منذ قدوم آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء، والبلاد تشهد حراكًا سياسيًّا وتغيرات جذرية كبيرة في بنية الدولة الإثيوبية، حتى يصفها بعض المحللين بأنها «ثورة سياسية»، برأيي نعم هي كذلك، لأن الشعب الإثيوبي بكل نحله وصنوفه تجمعت وشارك التظاهرات الداعم لآبي أحمد.

ولكن منذ أن جلس آبي أحمد على كرسي رئاسة الوزراء والبلاد تشهد بعض المطبات السياسية، والتفلتات الأمنية التي لا ترتقي بأن توصف بالأزمات، والتي قد تتسب بالعصف بأمن واستقرار البلاد بشكل كلي، على سبيل المثال تعرض آبي أحمد نفسه لمحاولة اغتيال، واضطراب الأوضاع في إقليم الصومال الإثيوبي، والمعروف بأوغادين، بجانب عملية اغتيال مدير سد النهضة، سيمجنيو بيكيلي، وغيرها من الاضطرابات.

وبالتاكيد وصول آبي أحمد إلى رئاسة الورزاء في إثيوبيا، لم يكن بعيدًا عن التطورات الجارية على السياسة الدولية، حيث يلاحظ في أوروبا وأمريكا تسلط التيارات الشعبوبية في بلدانها، وبالتالي يمكن استقراء التطورات الجارية في إثيوبيا، باعتباره نتاج ظهور الحركات الشعبوية في العالم، فضلًا عن التطورات التي حدثت في الداخل الإثيوبي، إذ سبق تسلم سلطات رئيس وزراء في إثيوبيا حراك وتظاهرات من قبل الإثنية التي ينتمي إليها آبي وهي إثنية الأورومو، وبالفعل بعد تنصيبه مقامه تراجع الحراك الأورومي، وشهدت البلاد استقرارًا نسبيًّا.

والرهانات التي أطلقها أحمد من أجل جعل إثيوبيا دولةً إقليمية فاعلة في تطورات الإقليم، ومنفذة لخطط الازدهار التي وضع أساسها رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل مليس زيناوي، هذه تساؤلات تغازل أذهان المتابعين والمهتمين، ولكن أكثر ما أثار دهشة المتابعين تواتر بعض التصريحات المنسوبة لآبي أحمد، إذ يقول فيها بأن سد النهضة لن يرى النور قريبًا.

وإذا ما افترضنا جدلًا بأن آبي أحمد صرح بتصريح كهذا، إذن ما هي الدوافع التي جعلته يطلقها دون مبرر منطقي، أهي عمليات الفساد التي قامت بها الشركات التابعة للنظام السابق، كما تناقلته بعض الصحف، أم هناك سبب آخر دفع آبي لإطلاقها، برأينا أن السبب الرئيسي وراء تصريحات آبي أحمد، هو أن الرجل يحمل مشروعًا مختلفًا عن المشاريع التي حملها أسلافه.

إذ يعتقد آبي أحمد بأن النهضة العمرانية والتطور الاقتصادي مهما تحقق، لن تحقق التماسك والاندماج الوطني، في ظل وجود خلاف وانقسامات سياسية، وبالتالي قدم أولوية إنهاء الاستبداد السياسي وقمع الحريات على النهضة الاقتصادية، بجانب سعيه تصفير مشاكل بلاده مع جيرانها، وعليه علينا أن لا نستغرب تصريحات كهذه يطلقها آبي أحمد.

وبالعفل الاحتقانات الداخلية التي كانت تصعف بإثيوبيا قبل وصول آبي لسدة الحكم هناك، كانت كفيلة بأن تعصف بوحدة إثيوبيا، وتدخل البلد بـــاب الحرب الأهلية وتغوص في غياهب الفوضى، وفي حال اندلاع حرب أهلية هناك سناريو انقسامها إلى عدة دول على أساس إثني كان من المتوقع حصوله في ظل الانقسام المجمتعي الذي تعاني منه البلاد منذ سنين.

ومن الخطأ أن نعتبر آبي أحمد يسعى إلى تعطيل عجلة التنمية في إثيوبيا، بإدلائه بتصريحات كهذه، لأن رغبة التطور الجامحة الحاكمة على الشعب الإثيوبي، هي من اختارته إلى أن يتقلد سلطة رئيس الوزراء، وإن لم يلب هذه الرغبة، فسيكون مصيره الفشل، وسيجبر على ترك موقعه، وأما عن الإدلاء بهذه التصريحات برأي ما هو للاستهلاك الإعلامي، من أجل تنفيذ مشروع سد النهضة بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، والمنكافات مع مصر، وتصريحات وزير الخارجية المصري سامح شكري، والتي قال فيها بأن عملية مفاوضات سد النهضة تأكد ما يخطط له آبي أحمد، مع تأكيدنا بأن خطة تنفيذ مشروع السد قد تتأخر لفترة سبع سنين بدلًا من الخمس سنوات المحددة، وهذا ما سيقلل حدة التوتر مع مصر، وكل هذا في إطار سياسة صفر مشاكل مع الجوار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد