وجدت الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء الإثيوبي الدكتور آبي أحمد علي، إلى إريتريا ترحيبًا كبيرًا واحتفاءً مميزًا من قبل الشعبين الإريتري والإثيوبي، وترحيبًا منقطع النظير من قبل المهتمين بشؤون القارة الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي.

فهذه الزيارة وضعت أسس لعلاقات جيدة في المستقبل القريب، ومن المؤمل أن تضع حدًا نهائيًا للصراع الحدودي بين البلدين، خصوصًا بعد موافقة آبي احمد، على مقترح لجنة حدودية رفعت توصياتها قبل سنوات رفضت من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هيلا مريم ديسالين.

حاكم إثيوبيا الجديد وبعيد تسلمه السلطة في بلاده اتخذ قرارات قمة في التميز والإبهار، فمتن الرجل علاقات بلاده مع جميع دول الجوار، وبالتالي قفل ثغرة الابتزاز التي تمارس على بلاده.

 وبأن خلافه مع إريتريا قد حقق نصرًا أمنيًا عظيمًا لبلاده، وسمعت قبل ساعات أن شركة الطيران الإثيوبية العملاقة أعلنت عودتها للتحليق في الأجواء الإريترية بعد 20 عامًا من التوقف، وأن الموانئ البحرية الإريترية مستعدة لاستقبال الواردات الإثيوبية.

قلت قبل فترة أن هذا الرجل يعتبر أيقونة جيل جديد من الحكام الأفارقة، فهو ينظر بعيدًا وبعيدًا جدًا، وإلا لكان قد استسلم للعواطف وأعلن الحرب على مصر وإريتريا وكال لهم سب وشتم، فهذا الشاب يريد أن يحقق الكثير لبلاده، بمعني أننا سنشاهد رجل براجماتي من الطراز الرفيع… وأمثال هؤلاء يبحثون دائمًا عن النجاح الجماعي، وليس المجد الشخصي الزائل لا محالة.

المشاهد التي صاحبت زيارة الرجل إلى إريتريا وجدت تفاعلًا كبير في وسائط الميديا، فالصور التي ظهر من خلالها مع الرئيس أسياسي أفورقي، والتي خرق فيها البروتكول بأن قام بشخصه يوزع الحلوي والبسكويت للوفد المرافق له أثناء اللقاء بين وفدي البلدين، أعتقد أن هذا المشهد لم يفعله رئيس دولة من قبل لا في أفريقيا ولا غيرها، كما أن الرجل في مشهد آخر ظهر يتناول بعض الفاكهة من الشارع العام مع أفورقي ومشهد آخر يسلم للإريتريين بحميمية زائدة عن الحدود.

اختراق آبي احمد للبرتكول في حضرة رئيس دولة طالما عرف بعدم اعترافه أصلا بالبروتكول مثل أساسي أفورقي، في تقديري رسالة واضحة مفادها أننا كلنا في المركب، بمعنى كلنا من ثقافة واحدة، وبلاد شبه واحدة، وأن أرض الحبشة هي أرضنا جميعًا.

لقد ظل أسياسي أفورقي ولعشرات السنين وبالرغم من أنه دكتاتور حكم بلاده بالقسوة المفرطة، إلا أنه صورة عظيمة للتواضع والقرب من المجتمع فهو شجاع لدرجة لا يمكن تصورها.

أتذكر في الخامس والعشرون من شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2011 كانت السلطات السودانية تنتظر حضوره لولاية كسلا الحدودية مع بلاده لافتتاح الطريق القاري الذي يجمع البلدين بحضور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر والبشير.. من المنتظر أن يأتي الرجل بالطائرة.. تخيل أن المفاجأة أن وصل بالسيارة وعلى نفس الطريق الذي يراد افتتاحه، وصل الرجل مرتديًا شبشب وقميص نصف كم، وطاقية كاب، الصورة كانت ملهمة للحشد الشعبي الكبير، وإن أتت من دكتاتور يعمل على عجلة خارج القواعد الأخلاقية.

فأبي أحمد رجل قارئ جيد للأحداث من حوله أعدته بلاده جيدًا ليكون قائدًا أعلى لها، فبالتأكيد لا يفعل شيئًا من باب الاعتباط والعبث.

التاريخ السياسي في أفريقيا يتزكر جيدًا عددًا وإن كان قليلًا، من حكام كانوا مثالًا رائعًا في البساطة والتواضع، ولم تفارق ذكراهم أذهان كثير من الأفارقة، وصحيح منهم من كتب له التوفيق، وآخرون كتب لهم الفشل.

ومن أشهرهم وأكثرهم تواضعًا بالطبع الأستاذ الراحل جوليوس نايريري الرئيس التاريخي لتنزانيا، والتي جمعها من اتحاد بين دولتي، تنجانيقا وزنجبار، ليؤسس دولة واحدة حكمها لسنوات، عرف عنه أنه عاش فقيرًا، وحكم فقيرًا، ومات فقيرًا، فهو الرئيس الوحيد في التاريخ الذي كان يتنقل بموتر سايكل، ويعتبر في حياة التواضع والزهد ملهما لكثير من الأجيال اللاحقة في أفريقيا وتوفي في أواخر تسعينات القرن الماضي بمرض الأنيميا.

كما يتذكر سكان مدينة أمدرمان قصة شهيرة تحكي كثيرًا كمثال لتواضع وزهد الرئيس الراحل جعفر نميري (وهو أن الرجل ذات يوم عصرًا تعطلت سيارته الهنتر، وهي سيارة ألمانية قديمة ورخيصة الثمن، فنزل تحتها يجري عليها الصيانة وهو رئيس للجمهورية، فمر بهذا الموقف أحد المعارضين الشرسين لنظامه، فقال للنميري ساخرًا عبارة راكب هنتر، وعامل عنتر في إشارة لسعرها الرخيص) لاحظ حتى السخرية من النميري كانت استحسانًا له، بمعنى أن الرجل رئيس للجمهورية ولو أراد أن يركب سيارة فارهة من مال الشعب كان في متناول يديه تمامًا، ولكن عاش الرجل نموذجًا يحتذي به في التواضع، فكان قيمة رفيعة جدًا في جيله، بالرغم مما قيل في سنوات حكمه.

يحكي الموسوعة شوقي بدري أن هناك مناظرة بين طلاب المدرسة الإعدادية في ملكال في الخمسينات بين الطالب أحمد الحسن سالم، والذي صار أديبًا وصحافيًا فيما بعد، والجوكس وهو طالب من بلدة البيبور بجنوب السودان حاليًا، فحوي المناظرة، عن ما هو الأهم في حياتنا هل المال؟ أم العلم والعمل والتفاني؟ كان الطالب الجوكس مدافعًا باستماتة عن أهمية المال وجمعه؛ لأنه كل شيء في حياتنا، وأحمد الحسن يدافع عن مبدأ العلم والمعرفة، وضرب مثالًا قال فيه إن مدارس الأحفاد في شمال العرضة بأم درمان سوف تكبر وتتمدد، وأن عمارة أبو العلا المعلم البارز في شارع الموردة سوف تهجر ولو بعد حين. فسبحان الله اليوم مدارس الأحفاد كبرت وتمددت وصارت جامعة الأحفاد تخرج الآلاف من الطالبات في مختلف التخصصات بالرغم من عنف البروفسير قاسم بدري… وأن عمارة أبوالعلا انحسرت وانزوت عن الأضواء وأصبحت دارًا لحزب الأمة، وانتصر العلم والعمل والتفاني على أسطورة المال.

وعلى ذات الطريقة وبهذا السيناريو يمكن لآبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي أن يختار جانب المال والفساد والمحسوبية فيتمتع إلى حين مثل الرئيس الكنجولي النصاب موبيتو سيساسيكو الذي نصب وسرق بلاده و عندما هرب منها أصيب بمرض السرطان وتوفي متأثرًا به وأصبح يلحق باسمه بعبارة نصاب سابق.

أو أن يختار طريق الزهد والتواضع والعمل والإخلاص والتفاني، ونحسب أنه أقرب لهذا الطريق، ليحقق له ولبلاده مجدًا عظيمًا يبقي درسًا مميزًا لكل العالم ليكتب اسمه إلى جانب أبطالًا مثل باتريك لوممببا، جوليوس نايريري، دانيال أروب موي، نيلسون مانديلا، وبول كاغامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد