النونان أرهقتا العقل العربي والمسلم والكوردي والشرق أوسطي، وأعني بالنونين أردوغان وأوجلان.

هذا هو القسم الأول من مقالي المخصص عن السيد عبد الله أوجلان والذي يمثل خصوصية وطنية وثقافية قوية جدًا عند شريحة كبيرة من الكوردـ، ومساحة مجهولة عند العرب ومشوهة عند كثيرين من العرب والكورد والترك أيضًا. وسيعقبه مقال عن السيد أردوغان.

 ربما لا أكون مبالغًا إذا قلت إني أومن وبيقين تام بمقولة لأستاذي د. هيثم مناع حيث يبين أن الطباع البشرية تميل إلى ما اعتادته فالصورة التي ترتبط بأي شخص تبقى أقوى من الصورة الحقيقية له.  ص18 الأوجلانية.

ليس الهدف من هذه الكلمات الدفاع عن السيد أوجلان فأنا لست معنيًا بمناصرته الحزبية والقومية ولا تبرئة منهجه، فاعتقد أن الرجل عرف مصير مساره.

وإنما الهدف من هذه المقالات الدفاع عن إنسانيتنا وعن وعينا وعن ذمتنا التاريخية وعن أمانة الكلمة وعن مسؤوليتنا أمام الله، إن منهجي هو الاستعراض المنهجي والعلمي الصادق لمواقف الرجل الفكرية دون تطويع أو مواربة ومخادعة.

أوجلان عدو أم عميل؟

 يعد البعض أوجلان عدو الجميع، حيث كان ملاحقًا من قبل الاستخبارات الأمريكية (CIA)، الموساد الإسرائيلي، والمخابرات التركية (MIT)، المخابرات اليونانية (EYP). وتم حفظ نغمة صوته في أجهزة الكمبيوتر بمكاتب لانغلي (Langley)، مركز الاستخبارات الأمريكية (قرب واشنطن)، بهدف تحديد موقعه من خلال نظام إشيلون (Echelon) لالتقاط الأصوات. كما لم تغب آثاره عن الاستخبارات الروسية (KGB في حينها عندما صدر قرار اعتقاله فهو  المناضل الشرس الذي قاتل لأجل قضية عادلة وهي وطن مستقل للأكراد، والمتهم أيضًا بآن واحد بأنه عميل عند الجميع[1].

تم إلقاء القبض عليه بتنسيق استخباراتي عالي المستوى يقول الأستاذ أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا السابق (وجهت الولايات المتحدة إلى تركيا بهذه الطريقة رسالة مضمونها أنه بالقبض على أوجلان، فقد أضحت المسألة الكردية تتعلق بالداخل التركي وإدارته[2]).

المناضل البراغماتي

يصف البعض أوجلان بالبراغماتي حيث:

1-  أنقذ بفكره البرغماتي حزب العمال الكردستاني من براثن الموت والتصفية على يد الجونتا التركية حينما قرر نقل كوادر الحزب من شمال كردستان وتركيا في الثمانينيات إلى الشرق الأوسط وسوريا ولبنان.

2- استفاد السيد عبدالله أوجلان بشكل برغماتي من الصداقات التي أسسها في الشرق الأوسط، واتخذ لبنان – دون أن يتورط في الحرب اللبنانية أو يصبح طرفًا فيها- قاعدة تدريبية لأنصاره – أكاديمية معصوم قورقماز – وكنقطة انطلاق نحو العودة إلى شمال كردستان.

3- عندما أعلن السيد عبدالله أوجلان في عام 1984 الكفاح المسلح في شمال كردستان، كان ذلك قرارًا برغماتيًا، فالأكراد يجتمعون حول صوت الرصاص ويفترقون حول صوت السياسة.

4- عندما أعلن السيد عبدالله أوجلان شعار تحرير وتوحيد كردستان كمنهج وفق رؤية برغماتية كردستانية، كان محقًا بالاستناد إلى الظروف الأقليمية والدولية وظروف صراع المعسكرين الشرقي والغربي، وظروف الحرب الباردة، وطالما أن الحقيقة متغيرة، والفكر الواقعي هو المرشد لطريقة تحقيق المصالح، وطالما أن الظروف والأوضاع الدولية والإقليمية قد تغيرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي فإن المصلحة الوطنية وفق برغماتية السيد عبدالله أوجلان تفترض تغيير الاستراتيجية، وانطلاقًا من هذه المستجدات غير السيد عبدالله أوجلان استراتيجيته وأعلن أن لكل جزء من أجزاء كردستان خصوصيته في اختيار شكل العمل النضالي والسياسي الذي يناسبه وهذا قرار واقعي برغماتي يحسب له ولا يحسب عليه.

5- عندما قرر السيد عبدالله أوجلان ترك سوريا نهائيًا في عام 1999 إثر التحشدات التركية على الحدود السورية، كان باستطاعته الدخول إلى شمال كردستان، ولكنه آثر المجازفة و الذهاب إلى أوروبا لينقل القضية الكردية إلى العالم الحر بأسره، وهذا الفعل بحد ذاته عمل برغماتي وضع القضية الكردية على طاولة المجتمع الدولي، ورغم النهاية التراجيدية والتواطؤ الدولي الذي انتهى به إلى سجن إيمرالي فإن العالم كله يتذكر السيد عبدالله أوجلان باعتباره زعيمًا، ويرى أنصاره ومحبوه أنه يشبه الحكيم اليوناني صولون الذي ضحى بنفسه من أجل حرية شعبه وتوحيد وطنه.

أوجلان ومراجعته

أخضع السيد عبد الله أوجلان[3] فكره لمراجعات فكرية عميقة وقاد تحولًا كبيرًا في عالمه الحزبي وعلاقاته التفاوضية فقد أعلن في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014 م عن رسالة إلى الحكومة التركية والأطراف الكردية شدد فيها على ضرورة التمسك بالسلام، وحذر من داخل السجن من مخططات إفشال مسيرة السلام[4] وهذا يعد تغيرًا جذريًا في خط الحزب ونهجه المبني على الكفاح الدامي، والصدام المسلح.

وفي نهاية فبراير (شباط) 2015 دعا السيد أوجلان أنصاره إلى السعي لإنهاء الصراع المسلح مع تركيا -الذي استمر 30 عامًا- معتبرًا أن الحاجة ماسة إلى قرار وصفه بالتاريخي للتوصل إلى حل ديمقراطي.

وأخيرًا ظهرت فلسفته البراغماتية بشكل واضح في الاعتذار الشهير لأمهات الضحايا من الجنود الأتراك- وهذا فعل إنساني راق- وأثناء المحاكمة حينما دافع عن العلاقة الأخوية بين الشعبين الكوردي والتركي وعن تاريخهما المشترك وحينما دافع عن نفسه بالقول (إذا كان هناك مذنبون بحق الشعبين الكردي والتركي في هذه القضية فهم أنتم ونحن وكان يقصد حزب العمال الكردستاني والدولة التركية معًا الأمر الذي ترك أثرًا طيبًا في الرأي العام، ودفعت العالم الحر للتعاطف معه ومع قضيته العادلة والضغط على تركيا وإجبارها على إلغاء عقوبة الإعدام بحقه، علمًا بأنه لم ينج من حبل المشنقة التركية أحد من قبل من زعماء الثورات الكردية في تاريخ تركيا المعاصر.

ومع أن الوصول إلى هذه القناعة تدل على مراجعة وتقييم وقطع وحدية مع السابق، إلا أن غالب من ينظر إلى الرجل ما زال حبيس قناعات وأوهام تستحضر دعاوى وأكاذيب خصومه.

أوجلان هل هو ملحد؟

يشيع خصومه عنه إلحاده فنراه يرد وبهدوء علمي:

(إن بعض الأوساط تحاول تعريف حركتنا بمصطلحات غربية كأن تصفها بأنها «إلحادية» و«مادية» و«شيوعية». من الأفضل وصف تلك الأوساط بأنها «عبيد المصطلحات».

ولكن أستطيع القول: إذا كان المجتمع الإسلامي حقيقة واقعية، فلا وجود حينها لشخص ملحد وآخر متدين. فمثل هذه التسميات هي مجرد اصطلاحات).

أوجلان هل هو علوي؟

فعبد الله أوجلان حسب الكثيرين علوي[5] مع أنه مسلم سني بل وتذكر بعض المصادر أنه كان متدينًا في مقتبل عمره وتابعًا لبديع الزمان الشيخ سعيد نورسي الكُردي. ثم دخل الرجل الجامعة وعالم الأفكار السياسية الحديثة، وتحول إلى يساري في فكره وسلوكه. أخوه الأصغر اسمه عثمان أوجلان يقيم في مدينة أربيل بإقليم كُردستان. وأخته الأكبر منه اسمها عائشة.[6]

كما تم الترويج بأنه لا يجيد الكردية، وهو ليس بكردي مع وجود روابط مصورة له وهو يتكلم الكردية[7].

بل ينادي بإنصاف أبناء قوميته (إنّ الشعب الكردي يعيش في أحلك الظروف، ويئن تحت حصار كل قوى الطغيان الرأسمالية العالمية التي تحاربه بأرقى أنواع الأسلحة الحربية وبأشد الهجمات شراسة، ويتعرض لشتى أشكال الاستغلال).

أوجلان لا يؤمن بالدين السلطاني.

ويقر أوجلان بأن الدين تم تطويعه لصالح الساسة الذين جعلوا من (المجتمع الكردي يعاني من أفتك أنواع الظلم والاستغلال تحت اسم الإسلام).

لكن هل هذا مدعاة لمحاربة ومخاصمة الدين يمكن القول بجزم لا فثمة ترابط وتلازم بين مضامين التحرر والدين في وعي أوجلان، حيث يعتبر أن تصعيدَ النضال انطلاقًا من المصطلحات المتمحورة حول «المكان» و«الشعب» و«الديمقراطية» واجبًا وتعبيرًا عن الالتزام بالحقائق الموجودة في جوهر الدين بعينه.

يلاحظ أن أوجلان ينظر إلى عمق المسألة وجوهرها حيث ينادي بـ:

· التفرقة بين التدين السلطوي «إسلام مخصي» والتدين الشعبي.

· الحل لا يكمن في الديانة الإسلامية الرسمية.

لعل هاتين النقطتين دفعتا بأوجلان إلى مواجهة مع التجليات السياسية الراهنة وصورها بشقيه العربية والإيرانية ونادى بالتفرقة بين السياسات الخاطئة والإسلام. فعد (التيارات السلطوية السلفية العروبية والشيعية الإيرانية، والتي فرضت نفسها حتى يومنا الراهن كأكبر مركزَين أساسيَّين للإسلامِ انطلاقًا من البنية الدولتية، قد ألحقت أضرارًا جسيمة بالإسلام).

إن هذين التيارَين المركزيَّين والسلطويين والدوليين الأساسيَّين قد تطورا بالتزامن مع صعود الرأسمالية والإمبريالية، وتم استخدامهما بصورة خاصة من قِبل الإمبراطورية الإنكليزية التي ظهرت باعتبارها قوة مهيمنة جديدة في العالم الحديث، والاستفادة منهما في دك أركان الإمبراطورية العثمانية التي كانت تشكل حلف السلطة المهيمن في عهدها. وما تزال هذه المراكز تستخدَم لهذا الغرض وبكثافة.

وفي لفتة ذكية يوضح أوجلان أن المراكز الأساسية للإسلام تمر بتغيرات وتحريفات كبيرة، حيث تشهد التمرد على الإسلام وخيانته.

ما زال كثيرون يحاولون ربط اسم أوجلان برفض الإيمان، ومع أن الرجل يعتز بالإسلام ويصفه بأنه يمثل آخِر الآفاق الكونية التي يمكن التحدث عنها باسم الدين. ويعلل أوجلان سر اكتساب الإسلام الصفة العالمية بفضل لغته وفلسفته).

كما يتحدث أوجلان عن كونية الإسلام وأنها (تستمد قوتها من وحدانية الله) ويفسر هذا بقوله:

(علينا تجسيد المواقف العادلة والحرة الكائنة في صُلب البُعد الكونيّ للإسلام فيما يتعلق بالكائنات الحية عمومًا وبالمجتمعات البشرية بصورة خاصة. وهذا هو المقصود عندما يقال بضرورة النأي عن ظلم العباد وبعدم الدهس على نملة).

لا أنكر أن لهجة أوجلان في نقد التدين السلطوي الإسلام المضاد. كانت قاسية حيث يعد الديانة الإسلامية الرسمية للدولة هي «إسلام مخصي»، وإسلام كاريكاتوري مناقض لذاته ومفرّغ من محتواه أكثر بكثير مما هو عليه الإسلام غير الرسمي.

كما إن الإسلام الرسمي يلعب دوره على نطاق واسع يمتد من الفاشية وحتى الليبرالية. بالتالي، فهو بمثابة الإسلام المضاد.

ولكن لا يخفي أوجلان رأيه بأن (البديل الأمثل لهذا الواقع القائم يكمن في الإسلام العادل والحر والديمقراطي، والذي يتعين عليه أن يعرّف نفسه ويسعى إلى مأسسة ذاته بصورة دائمة).

وترسيخ البُعد المؤسساتي فيه من الآن فصاعدًا. فإننا بحاجة ماسة إلى مؤسسة إسلامية جديدة في كردستان أيضًا. وهذا بدوره ما يقتضي بالضرورة تجاوز الجماعات السلطوية الشيعية والسلفية والإخوانية التي لم تذهب أبعد من كونها مشتقات الرأسمالية العالمية.

يتبع.


———————————-


[1]جريدة الحياة طرد أوجلان من دمشق إلى روما بعد 13 سنة في ضيافة حافظ الأسد

يوسف شيخو | منذ 18 يناير 2018 / 1

[2] العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية

[3] عبد الله أوجلان (بالكردية: Ebdullah Ocelan) ويعرف باسم «آپو» (أورفة، 4 نيسان/أبريل 1948) هو مؤسس وأول قائد لحزب العمال الكردستاني عام 1978[وهو حزب يساري يسعى لشكل من الاستقلال عن السلطة وبناء مجتمع يصفه بأنه «بيئي ديمقراطي متحرر». بدأ الحزب نشاطا عسكريا عام 1984 تخلله عدّة محاولات للسلام مع الحكومة التركية وللهدنة، إحداها في أغسطس 1998، وفي ذات الفترة انتقل أوجلان تحت ضغوط الحزب والحكومة التركية من منفاه في سوريا إلى روسيا ثم إيطاليا ثم اليونان ثم وصل إلى السفارة اليونانية في نيروبي في كينيا، حيث أعتقل وأرسل إلى تركيا في فبراير 1999 في عملية أثارت سخطا كرديا حول العالم وأنهت الهدنة الأخيرة، وحوكم أوجلان في تركيا في 28 إبريل 1999 بتهمة الخيانة العظمى لتركيا وفقا للمادة 125 لقانون العقوبات التركي. وقد حكم عليه بالإعدام في 29 يونيو 1999 لقيامه بتأسيس وإدارة منظمة إرهابية مسلحة. أعلن حزبه هدنة جديدة في 1 سبتمبر 1999 وانسحبت قواته من تركيا إلى شمال العراق، وخضع الحزب لتغييرات سياسية من ضمنها إعلان بنهاية الحرب والانتقال للعمل السياسي، وفي عام 2002، قامت تركيا بتحويل حكم إعدام أوجلان للسجن المؤبد ضمن سياسة إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا، ومحاولة التلائم مع قوانين للاتحاد الأوروبي، وهو محبوس في سجن إمرالي الآن.

نقلًا عن موقع ويكبيديا

[4] انظر موقع الجزيرة على الرابط

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2014/12/6/%D8%B9%D8%A8%D8%AF

-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A3%D9%88%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%86

[5] ليس الهدف من التأكيد على سنيته منحه تميزًا أو أي انتقاص لأي مكون بل هو نوع من تفنيد دعاوى تلفيقيه كاذبة ضد الرجل

[7] https://www.youtube.com/watch?v=V9AdCuQu-Gw

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد