننا لا نجد من بينهم من ركز نشاطه الذهني في محاولة فهم الحضارة الغربية فقط, دون أن يتحول عنه، وانصرف بالكلية إلى جعل كل كلمة يقولها، وكل موقف يتخذه وكل تصرف يصدر عنه في حياته، وسيلة لتحقيق هذا الهدف:

 

 

 

تشريح الحضارة الغربية ومشروعها الحضاري, تمهيدا لبناء مشروع حضاري مستقل يناسب أمتنا وإنساننا العربي المسلم, وينأى به بعيدا عن هوة ما بعد الحداثة المادية الاستهلاكية الحلولية التي أنهت عالم القيم الثابتة، وهمشت الإنسان بعد إعلانها موت الإله، وفكرة المركز والمرجعية تماما، وجعلت الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة .

 

 

 

 

عبد الوهاب المسيري ناقد الحداثة الغربية، ورائد الخطاب الإسلامي الجديد عاش للدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية وتقاليدنا الحضارية، وآمن بالإنسان وأنتج مشروعا فكريا معرفيا يربط بين الفكر والواقع، وحقق مقولة المثقف الملتزم بقضايا أمته, يستحق دراسة وافية لمناقشة هذا المشروع الفكري والوقوف على أهم معالمه، لا باعتباره سيرة فرد ـ على الرغم من أهمية ذلك وقيمته ـ لكن من زاوية تاريخ مجتمع، لقد عبر المسيري عن أزمة الإنسان المسلم في منتصف القرن العشرين.

 

 

 

أن نتذكر عبد الوهاب المسيري اليوم ميلاده يعني استكمال العمل الذي بدأه، أن نبدأ من حيث انتهى، لا أن نتوقف عنده، وأعتقد أن أفضل ما نهديه إلى روحه الطاهرة في ميلاده أن تصدر أعماله الكاملة في طبعات شعبية عن إحدي دور النشر التابعة للدولة،

 

 

 

 

وأن تخصص جائزة قيمة للبحوث التي تناقش عطاءه الفكري، ومعالم المشروع الحضاري المستقل في أعماله، وأن يدرس جزء من نصوصه ـ خاصة المتعلقة بالصهيونية أو النماذج التحليلية أو فقه التحيز ـ لطلبة المدارس الثانوية والجامعات، وأن يهتم العارفون بفضله، وقيمة أفكاره بدراسة أعماله،

 

 

وتعريف الأجيال الجديدة بها، لا باعتبارها سيرة فرد ـ على الرغم من أهمية ذلك وقيمته ـ لكن من زاوية تاريخ مجتمع وحضارة تسعى للنهوض. رحم الله المسيري رحمة واسعة.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد