قراءة في فكر مهندس المقاومة السلمية المعتقل البروفسور الإمام عبد الله الحامد.

بدأ اهتمامي في المجال الحقوقي والثقافة المدنية منذ عام 2003م حيث أتيح لي الانضمام إلى اللجنة العربية لحقوق الإنسان والتي كان يترأسها آنذاك د. هيثم مناع، حوربت هذه اللجنة محاربة شديدة  في غالب الدول العربية كونها لسان المظلومين ومنبر الثقافة المغيبة والمحرمة في البلاد العربية ثقافة حقوق الإنسان.

تعرفت بعد الانتساب إلى اللجنة الحقوقية على وجوه ثقافية وقانونية عدة منها د. متروك الفالح، ود. عبد الله الحامد، والذي انتقلت علاقتي به من مجرد التعارف إلى تلمذة ونشر معارف.

عام 2011م اعتقلت لثمانية أشهر في سجن حاير السياسي في الرياض، بتهمة القيام بطبع كتاباته المتمردة على السكون والسكوت، إنها كتابات متفردة ومشاكسة لكنها تأصيلية في الفقه الدستوري وثقافة المجتمع المدني والدستور وغير مسبوقة فهي تجمع بين القانون واللغة والشريعة والحقوق.

إنني واحد من تلامذة الإصلاحي د. أبي بلال عبد الله الحامد فك الله أسره. تهمة لا أنكرها وشرف أجتهد الالتزام به، لهذا الإمام الحقوقي صفح لا يعرف حدًا، وإنسانية لا تقبل الإقالة.

(2)

في أول زيارة لبيته جلس يحدثني عن تصحير الدين وتزوير بعض الفقهاء لمضامين الإسلام الدستورية وقال لي: «لا تدفن تاريخك، ولا تكرر مآسيه».

يرى شيخ الحقوقيين في الخليج العربي د. عبد الله الحامد، أن الماضي قوة تدفع وليست سجنًا يمنع وعلينا واجب الوعي بالفقه الدستوري.

رأيت في الرجل تركيبة غريبة، فمع عشقه لإسلامه، لم يجد أية صعوبة، في الإيمان المطلق بتحرير الديني من السياسي، والسياسي من التسلط إنه على توافق تام  مع نظرية «مسيرة تقدم الحياة الإنسانية» والتي ابتكرها أنطونيان كوندرسه «1743-1794Antonine Condercet »، وشرحها في كتابه الشهير «شكل تاريخي لتقدم العقل البشري عام 1774م».

حيث يرى أن تقدم الإنسانية في خط مستقيم صاعد نحو الأفضل والكمال، وأن الثقافة والتعليم هي القاعدة الأساسية في تحقيق التقدم بالمجتمع، ويرى أن التاريخ هو اكتشاف وتطبيق قوانين التقدم الاجتماعي، وكان ذا نظرة تفاؤلية لمراحل تقدم الإنسانية، والتقدم عنده عبارة عن تجميع للمعارف العلمية وتطبيقها، وتساعد على التعجيل بتحسين مستوى الإنسانية.

على هذا المنوال استمر واستقر أبو بلال عبد الحامد الثقافة أولاً، وقبل أي شيء آخر،  فكان أول كتاب أصدره الدكتور عبد الله الحامد «أبو بلال» هو حقوق الإنسان بين نور الإسلام وفقهاء غبش الطغيان، والذي نشر بعد إنشاء اللجنة باسم «حقوق الإنسان في الإسلام».

الاستبداد والتطرف مترابطان

على الرغم من أن منطقته لا تفسر التطرف بهذه الطريقة إلا أنه اكتشف  لغزًا سهّل عليه فهم العالم، وهذا ما ساعده على العيش فيه دون اضطراب، أو تورط بدم فقد اكتشف أنّ الاستبداد والتطرف مترابطان بحبل خفيّ، كالجنين وأمه فهما يكبران معًا، ويتغذيان بعضهما من بعض.

في تلك اللحظة، وجد ضالّته، أنزل بعضًا من الأرق عن كتفيه، وبعد أن كان شعوره بأنّ قدره في وعي تحديد الصلاحيات والسلطات في المجتمع  يقوده إلى المحاسبة وربما إلى ما لا تحمد عقباه، وجد أبو بلال  التوازن الذي يجعله واقفًا على الحافة التي تفصل ما بين العالمين: دم وظلم وإسلام وحقوق الإنسان.

إنه باختصار ثقافة بالمجتمع المدني

على عكس الجهاديين الذين يرون أن إسقاط النظام هو الحل،  نادى الدكتور أبو بلال بنشر توعية فكرية تحدد صلاحيات الحاكم وتلزمه الرشد وتنهى المحكوم عن الغي!

ليس بسقوط الحاكم تنتهي القصة فحسب، وإنما بهزيمة الروافد الثقافية واجتثاثها والقوى الاجتماعية السائدة في المجتمع ذاته.

يقول الإمام الحامد: «وليس الخلاص في قيام فئة بالانقلاب على الحكم، ثم تقوم فئة أخرى بالانقلاب على المنقلبين.

القضية اليوم أعقد بكثير لأن الخلاص السياسي، لا يتمّ إلا عبر تغيير العقلية السياسية، عند المجتمع أولاً، أن يعي حقوقه، وأن يضحي من أجلها وأن يفضل الموت كريمًا من العيش ذليلاً مهانًا، وأن يؤثر إخوانه ومواطنيه، وأن يرفع شعار «حلف الفضول» الجديد: لنجاهد جهادًا مدنيًا معًا جميعًا بكافة أطيافنا وطوائفنا وأعراقنا ولغاتنا ومذاهبنا وأجناسنا وأقاليمنا.

وهذا يستدعي العودة «في فقه المقاصد» إلى العهد النبوي والراشدي، والعودة في فقه الوسائل إلى من نجحوا في القضاء على الطغيان في الغرب والشرق، عبر حراك المجتمع المدني.

ولا بد من إقناع الناس بنبذ ترهات الصبر على السلطان الجائر، المتذرعين بأن النظام السياسي قابض على السيف، وأن وجوده خير من الفتنة.» «الحركة: 307»[1].

وبوجه آخر أن إسقاط النظام لا ينفصل من عملية التغيير الاجتماعي وذلك عبر انطلاق ثورة التنوير والعقلانية وسيادة مفاهيم حكم القانون والمساواة والمواطنة والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والعدالة والحرية.

يقول الإمام أبو بلال:

«لا جرم أن نشر الثقافة السياسية الرشيدة، مفيدة للحاكم والمحكوم، لأنها تجنب أهل الحكم الاستبداد الذي يؤدي إلى الفساد والخراب، وتعلم الناس كيف يعبرون عن الرأي، بموضوعية وسداد، وتبني الأعراف والآليات، التي تمنع من الفصام بين القيادة والأمة، ذاك الفصام الذي أودى بحضارتنا في العهد العباسي، ورماها تحت سنابك جنود التتر والإفرنج بالأمس البعيد، ثم رماها تحت حراب الأطالسة بالأمس القريب، ورهن مستقبلها المنظور لهذه القوى الغلابة.»[2]

لا نجاح لتربية أو تعليم في ظلال عبادة الزعيم

يذهب أبو بلال إلى أن سهام الأفكار أجدى من شرارة النار، وأن المسار التربوي والإصلاحي والحرية السياسية على قدر كبير من الأهمية، وهما سر النهوض أو السقط  حيث أكد أننا إذا أردنا أن يكون الإسلام هرمون الخصوبة، ومولد الضوء والحرارة، وباعث النهضة والحضارة، فلنجدد طريقة القراءة، لنتذكر أن الأمّة الناهضة، يمكن أن تكون أمّة قوية ولو كانت بلا مدارس، ولكنها لا يمكن أن تكون أمّة قوية إذا كانت بلا تربية، وأن انفصام العلاقة التراتبية بين الحرية السياسية والتربية هو سر انحطاط الأمم؛ أي أن الأثر الاجتماعي، هو الذي يقيّم المحتوى المدرسي، وأن تقييم المناهج التعليمية، لا يكون إلا بتركيز النظر على العلاقة بين المدرسة والمجتمع.

لا نجاح لتربية أو تعليم في ظلال عبادة الزعيم، في ظلال السلطان الجائر تصبح وظيفة المدرسة تلقين المعلومات، الذي هو أحد إفرازات تعليم المقهورين، بدلاً من استثمارها الذي يثمّن قيمة استظهارها اجتماعيًا.

أجل كان مجتمع الرعيل الأول؛ مجتمعًا بلا مدارس، ولكن لأنه حر لم يكن مجتمعًا بلا تربية، أما أغلب مجتمعاتنا العربية الحديثة المقموعة، فما أكثر المدارس ودور التعليم، ولكن التربية الاجتماعية ضعيفة، ولم يكن المسلمون عندما داهمهم الغزو التتري أو الصليبي؛ يعانون من قلة المدارس، ولكنهم يعانون من ضعف القيم التربوية التي تنشرها المدارس، لأنهم كانوا مجتمعات من دون حرية سياسية.

ولأننا مجتمعات دون حرية سياسية؛ صرنا بلا تربية اجتماعية فاعلة، من أجل ذلك لم تستطع دولة عربية، أن تصل إلى مستوى اليابان، التي تعرّفت على العلم الحديث بعد مصر، وهذا يشير إلى خطورة انفصال التربية والتعليم عن الحرية السياسية الاجتماعية[3].

(3)

الإسلام مع التراكم البنائي للخبرات

يذهب د. الحامد إلى أن الإسلام ليس تخلفًا، فالتخلف نشأ في الظلام ومن عقد غير شرعي بين الفقر والجهل، «الإسلام في جانب المعائش مع كل وسيلة أنتجتها التجارب البشرية، عبر التراكم البنائي للخبرات، ما دامت توافق الفطرة السليمة، ولو لم ينزل بها نص إلهي، ولم تسبق لها تجربة راشدية، وترك الوسائل التي تحقّق العدل والإنصاف، بحجة أنها لم ترد في كتاب ولا سنّة، غفلة عن منهج فقه الكتاب والسنّة»[4].

يرى د. الحامد أن «هناك علاقة ثابتة بين ما هو اجتماعي، وما هو سياسي، أي لا يمكن صلاح السياسة إلا إذا صلح المجتمع، ولا يمكن صلاح المجتمع إلا بوجود المؤسسات الأهلية المدنية، ولا يمكن أن توجد المؤسسات الأهلية المدنية، إلا في جو الحرية التي كفلتها الشريعة»[5].

أقدام هذا المصلح تقف على صخرة ثابتة، وعيونه تحدق حول حتمية تحرر الشعوب من طغيانها، إحساسه مركب قادر على تشخيص الخطأ، وتقديم رؤية بدلالات واقعية، فكرته قابلة للتجسيد، ولكنه يذوق المر مرتين، مرة من الجهال وأخرى من المتسلطين.

الجهاد السياسي السلمي هو الحل

أعلن  أبو بلال نوعًا من الجهاد يكاد يكون هو أول من نادى به وهو الجهاد السلمي السياسي.

يقول الإمام الحامد: «ويتميز الجهاد السياسي السلمي عن الجهاد العسكري بأمرين:

الأول: أن الجهاد السياسي جهاد سلمي، أداته القلم واللسان، والتكتل الاجتماعي عبر المظاهرة والإضراب والاعتصام، لا ينفجر فيه مسدس ولا رشاش، ولا يرفع أصحابه سوطـًا ولا عصا.

الثاني: أنه في الغالب جهاد داخلي، فالجهاد الخارجي يهدف إلى الحفاظ على سلامة كيان الدولة وثغورها من العدوان، ونصرة المضطهدين والمقموعين والمظلومين، في كل مكان، ومساعدتهم على الخلاص من براثن الطغيان.

فالجهاد الداخلي يهدف إلى مقاومة انهيار الأمة الداخلي وانحرافها، لأن غيبة روح الشورى تؤدي إلى الاستبداد، والاستبداد يؤدي إلى الاستعباد والاضطهاد، فيقتل الحرية والحيوية في الأمة، فتنشل الإرادة وتفسد الإدارة والاقتصاد، فيحدث الخراب والانهيار، الثالث: الأصل في الحياة الإنسانية هي السلام، والأصل في علاقات المسلمين الدولية بغيرهم هي المسالمة؛ كما قال السيد سابق «فقه السنة: فصل متى تشرع الحرب» «القاعدة «في الإسلام» هي السلام، والاستثناء هو الحرب»، أما في الجهاد السلمي؛ فهو القاعدة، فلا يمكن ضمان تقييد نزعات الاستبداد دون جهاد، من أجل ذلك فإن الجهاد السلمي دائم مستمر، والعسكري عابر مؤقت.

الرابع: الجهاد العسكري فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، أما الجهاد السلمي، فهو فرض عين، لأن استمرار المواطنين في تقليم أظافر الطغيان كلما طالت، هو صمام الأمان، فاشتراك الناس في المظاهرات والاعتصامات والبيانات وفي التصويت والترشح والترشيح في الانتخابات؛ هو ضمان حقوقهم، فتبين بذلك أن الجهاد السلمي فرض على الأفراد حتى يزول الاستبداد، كما قال القرضاوي: «المظاهرات إذا استهدفت إيقاظ الأمة؛ فهي خير جهاد».

الخامس: في الجهاد العسكري لا يجوز أن يتمنى المرء أن يلاقي العدو، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا» «رواه البخاري ومسلم»، ولعل علة ذلك كف العداة عدوانهم، «كما أشار النووي في شرح مسلم»، فقد كفى الله المؤمنين القتال، لأن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هي المسالمة، أما في الجهاد السياسي، فينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للأذى، مادام يطيق ذلك، لأن الأصل في نشاط المجتمع المدني أنه لجام الفوضى وأطر الحاكم.

أما في الجهاد المدني فثمة قاعدة: باسم الله رب الغلام، وكما قال ميمون بن مهران: «إني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يسرني أنه لم يكن». « ترجمته/ في النبلاء للذهبي».

من أجل ذلك قال الإمام الغزالي: «يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب والقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر، أو كسر جاه الفاسق، أو تقوية قلوب أهل الدين».

وما ربطه الغزالي بين التأثير والأذى مسألة ضرورية ، أي أن الإنسان لا ينبغي أن يعرض نفسه للأذى، إلا إذا كان المنكر كبيرًا يستحق التضحية، بأن يكون للإنكار أثر بين حاضر ومستقبل، وأحرى ما يكون ذلك في الجهاد السياسي، ولذلك يستحق الجهاد السلمي السياسي أن يوصف بأنه المدني الأكبر.

السادس: أن الجهاد العسكري لا يجب على المرأة وكبير السن، وإن كان جائزًا لهما، ولكن الجهاد السياسي واجب على الجميع فاشتراك المرأة فيه لن يعرضها للفتنة، واشتراك المسن لن يعجزه.

الدين والحياة والسلطة والشعب

رجل واحد، وقف وسط قتامة المشهد لكنه  يبدو متألقـًا، إنه يحذر التصور السلطوي للدين ولا يعجبه، ويشغب على الاستبداد السياسي ولا يرهبه، ويرفض أن يكون الإسلام شعارًا، ولا موقفـًا محايدًا من المطالب المستجدة، كما أن يخاصم التصور الجهادي للإسلام، ويدعو إلى تحقيق صلح ومصالحة بين:

الدين والحياة والسلطة والشعب.

قبل هبوب العاصفة

نحن أمام مفترق طرق: طريق للنجاة ذات اليمين، وطرق للهلاك ذات الشمال، لا خيار أمامنا إذن: إما أن يكون الإسلام مشروعًا شاملاً للتقدم في الدنيا والآخرة معًا، سموًا مدنيًا وروحيًا معًا، وإما الانبهار والذوبان والانقراض، والاستمرار في تقبل هيمنة الصهينة والفرنجة.

وهذا يؤكد ما يعيد فيه كثير من المصلحين من أن المشكلة التي يعاني منها المسلمون، هي مشكلة سياسية، جدب في الفكر السياسي، جر إلى فقر في وسائل الوصول إلى الحكم الشورى، ولا سبيل إلا طلاب العدالة السياسية، هي أساس العدالة الاجتماعية، وتنهض بالناس خطوة خطوة، عبر الجهاد السلمي، الذي يشحن الدعاة بالمفاهيم والقيم الفاعلة، ليركز السارون البصر على نجمة القطب «الجدي» الحقوق السياسية قبل الحقوق الاجتماعية[6].

لقد وقف الرجل ضد الجذب إلى الوراء ووضع الذاكرة في قفص السلف دون دراية بالموضوع والحقيقة فهو يعد ذلك أخطبوطـاً ماكرًا لتفريغ الإسلام من محتواه، لا يمكن أن تظل المجتمعات حية، دون مصالحة، بين الحاكم والمحكوم، دون إبقاء الصلة خضراء لا حمراء بين الرأس والأعضاء، إن المجتمع قلق، وإن الناس تشوى، والعدوى محتملة والحل ليس بالظلم ولا بتكميم الأفواه، بل بثقافة مدنية دستورية.

______________________________________________________________________________________________

[1]  المشكلة؟ والحل؟ «الحكم الجبري والحكم الشورى» تحت الطبع.

[2]  المشكلة؟ والحل؟ «الحكم الجبري والحكم الشورى» تحت الطبع.

[3]  تعليم القرآن الكريم بين ظلال الشورى وضلال الاستبداد تحت الطبع.

[4]  المشكلة؟ والحل؟ «الحكم الجبري والحكم الشورى» تحت الطبع.

[5]  المشكلة؟ والحل؟ (الحكم الجبري والحكم الشورى) تحت الطبع .

[6]  البحث عن عيني الزرقاء أزمة مبادئ وتضحيات أم بصائر وآليات؟ تحت الطبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد