مررت يومًا بمشهد ما زال محفورًا في ذاكرتي، كان عن رجل طُلب منه المشاركة في إحدى المعارك التي نشبت لنصرة مظلوميته، إلا أنه رفض أن يكون طرفًا فيها، وعندما سُئل عن سبب ذلك، اختزل موقفه بقوله: «أنا وديعة الله في الأرض». ربما تتعدد أبعاد ما تعنيه هذه الجملة، إلا أنها بدت لي رفضه القاطع الصريح للخوض في معارك وثانويات هي ليست غاية وجوده، وحقيقة كان لها وقع عظيم في نفسي، فقررت منذ ذاك الحين أن أكون أكثر صدقًا، وألا أمثل يومًا عدالة المضطرب.

استحضرت المشهد وما يعنيه لي تمامًا منذ فترة ليست ببعيدة، عندما اطلعت على بعض النصوص المقتبسة عن المفكر السعودي، عبد الله القصيمي، وما وجدته من حملات إعلامية تكفيرية ضده، على لسان من يدعون أنهم «أعلام الدين»، وهي تشبه كثيرًا تلك التي طالت الكاتب والمفكر المصري فرج فودة، التي لا تختلف عنها سوى بعملية الاغتيال التي أنهت حياة الأخير. وبالطبع هناك الكثير من المفكرين الذين لا يسعني ذكرهم، ولكن يكفي القول إن ذنبهم كان الخروج عن سلوك القطيع herd behavior وأكبر ما يؤكد ذلك، هو أن من قاد ويقود مثل تلك الحملات يفتقد دومًا إلى المبررات والحجج التي تجيز تكفيره وتشريعه لإهدار دم الآخرين، وأقرب مثال على افتقادهم لذلك، هو إشاعتهم أن سكوت العلماء المعاصرين للقصيمي كان من باب الاحتراز الديني، أو ما يسمى بـ«دعوة عدم الجدال»، غير أن من المفترض عدم تصديق ذلك، وإلا عد موقفهم تخاذلًا عظيمًا تجاه الدين ونصرته، بالإضافة إلى أن المطلع على سيرة القصيمي يرى عكس ذلك تمامًا، فشخصية دينية بارزة مثل متولي الشعراوي سكتت في حضرته، وقامات أدبية مثل أنيس منصور والعقاد أشادت بآرائه وفكره.

أختلف تمامًا عن توجه القصيمي والأفكار التي جاء بها، إلا أن ذلك لا يمنع أن أرى أن هناك ما لم يُقرأ خلف السطور، إما لقصور الفهم وأما التسرع في إطلاق الأحكام، وذلك بسبب إهمال مؤلفاته والافتقاد للكتابات الموضوعية المتضلِّعة بالحديث النابغ «لا العابر» عنها، والتقصي عن مختلف جوانب حياة القصيمي، وغربلة ما وقع عليه من شبهات، إن لم يكن من باب الدفاع عنه، فليكن من باب الإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه. بل ليكن من أجل تطويق الأفكار التي قد تنتج فهمًا مغلوطًا عن الدين.

فأفكار القصيمي لم تكن هفوات لفظية، حتى يجري التعامل معها بسطحية وتهكم، بل كانت حصيلة تأملات واجتهادات صقلتها تحولاته الفكرية التي مر بها، بدايةً مع السلفية، ووصولًا إلى التحرر من المرجعيات الدينية، ونبذ الجمود الفكري، بل إن رصيده الفكري يخوله ليكون من قلائل المفكرين الذين أضافوا الجديد لحقل الفكر الحر Free thought الرافض بقوة للمعتقدات الاجتماعية التقليدية، التي عدها الكثير سببًا رئيسًا للأوضاع المتردية التي تمر بها المجتمعات العربية الإسلامية، المتسمة بتغلُب طابع الانغلاق الأصولي، القائم على الأخذ بالنص، وإهمال المقاصد، والخوف من الحرية، وإسقاط الفلسفة وإدانتها. من أبرز كتاباته:

* الصراع بين الإسلام والوثنية.

* هذي هي الأغلال.

* فرعون يكتب سفر الخروج.

* العرب ظاهرة صوتية.

* أيها العقل من رآك.

* لئلا يعود هارون الرشيد.

وأمام ذلك كله تطرح الكثير من الأسئلة نفسها:

– من الذي خول لأولئك صلاحية الحساب والتشريع؟!

– وما بدائلهم لإخراج الأمة مما هي فيه؟!

أليسوا هم فقط مجرد ثرثرة فارغة، ركب عارض، أبلغ ما يقال في وصفهم: «يقتلون من غير دين ومن غير فضيلة، إنهم يقتلون لأنهم قتلة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد