أبرز الشعراء العراقيين في العصر الحديث بل هو كبيرهم الذي علمهم “السحر” والبيان وصناعة الشعر، الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد عراقي الجنسية، يعتنق الديانة الصابئية أو المندائية، من مواليد عام 1930م في بغداد، تخرج من دار المعلمين وكان زميلًا لرواد الشعر الحر، بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وشاذل طاقه عندما كانوا طلابًا في دار المعلمين نهاية الأربعينات، من القرن الماضي، فهو قد كتب الشعر الحر أيضًا ولكنه يميل إلى كتابة القصيدة العمودية العربية بضوابطها وعمل مدرسًا للّغة العربية في المدارس الثانوية.

وقد عمل الشاعر الراحل في مجلة صروح السورية، لأنها كانت تتعمد النخب الممتازة، مما حدا به على الموافقة على استلام منصب مدير التحرير ابتداء من عددها الثالث، إذ قدم فيه توليفة رائعة ما بين حروف قصائدهِ التي توائمت مع ريشة الفنان العراقي فؤاد حمدي.

إنجازات وبصمات

يعتبر الشاعر الراحل من المؤسسين الأوائل لاتحاد الأدباء في العراق ونشر أولى قصائده عام 1945م، وللراحل 42 مجموعة شعرية، أبرزها “قصائد كانت ممنوعة” و”أوراق على رصيف الذاكرة” و”في لهيب القادسية” و”روعتهم الموت” و”عصفت فأوقد أيها الغضب” و”من لي ببغداد أبكيها وتبكيني؟”.

 

وقد حصل الشاعر الراحل على عدد من الجوائز والأوسمة العالمية والعربية منها:

وسام بوشكين في مهرجان الشعر العالمي / بطرسبرج 1976-

درع جامعة كامبردح وشهادة الاستحقاق منها / 1979

ميدالية (القصيدة الذهبية) في مهرجان ستروكا الشعري العالمي في يوغوسلافيا عام 1986-

الجائزة الأولى في مهرجان الشعر العالمي في يوغوسلافيا / 1999-

جرى تكريمه ومنحه درع دمشق برعاية وزير الثقافة السوري في 24 و 25 / 11 / 2008 بمناسبة اختياردمشق عاصمة للثقافة العربية، وحضر التكريم عدد من كبار الأدباء العرب.

 

كتبت عنه الموسوعات العالمية التالية:

{Men and Women of Distinction} موسوعة كامبردج ـ لندن / 1979 –

{Dictionary of International Biography} موسوعة – لندن / 1979

{MEN OF ACHIEVEMENT} كامبردج ـ لندن / 1980

Who is Who موسوعة

كما ترجم الكثير من شعره إلى مختلف اللغات فقد نشرت له في الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة قصائد مختارة، قامت بترجمتها في جامعة كولومبيا في نيويورك كما تُرجمت له أربعة آلاف بيت من الشعر إلى اليوغوسلافية عام 1989.

كما ترجم البروفيسور جاك برك مجموعة من قصائده، والقسمين الأول والثاني من ملحمته (الصوت) إلى اللغة الفرنسية.

 

ومن الإصدارات صدرت له عن دار المأمون للترجمة والنشر في بغداد مجموعة (قصائد مختارة) قام بترجمتها إلى الإنكليزية الأستاذ محمد درويش واختارها، وكتب مقدمتها الدكتور الشاعر علي جعفر إضافة إلى الكثير من الترجمات الأخرى إلى الروسية والرومانية، كُتِب عنه وعن شعره عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وطبعت له بعد الاحتلال عدد من الآثار والأعمال الشعرية.

 

العلاقة مع صدام حسين

للشاعر الراحل علاقة وثيقة بالرئيس العراقي السابق صدام حسن وكان كثيرًا ما يتغنى به ويكتب له القصائد الجزله في الأعياد والمناسبات، وعرف شعره بنزعة قومية عربية، ولقب بشاعر القادسية تارة وشاعر أم المعارك تارة أخرى، نسبة لقصائده الحماسية خلال الحرب العراقية-الإيرانية (معركة القادسية) وحرب الخليج الثانية (أم المعارك).

 

وكان الشاعر الراحل يرى في صدام حسين شخصية قيادية قادرة على صياغة مشروع عربي موحد، وفي لقاء على تلفزيون الشرقية يذكر الشاعر عبد الرزاق أنه في أول لقاء له مع صدام حسين قدّم له صدام حسين سيكارة وانحنى ليشعل السيكارة بنفسه فيقول الشاعر عبد الرزاق فقلت له: (لو رآنا أحد لا يصدق! أنا جالس وأنت واقف تشعل السيكارة بنفسك يا أبا عديّ) وهذه العلاقة مع صدام جعلته محط نقد من قبل كتّاب عراقيين وجمهور، إذ يرون في صدام حسين أنه الطاغية الظالم الذي قتل وسفك الدماء وأدخل شعبه في متاهات الحروب مع دول الجوار وعانى منه شعبه عشرات السنين فكيف يؤيده ويقف معه الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد؟ وألا يجدر بالشاعر أن يكول لسان حال قومه؟ ولكن هذا الأمر لا يحط من قيمة الشاعر العلمية والإبداعية فالراحل له تبريره وموقفه، وهو كان يرى في صدام حسين “سيف الدولة” وبعد موت صدام حسين، سُئل عبد الرزاق عبد الواحد: “من هو سيف دولتك الآن؟” فأجاب: “كُسِر. كان لدي وكسر، لم يبق لدي سيف دولة الآن، كنت أعتقد الرئيس العراقي الراحل كان سيف دولتي وفعلا كتبت له وأسقطت حلمي بالبطولة عليه مثلما أسقط المتنبي حلمه بالبطولة على سيف الدولة”.

 

حنينٌ إلى بغداد

كثيرًا ما يحن المغتربون إلى بلادهم؛ مراتع صباهم ومغاني شبابهم وملاعب طفولتهم، ولكن عشق عبد الرزاق عبد الواحد لبغداد خصوصًا والعراق عمومًا كان يتملك مشاعره في كل لحظة وسكنة ولفتة وموقف، وكان يبكي كثيرًا عندما يتذكر ما حل بالعراق وبغداد، فهذه الأبيات قالها وهو يتمدد على فراش المرض وفي أنفه أنبوب تنفسي لعله يخفف شيئًا من ضيق التنفس، ودموعه تنهمل مغزارًا ومكثارًا..

يا عراق هنيئًا لمن لا يخونك..

هنيئًا لمن إذ تكونُ طعينًا يكونُك

هنيئًا لمن وهو يلفظ آخر أنفاسه

تتلاقى عليه جفونُك

 

خرج منها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وقال في مقابلة مع “العربية” أنه لو بقي في العراق بعد الاحتلال لكان قد تعرّض للاغتيال. وكشف أنه دُعي إلى بغداد أكثر من مرّة غير أنه لا ينوي العودة إليها، ولكن ربما تغيّر موقفه بعد ذلك، فقد ذكرت وسائل إعلام محلية “السومرية نيوز” أن نداء وجه إلى مجلس النواب العراقي للسماح بدخول عبد الرزاق عبد الواحد إلى بغداد وهو لا يتمنى إلا شيئًا واحدًا فقط وهو أن تسمح له السلطات العراقية بأن يودع الحياة بين ضفاف الرافدين” ولكن لم تعلن السلطات العراقية أي موقف عن ذلك وتركت الشاعر الكبير يعاني الأمرين، الغربة والحنين الى الوطن الذي أحبه وعشقه.

 

شعرٌه بين المتنبي والجواهري

يقول الشاعر العراقي فالح نصيف الحجية في كتابه الموجز في الشعرالعربي الجزء الرابع: “إن الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يتميز بأسلوبه القريب من شعر المتنبي في فخره ومدحه ذو حنكة شعرية فذة وأسلوب شعري يميل إلى قوة الشاعرية والبلاغة غير المقصودة بحيث تجعله من أوائل الشعراء المعاصرين في قصيدة عمود الشعر في العربية”.

ويقول الشاعر الراحل وهو يتكلم عن القصيدة وطريقته في كتابة الشعر: “إن القصيدة حالة نفسية مستمرة أبدًا لا تنقطع، غير أن أوضاعها متغيرة بين الحزن والفرح، وهي تبحث دائمًا عن إيقاع موسيقي تنسجم معه، موضحًا أنه كان يقول لتلاميذه الشعراء أن القصيدة ليست مناسبة بل الحياة كلها مناسبة، موصيًا الشاعر بأن يكون الشعر حالة تعاش في اللحظة التي تفرق بين الإلهام ولحظة تسجيلها على ورق، مضيفًا أن بعض القصائد تتشكل في النوم أحيانًا، قائلًا: “كتبتُ بعض قصائدي على مخدّتي بسبب نقصان الورق في فترةٍ من الفترات.. ويعتبر شعر عبد الرزاق امتدادًا لشعر شاعر العرب الأكبر “الجواهري” وهو بنظر عبد الرزاق أعظم شاعر في العالم، وأنه يضع جبهته على مواضع أقدام الجواهري احترامًا واعترافًا بالفضل والسبق.. قال ذلك في لقاء مع قناة العربية.

 

ومن القصائد التي سارت بها الركبان قصيدته العصماء: دمعي لبغداد، يقول فيها:

دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايينِ

مَن لى ببغداد أبكيها وتبكيني؟

مَن لى ببغداد؟.. روحى بَعدَها يَبسَتْ

وَصَوَّحتْ بَعدَها أبهى سناديني

عدْ بى إليها.. فقيرٌ بَعدَها وَجعي

فقيرَة ٌأحرُفى.. خرْسٌ دَواويني

قد عَرَّشَ الصَّمتُ فى بابى وَنافِذ َتي

وَعششَ الحُزنُ حتى فى رَوازيني

والشعرُ بغداد، والأوجاعُ أجمَعها

فانظرْ بأيِّ سهام ِالمَوتِ ترميني؟

*********

دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايين ِ

عُدْ بى إلى الكرخ.. أهلى كلهُم ذ ُبحُوا

فيها.. سأزحَفُ مَقطوع َالشرايين ِ

حتى أمُرَّ على الجسرَين.. أركضُ في

صَوبِ الرَّصافةِ ما بينَ الدَّرابين ِ

أصيحُ : أهلي… وأهلى كلهُم جُثثٌ

مُبعثرٌ لَحمُها بينَ السَّكاكين ِ

خذنى إليهم.. إلى أدمى مَقابرِهم

للأعظميةِ.. يا مَوتَ الرَّياحين ِ

وَقِفْ على سورِها، واصرَخْ بألفِ فم ٍ

يا رَبة َالسور.. يا أُمَّ المَساجين ِ

كم فيكِ مِن قمَرٍ غالوا أهلتهُ؟

كم نجمَةٍ فيكِ تبكى الآنَ فى الطينِ؟

وَجُزْ إلى الفضل ِ.. لِلصَّدريَّةِ النحِرَتْ

لحارَةِ العدل ِ.. يا بؤسَ المَيادين ِ

كم مَسجدٍ فيكِ.. كم دارٍ مُهدَّمَةٍ

وَكم ذ َبيح ٍ عليها غيرِ مَدفونِ؟

تناهَشتْ لحمَهُ الغربانُ، واحترَبَتْ

غرثى الكِلابِ عليهِ والجراذين ِ

يا أُمَّ هارون ما مَرَّتْ مصيبتنا

بأُمةٍ قبلنا يا أُمَّ هارونِ!

 

 

وفاته.. لماذا رفض اتحاد الأدباء نعيه؟

في صبيحة الأحد الموافق 8/ 11 / 2015 فقدنا عميد القوافي الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد في إحدى ضواحي باريس عن عمر ناهز الـ 85 بعد إصابته بمرض عضال، الملفت أن اتحاد الأدباء الذي كان الشاعر الراحل من أوائل المؤسسين له ومن باب رد الجميل رفض نعيه بحجة أنه مدح النظام السابق وأنه يؤيد داعش الآن، في موقف غريب من الاتحاد سيذكره التاريخ!

وكذلك صدرت ردود أفعال شعبية وسياسية في العراق بعد نبأ وفاة الشاعر الكبير فقد نعاه السيد مقتدى الصدر ورئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري والجمهور العراقي خاصة والعربي عامة على وسائل التواصل الاجتماعي، بنشر قصائده ومآثره والترحم عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمه، وهذه القضية أثارت ردود أفعال كبيرة باعتبار أن الشاعر الراحل من الطائفه المندائية ولا يجوز الترحم على غير المسلمين. ونشر الدكتور العراقي ضياء الدين الصالح فتوى تتضمن حرمة الترحم على غير المسلمين باعتبارهم خالدين في نار جهنم، ولكن الجمهور العراقي ما زال بعفوية يترحم للشاعر ويدعو الله له بالمغفرة والرحمة.

 

وبفقدان الشاعر الكبير تنطوي صفحة من صفحات الشعر العربي التي ملأها بإضاءاته وإشراقاته وروعة الأسلوب والتعالي والتواضع، فشكرًا يا أبا خالد، قدّمت للشعر العربي خلاصة أدبك وعصارة ذهنك، لن تنساك الأجيال القادمة، وستبقى قصائدك رايات ومنارات للطالبين للفصاحة والشعر العربي الأصيل، وستبقى كلماتك تبعث فينا الأمل الذي كنت تشدوه.

ولئن رفض اتحاد الأدباء نعيك فلن يضيرك بل يزيدك رفعة وقدْرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد