بات السؤال الذي يشغل عقول شباب الطليعة العربية عمومًا وكل ثائر متنور هو كيفية الخروج من الأزمة التي تعاني منها بلداننا التي مرت بموجة الربيع العربي وخصوصًا مصر؟! ما هو الحل الأنسب والضروري والذي يفرض نفسه على الساحة والذي يتماشى مع العقل والمنطق مع مراعاة تحقيق الهدف بأقل الإمكانيات وفي أقصر مدة ممكنة وأقل خسائر؟!

ولا يجد باحث أو مفكر أو قارئ أو محلل أو متابع في بحثه عن الحل إلا ويجد نفسه مضطرًا للجوء إلى الباحثين في مجال علم النفس والاجتماع وتاريخ الحضارة والدراسات الإنسانية عمومًا لأنهم بمثابة الأطباء الذين يقومون بتشخيص الحالة حتى يمكن وصف الدواء المناسب. ولا مفر كذلك من دراسة تجارب قديمة عن نفس المراحل والحالات التي واجهت شعوبًا أخرى في قارات العالم المحيطة بنا وإسقاطها على الواقع الذي يفرض نفسه في هذه الفترة وتلك المرحلة.

وعلى الرغم من أن هناك فريقًا يزعم أن لكل إقليم خصوصيته وحالته المنفرده التي يمر بها حتى وإن وجد بعض الشبه. ولا شك أن هذا الكلام وإن كان معقولًا بنسبة كبيرة ويؤخذ به، لأن دراسة الحالة الإنسانية ليست قانونًا رياضيًا أو قاعدة حسابية يمكن تطبيقها على أي حالة. ولكن هناك أيضًا خطوط عريضة تتلاقى فيها آمال وطموحات البشر وحاجات إنسانية أساسية إذا سلبت من الشخص أو المجتمع فإنه يمر بمراحل للمطالبة بها والدفاع عنها نهاية بالاستماتة من أجل الحصول عليها.

ولكن الفيصل بين الشعوب هو مدى تأثرها ودرجة رد فعلها على المنبهات والظواهر المحيطة بها وتأثيرها فيما يجري من أحداث. وكذلك سرعة بديهتها والاستجابة الفعالة والإيجابية للمؤثرات والأحداث المحيطة بها ووعيها ومدى ثقافتها. وكذلك مدى درجة الدعم النفسي والمادي الذي يحصل عليه الشعب ويتلقاه من أي مصدر قريب أو حتى من أي مكان يرى مشروعية حراكه وقضيته وأنه بهذا الحق (استشفافًا) وفي المستقبل قد يكون البديل الذي قد ينتفع منه فيما بعد، بعد نجاح فكرته وحراكه في مدى قريب أو بعيد.

فإذا حاولنا أن نقارن بين تجربة ثورية إنسانية عظيمة حدثت مع أمة تعيش في محيطنا الأفريقي عانت من العنصرية والتطرف في التفرقة بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس اللون فيما سمي بنظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا.

وبين التجربة المصرية التي تشكلت خلال ستين عامًا ومرت بمراحل عدة إلى أن انتهت إلى نتيجة قد تمثل أبشع صورة تحدث في التاريخ الإنساني حيث أن التفرقه بين المواطنين وصلت إلى درجات تعدت الطبيعي ولم تعد تقتصر فقط على الحقوق والواجبات والمكتسبات المادية والمعنوية على أساس اللون كما في الحالة الأفريقية كنموذج بل تخطت إلى أسس لا إنسانية تمثلت في التفرقة على أساس الطبقية والهوية والعقيدة. مما أدى إلى نتائج كارثية أخلت بنظام التوزيع العادل للثروة والمساواة في حق الإنسان في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

وهذا أصبح الواقع المصري الذي يمثل بوتقة صب فيها جميع أنواع الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بل والعقدي وصار أشد وطأه من تجارب إنسانية مثل تجربة جنوب أفريقيا. ولعلنا نلاحظ أن الحراك الشعبي للأكثرية السوداء التي عانت مرارة التفرقة والظلم قد سلك قائدها ومفكرها الزعيم الروحي لتنظيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وقائد الجناح العسكري رمح الأمة (مانديلا) كل الحراك السلمي الشرعي للتعبير عن الغضب الشعبي والرفض المطلق لكافة سياسات التمييز على أي أساس.

(نيلسون مانديلا) الذي درس القانون في جامعة فورت هير وجامعة ويتواترسراند، وعاش في جوهانسبورغ وانخرط في السياسة المناهضة للاستعمار وقد عمل محاميًا، وألقي القبض عليه مراراً وتكراراً لأنشطة زعمت الحكومة العنصرية إنها مثيرة للفتنة، وحوكم مع قيادة حزب المؤتمر في محاكمة الخيانة 1956-1961 وبرئ فيما بعد.

و كان يحث في البداية على احتجاج غير عنيف وسلمي دفاعًا عن الحق الشرعي في العدل والمساواة والحرية، بيد أن مانديلا توصل إلى قناعة مفاداها أن الحقوق لا توهب وإنما تنتزع انتزاعًا، لذلك أوجبت عليه الضرورة التعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا للمشاركة في تأسيس منظمة رمح الأمة! وفي عام 1961، ألقي القبض عليه واتهم بالاعتداء على أهداف حكومية. وفي عام 1962 أدين بالتخريب والتآمر لقلب نظام الحكم، وحكمت عليه محكمة (ريفونيا) بالسجن مدى الحياة.

إلا أن السبعة وعشرين عامًا التي قضاها في المعتقل، فإن الثائر الذي كان يصرخ في صدر مانديلا لم يكف عن توجيه وتشجيع ومساندة أقرانه في مواصلة النضال والكفاح المسلح من أجل الحصول على حق الناس سواء بسواء وجميعًا دون النظر إلى اللون أو العرق في كل شيء، وتعرض للمساومات طوال الوقت، وطلبت منه الحكومة الإيعاز إلى تنظيمه بالكف عن ممارسة أعمال العنف والتفجيرات وأن يسلك مسلكًا سلميًا في التعامل مع المعطيات على الأرض.

إلا أن مضمون رده وكأنه قال: (سلميتنا أقوى بالرصاص)، وهذا هو الفيصل والنقطة الجوهرية التي تشكل الفارق بين تنظيم يتبنى منهج العنف النوعي الموجه في ممارسة التغيير. وبين التنظيم الذي رأى أن السلمية أو إن شئت قل (السلبية) هي الحل. خاصة وأن هذا التنظيم له سوابق في بداية نشأته ومن ذات العدو الذي يلدغ منه كل مرة بداية من العام 1954 على يد (محكمة الشعب) وما تلاها. فلم يجد إلا أن يعيش دور الضحية والتعامل مع أمر إراقة الدماء واستنزاف الثروات البشرية وإزهاق أرواح خيرة شباب ومفكري الأمة من منظور عقدي بحت وإن شئت قل (إيجاد مسوغ عقدي وأخلاقي) للفرار من مسئولية القتل العمد بالإهمال.

كذلك الأمر نجد أن من الذرائع التي تمسك بها التنظيم هو الخشية من الانجرار إلى سيناريوهات أكثر دموية من التي نعانيها مثل نموذج العشرية السوداء بالجزائر أو السيناريو السوري.

وأن التجربه الجنوبية الأفريقية وقعت بين أمة مسيحية واحدة لم يكن فيها الدعم الإقليمي والدولي كمثل الذي يحدث في أمة إسلامية يجتمع عليها الشرق والغرب للتواطؤ لإسقاطها ومحوها نهائيا وصولا إلى تدجين الحراك الشعبي الثوري وطمس هويته وتضييع رؤيته من أجل إبقاء الوضع كما هو عليه نهاية بجعل ثورة (25 يناير)  مجرد انتفاضة شعبية لها ظروفها التاريخية الخاصة. ثم التفريط في كل الثوابت والمبادئ الثورية وتحول الأداء الشعبي والعمل الاحتجاجي العام من ثورة إلى معارضة.

ومع تعاظم كافة أشكال الظلم الذي أصبح مفضوحا، فلم يقتصر على تفضيل الفئة التي تحوز على المال والأعمال في البلد والامتيازات التي تمنح لهؤلاء من جيوب الطبقة الكادحة، بل صار التفريط في التراب الوطني وتدمير مفهوم الدولة القانونية والدستورية ذات السيادة وممارسة أعمال البلطجة والقتل العمد الممنهج داخل وخارج إطار القانون بل وإضفاء الصفة القانونية عليه إن لزم الأمر.

وقد صار ذلك شعار المرحلة، مما ينذر بانفجار اجتماعي وشيك قد يصل مداه إلى حد الفوضى العارمة والذي بالضروره يؤدي إلى شيوع القتل والسلب والنهب وانشغال المؤسسات الحامية للحدود الوطنية بمحاربة ومكافحة وقمع الحراك الشعبي السلمي الذي يطالب بأبسط حقوقه في نيل الحرية.

مما يجعل الأمر غاية في السهولة لاحتلال البلاد من قبل القوى الإقليمية المتربصة وتحويل هذه الرقعه إلى ما توقعه الكاتب أحمد خالد توفيق في روايته (يوتوبيا) والتي صدرت في العام 2008. وتدور أحداث الرواية في سنة 2032 حيث تحولت مصر إلى طبقتين، الأولى بالغة الثراء وهي (يوتوبيا) المدينة المحاطة بسور ويحرسها جنود المارينز التي تقع في الساحل الشمالي والثانية فقر مدقع وتعيش في عشوائيات ويتقاتلون من أجل الطعام. والرواية تحكي قصة شاب غني من يوتوبيا يريد أن يتسلى ويقوم بمغامرة لكسر ملل الحياة ورتابتها ويتجول بسلاحه وكأنه في غابة ويصيد إنسانًا فقيرًا من سكان (شبرا). ويقوم باللعب به مع أصحابه للحصول على متعة ثم قتله والاحتفاظ بجزء من جسده على سبيل الفخر وهي من الهوايات الجديدة للأغنياء الذين يعيشون في الساحل الشمالي تحديدًا في يوتوبيا التي تشكل عالم الأغنياء.

وقد اعتمد أحمد خالد توفيق في كتابة روايته على إحصائيات علمية وتقارير مثل تقرير للدكتور أحمد عكاشة المستشار النفسي لرأس النظام المصري الحالي عن الإدمان في مصر وتقرير صحفي في ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان عن جرائم العنف ضد النساء.

وها نحن نرى بأعيننا ذلك الخيال يتحول إلى واقع فذلك الصرح الذي يتم بناؤه هناك كجزيرة منعزلة خلف أسوار ضخمة (العاصمة الإدارية الجديدة) صار الملاذ الآمن الوحيد لهذه الطبقة التي باتت تحكم مصر. وما دون هذه البقعة ومثيلاتها مرتع لبشر هم أشباه حيوانات لا حق لهم في الحياة، ويمكن اصطيادهم أو قتلهم لأنه وببساطة ليس لهم قيمة. تلك هي النتيجة الحتمية التي قال عنها العلامة سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان ضريبة الذل عام 1952 قبل أن يفارق الدنيا ويترك لنا معالم على الطريق لكي نختار الدفع بين اثنين.

ضريبة الذل وضريبة الحرية!

«بعض النفوس الضعيفة يخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهضة لا تطاق فتختار الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقال فتعيش عيشة تافهة رخيصة مفزعة قلقة تخاف من ظلها وتفرق من صداها يحسبون كل صيحة عليهم ولتجدنهم أحرص الناس على حياة!

هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة يؤدونها من نفوسهم ويؤدونها من أقدارهم ويؤدونها من سمعتهم ويؤدونها من اطمئنانهم وكثيرًا مايؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لايشعرون».

ومع غياب الرؤية لما يسمى بالنخبة المتثورة من هذا التنظيم أو ذاك وعدم وجود مشروع واقعي وحقيقي وخطة واضحة لإنهاء حالة الانقسام في الصف الثوري المترهل يسارع بتحقيق هذه النتيجة إلا وإذا ظهرت أحداث أخرى على الساحه تغير من نتيجة المعادلة.

لابد أن نجيب وبسرعة عن هذا السؤال هل هذا المسلك الذي تبنته القوه المناهضة للحكومة العسكرية العنصرية الحالية كان هو الحل وعلينا الفوز بالنقاط والتعويل على الحراك الشعبي الشامل، أم أن القوة العاقلة كانت هي التي ستحسم الأمر كما تبنى هذه الرؤية حازم صلاح أبو اسماعيل؟! كما أعلن في آخر لقاءاته مع طوني خليفة أن المؤسسة العسكرية إذا أسقطت الثورة فإننا سنتعامل معها بمبدأ القوة كما حدث في حراك يناير الأول.

فماذا يا ترى سيحدث؟! نحتاج إلى إجابة. نقطة ومن أول السطر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

السيره الذاتيه لمانديلا (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)
مقال للعلامه سيد قطب بعنوان ضريبة الذل
روايه يوتوبيا للكاتب الراحل احمد خالد توفيق
تصريح حازم ابواسماعيل مع طوني خليفه
عرض التعليقات
تحميل المزيد