عندما انتهيت من قراءة كتاب «عبد الله بن المبارك الإمام القُدوة»، عجبتُ من أمرِ هذا التابعي الذي لم أكُن أعرفُ عنه شيئًا سوى اسمِه، وأنّه من الصالحين، ولكن باطّلاعي على سيرته وشخصيته، اكتشفتُ عظمة هذه الشخصية المنسيّة في هذا العصر، هذه الشّخصية التي أرى أنّ على الشباب المثقف أن يدرسها بدقّة، ليصل حاضر الأمّة بماضيها، ويعرف كيف عَاشَ هؤلاء العُظماء من السّلف الصالح.

فقد برهَنَ الإسلام العظيم بما تزاحَمَ في تاريخه الطَّويل من أبطالٍ ورجال على جدارته الفذَّة في تقديم النّماذج الصالحة للقدوة، ومنهم الإمامُ القدوة ابن المبارك بما تجمّع فيه من أنواعِ المحامد والفضائِل: علمًا وعملًا، وعبادةً وجهادًا، وورعًا وأخلاقًا، إذ يحسُّ المسلم وهو يقرأ سيرته كيف ينبغي أن تكون عليه حياة المؤمن الصادق القوي، والعالِم المخلص، والتقيّ الزّاهد الورع، والمُجاهد البطَل الشجاع، مما جعله ينال أعظم ألقابِ الاحترام والإجلال.

فقال فيه سفيان بن عيينة: «نظرتُ في أمرِ الصحابة وأمرِ ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلًا إلَّا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه». وقال فيه الإمام النووي: «عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمان، الإمام المجمَع على إمامته وجلالته في كلّ شيء، الذي تستنزل الرّحمة بذكره، وتُرتَجى المغفرة بحبه».

وُلد ابن المبارك في سنة 118 من الهجرة النبوية، بمدينة مرو، أشهر مدن خراسان، في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وعاش إلى سنة 181 هـ، حين توفي في خلافة هارون الرشيد الخليفة العباسي، وقد أدرَكَ العهدَ الأمويّ في تحدُّره وانطوائه، كما أدرَكَ العهد العباسي في أوج قوّته وأزهَى أيَّامِه. وقد أجمعت المصادر على أن أم عبد الله بن المبارك خوارزمية، وعلى أن أباه كان تركيا.

لقد أدرك ابن المبارك العهد الأموي في آخرِ أيامه، وإنَّ أبرز سمة يتميّز بها ذلك العصر الأموي العصبية العربية الشديدة، فلقد كان في الأمويين نزعة عربية شديدة، وصلوا به إلى درجة التعصب على غير العرب وهضم كما تميزت تلك الفترة بالمدنِية المائجة، والحياة الباذخة، والسّرف والترف.

كان عصر ابن المبارك الذي عاش فيه من أزهَى العُصُور العلمية، فقد ازدهرت فيه أنواعُ العُلُوم من حديث وفقه وأدب، وعاصر أئمة عظام أمثال الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة. كما كان عصر مناظرات وجدل، فمناظرات شديدة، قوية الأثر بين الفرق المختلف، وبين الشيعة وأهل الجماعة، وبين الخوارج وغيرهم، وبين المعتزلة والمدافعين عن الآراء الإسلامية والعقيدة السليمة القويمة.

كان الإمام ابن المبارك عالمًا فذًّا من الموالي من أبناء خراسان، مثله مثل سيبويه، والبخاري، والفيروز أبادي، والترمذي، ومسلم، وأبي حامد الغزالي، والفارابي، والجويني، والنيسابوري، والجوهري، والأزهري، والجرجاني، والزمخشري… وغيرهم ممّن يعجز الحاسبُ عن عدّهم.

وكان سبب اندفاع الموالي وراء العلم، وتحصيل العبقرية، هو أنّهم شعروا باحتقار العرب لهم، فاتخذوا العلم بدايةً، وسيلة إلى الشرف، ثم الدفاع عن الإسلام العظيم وقرآنه الخالد وسنَّته المشرفة. فالحرمان يؤدّي إلى الكمال، وذلك ما حقَّقه هؤلاء الموالي، فقد سيطروا على الفكر العربي الإسلامي وإن كان للعرب السيادة والسلطان.

وقد كان ابن المبارك في أول نشأته يتردد على الكُتَّاب يتلقَّى بعض العلوم، وقد بدت عليه علاماتُ النُّبوغ وملامح الذكاء منذ صغره، ولكنّه انقطع عن التعلم بعد فترة طفولته في الكُتّاب، وأقبل على حياة اللهو والشباب وقتل الوقت في العود والطنبور مع أصدقائه، ويشير هذا إلى تأخر رجوعه في طلب العلم.

وعلى كل حال فقد كان إقبال ابن المبارك على العلم نادر المثال، فقد تثقف بأنواع الثقافات في عصره، من حديثٍ وفقه ونحوٍ وأدب وشعر وغير ذلك من العُلُوم، وكان مع هذا العِلم يحترفُ التجارة طول حياته، ليربَأَ بنفسه عن قبُول عطايا الحكام.

ويشهد له الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة بأنه كان وحيد زمانِه في ذلك، يقول: «لم يكُن في زمن ابن المُبارك أطلَبَ للعلم منه، فقد رَحَل إلى اليمن ومصر والشام والبَصرة والكوفة، وكان من رواة العلم، وجمع أمرًا عظيمًا». وقد رويت عنه الغرائب والعجائب، فقد اندفع في هذه الرحلات يكتب عن كلّ عالم فذّ وعن كلّ شيخ ثقة، حتى بلغ عددُ من حمَل عنه من الشُّيوخ أربعة آلاف.

كان ابن المبارك موسوعة علمية ضَخمَة، فلا تكاد تجد عِلمًا من العلوم المنتشِرة في ذلك الوقت إلَّا وترى ابن المبارك قد بلَغَ فيه الذروة، وأصبح مرجعًا فيه يرجع إليه الباحثون في ذلك، ومن أجل ذلك كان ينظر إليه كثير من الناس على أنه أفضل من عرفهُ ذلك العصر.

هذا هو عبد الله بن المبارك، رجلٌ أعجمي وُجِد في زمن يُحتَقَر فيه غير العربي، ومع ذلك فقد صنع منه الإسلام إمامًا تعنو له الرقاب، وجعل منه قدوة صالحة للأجيال. وهذا دليل واضح على عظمة هذا الإسلام الخالد ومدى تأثيره في النفوس، وقُدرتِه على صنع الرجال. وهذه مِيزة تميَّز بها ديننا الخَالد من بين سائر الدعوات، حيث قدم الفكرة وقدم معها آلاف النماذج العملية، من شتى الأقطار حتى غير العربية، أمثال صلاح الدين الأيوبي، والعز بن عبد السلام، والبخاري، ومسلم، والشافعي.

فالإسلام هو الحلّ الجذري الأصيل، وهو وحده طريق الخلاص ممّا تعانيه أمتنا من الضعف، والتخلف والفوضى والانحلال، ومن العجز عن إيجاد القادَة والمصلحين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد