ولد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بخراسان بطوس، كان والده يعمل بغزل الصوف وبيعه ومع غزل الصوف كان أبوه متصوفًا وروحانيًّا، يحب الفقهاء ويحضر مجالسهم ويتمني أن يكون أحد ولديه محمد أو أحمد فقيهًا، عندما شعر الوالد بدنو الأجل وثقل المرض أرسل لصديقه الصوفي، بأن يرعى ولديه بماله ويعلمهم الخط والكتابة، مات الوالد وانتقل اليتيمان تحت رعاية صديق الوالد علمهما الخط والكتابة، لكن مال والدهما نفد وليس لدى الرجل ما يرعاهما به، فعمل لإلحاقهما بمعاهد العلم ومجالس الفقه التي تعطي الملتحقين ما يشبه جراية الأزهر من الأكل وغيره.

اتجه محمد وأخوه للدراسة من أجل الجراية والمال، نبغ محمد واشتهر بنباهته وذكائه، تعرض محمد في هذه الأثناء لحادثة قطع طريق أثناء سيره مع قافلة ما، أخذ اللصوص مخلاته فاتجه الصبي نحوهما وهم ينهروه ويقولون: ارجع وإلا هلكت يا غلام.

قال محمد إن مخلاته تحمل كل ما درسه وهاجر لسماعه وتعلمه، ضحك اللص وقتها قائلًا كيف تدعي العلم والمعرفة وإن أخذنا هذه المخلاة منك صرت بلا علم ولا معرفة! فسلموه المخلاة.

فعكف الغزالي ثلاث سنين حتى حفظ كل ما تعلمه وسمعه وكتبه.

التحق بإمام الحرمين الجويني وتفقه على يديه بفقه الشافعي وبدراسة المنطق وعلم الكلام وأصول الفقه، أعجب الجويني بنباهة الغزالي وغزارة معرفته وحسن فطنته فجعله مساعده في التدريس رغم صغر سنه ووصفه لتلاميذه بأن محمد الغزالي بحر مغدق!

قال الجويني بعدما أطلعه الشاب الغزالي بكتابه الأول عن الأصول اسمه المنخول قال: يا محمد دفنتني وأنا حي هلا صبرت حتى أموت!

مما يوضح كيف تفوق الغزالي في تحصيله للعلم حتى على أستاذه، فقيه مكة والفقه الشافعي، الذي يرتحل طلاب العلم إليه ولمدرسته من كل حدب وصوب.

سمع الغزالي بمجالس الوزير نظام الملك السلجوقي للعلماء والفقهاء، كيف ينال عنده النابهين العطايا وكيف يوقر العلماء ويحظيهم ويرفع من قدرهم، ارتحل محمد الغزالي نحو نيسابور حيث نظام الملك، التحق بمجالسه وغلب الشاب الشيوخ والأسنان في الفلسفة والكلام والمناظرة، طلب الوزير نظام الملك أن يلتحق ذلك الشاب ذو الثلاثين عامًا بالمدرسة النظامية ببغداد كمعلم وشارح وفقيه، للكلام والفلسفة والفقه الشافعي والأشعرية، كانت هذه الفرصة الذهبية لأي عالم بأن يكون فقيه مدرسة بغداد حاضرة الخلافة والعالم، ذاع صيت الإمام واكتظت مدرسته بطلاب العلم بل بالشيوخ فوق الثلاثمائة والأربعمائة، وأطلقت عليه الألقاب من الوزير نظام الملك وغيره، فلقب بزين الدين وتاج الدين وحجة الإسلام وشرف الأئمة.

كان الغزالي يمثل لوزير نظام الملك النهضة العلمية النظامية المرجوة، فهو العالم النبيه ذو الكاريزما والفصاحة والغزارة والموسوعية، وهو العالم الذي سيشكل للأمة الذراع الفقهي والديني في معركتها مع الفرق الباطنية الشيعية والمتكلمين، فهو بمثابة كتيبة فقهية علمية ستكون زخرًا لمعارك السلجوقيين والعباسيين ضد الشيعة وغيرهم.

ولقد طلب منه الخليفة بشكل رسمي أن يكتب عن الباطنية فكتب فضائح الباطنية وقواصم الباطنية وغيرها، وكتبه عن الشيعة رائدة.

في القرن الخامس الهجري، قرن أبي حامد الغزالي، كانت الجماعات الشيعية والنحل الغريبة والملل العجيبة ظاهرة، كان المسجد الأقصى تحت الاحتلال الصليبي، وكان وعي الأمة في حاجة للحقيقة، في حاجة للثبات على أرض صلبة، كان منهج الحشاشين وهم فرقة من القتلة الشيعة المحترفين يرددون دائمًا مقولة كبيرهم حسن الصباح “لا يوجد شيء حقيقي” الحقيقة بالنسبة لهم نسبية تمامًا.

خاض الغزالي مخاضة صعبة في البحث في هذه النحل والملل من الشيعة والمتكلمين وغيرهم، وأبو حامد نفسه قال في كتبه أن هذا البحث بحر عميق غرق فيه الكثيرون وما نجا منه إلا القليلون.

بدأ بكتاب مقاصد الفلاسفة، عرض فيه كل مذاهب الفلاسفة الخاصة بالإلهيات أي بالله والدين، وكاد أن يهاجمه الناس كما اعتادوا مهاجمة الجميع، ولكنه نوه بأن هذا الجزء من الكتاب مقدمة لكتاب آخر نقيض له، كأنه تنقل من جهة الفلسفة لمواجهة الفلسفة، عرض الفلسفة بأسلوبه دون تدخل منه كما ذكر، ثم عرض فكره وتأملاته الخاصة بالفلسفة والإلهيات ورد على كل الفلاسفة وخاصة ابن سينا والفارابي، وقد وضح كيف أن الفلاسفة ناقضوا المنطق في أكثر من عشرين مسألة كبيرة، كمسألة قدم العالم وأزلية العالم، وأن الله فاعل العالم وبيان عجزهم عن استدلالهم لوجود صانع للعالم، وإبطال مذهبهم في نفي الصفات وغيرها الكثير، ولقد تعجب الغزالي كيف أن الفلاسفة يريدون إدراك ما لا يمكن إدراكه بالحواس، وقد أعلن الغزالي قصور الحواس والعقل عن المعرفة الكاملة وأن للحواس وللعقل حدودهما.

إن أبرع ما قام به الغزالي في مخاضته الفلسفية هذه، كتاب كتبه بين كتابيه المقاصد والتهافت عنوانه معيار العلم، وهو كتاب عن المنطق وقواعده، وقد اعتبر أن المنطق ليس خاصًا بعلم الأصول ولكنه خاص بكل العلوم، ومن لا يتعلم المنطق لا ثقة بعلمه، وطلب النظر لكتابه المنطقي وكتبه المنطقية كلها بعين العقل لا بعين التقليد، ويعتبر كتاب معيار العلم والمستصفي وغيره من كتب المنطق للغزالي كما قالوا عن كتب الشافعي تعلم العقل فهذه الكتب للغزالي تعلم العقل أيضًا ولا ضير كل هذا النهم للمنطق من عالم شافعي يتعلم أصول الدين ذلك العلم الذي أنشأه الشافعي أصلًا على المنطق والاستدلال والقياس، كأن الغزالي صار صحوة شافعية في ذلك القرن الصعب.

كان الغزالي في دولة نظامية، انطبعت تلك النظامية شكلًا وموضوعًا في كتابه فأحب أن يضع قواعد لكل شيء، كأنه رأى أن الحل لهذه الفوضى وهذا الضياع القواعد التي ننطلق منها، الخطوات التي نبدأ بها، فكتب كتبًا تعيد النظر في الأشياء الروحية وكتبًا تنظم حياة الطالب والولد مثل كتاب يا أيها الولد، وكتاب يضع قواعد للتكفير وكتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك.

 

لم يستمر الغزالي ذلك العالم الجليل، حجة الإسلام، وزين الأمة وإمامها، الذي يذيع صيته كل يوم أكثر من الذي قبله، لقد حدث ما لم يكن متوقعًا!

إن ذلك الشاب العالم الجليل، صاحب السلطان والخليفة، حجة الإسلام، وفقيه مدرسة بغداد، أبو حامد الغزالي، الذي نقض الشيعة ومذاهبهم ونقض الفلاسفة وأقوالهم ونقض المتكلمين وهزمهم ودرس الصوفية، ما ترك ملة ولا نحلة إلا كتب عنها وغاص فيها، لم يدخل مناظرة إلا وكان الحق بجانبه، تاج دولة السلاجقة وعالم بغداد الجليل… ماذا حدث له؟!

كان الشك يتسرب بجسد ذلك اليافع الفقيه دون دراية منه، حتى وجد نفسه ذات يوم يتساءل هو نفسه: إذا كان المنام ضربًا من الوهم؟ فما الذي يمنع أن تكون الحياة ضربًا أكبر من الخيال السقيم؟

صار الغزالي لا يفرق بين المنام واليقظة، فما بالنا ونحن نائمون تحدث لنا أمور ونظن أنفسنا يقظين، فبدأ يشك الغزالي في حواسه التي قد تجعله يظن أن يقظته منام ومنامه يقظة!

إضافة لهذا الشك في الطريق لإدراك الحقيقي، كان شكه في إخلاصه، كيف به وهو اليتيم الفقير الذي التحق بالعلم والفقه من أجل الجراية والطعام والمال والتقرب من السلطة، وقد قال إلى متى الانغماس في ما لا ينفع وترك الاستعداد للآخرة؟ وظن بنفسه كما كتب في كتابه المنقذ أنه ما فعل وما كتب إلا من أجل المال والجاه والصيت، كان يمقت حياته وإنغماسه في العلائق وترك الإخلاص والاستعداد للآخرة إضافة لمحنته مع الشك في حقيقة الإدراك، لقد شك في كل شيء، لقد أعياه الشك فارتمي مريضًا، لا أحد يعرف مرضه إلا هو، هو وحده من فقد معنى الحياة وبريقها، هو وحده من ظن بأنه العارف العالم يرى الآن ظلمات الجهل والشك تحيطه، عاش بعزلة عن الناس ببيته مريضًا، أو متمارضًا فلم يعرف الحكماء ما بأبي حامد، حاول أبو حامد أن يذهب للمدرسة ويعلم الناس المختلفين عليه بالمنزل ينتظرون حديثه الفصيح الجميل الرائق، إن الناس تأتي من كل حدب وصوب يسألون عنك يا إمام؟

خرج ليطيب خاطر الناس والطلاب، كانت المدرسة مزدحمة ونظرات الشوق لكلامه ودروسه تظهر على الجميع، يتشدقون العلم من جاهل، والحقيقة من ضال تائه.. أليس كذلك يا محمد؟!

حاول أبو حامد أن يخطب كما كان يخطب، أن يجلجل كما كان يجلجل، أن يملأ بغداد بفصاحته كما كان يملؤها، أن يتحدث الناس أسبوعًا كاملًا عن فصاحته وقوة حجته كما كانوا يتحدثون، ولكنه خرس! لم يستطع الكلام! همهم الناس بقلق وتوجس، أبو حامد يحاول الكلام ولا يجيده، حبس الكلام بصدره، هرول الإمام من مدرسته وانزوى بعيدًا عن الناس، ماذا حل بالإمام؟ لا حول ولا قوة إلا بالله… هل خرس الإمام؟

لقد كانت الصدمة النفسية والعقلية بالنسبة للغزالي أكثر من تصورنا، كان كل من حوله لا يعرفون ماذا حّل به؟ تبكي زوجته ويقلق أولاده ويهرول أخوه نحو الحكماء، ولكن لا أحد يعرف ما بالغزالي إلا الغزالي ولو لم يكتب أبو حامد كتابه المنقذ من الضلال لما عرفنا اليوم ماذا حّل بذلك الرجل؟ كان لا يتكلم ولا يأكل.. نظرة حزينة فقط هي ما تعبر عما يجيش بالغزالي وحاله.

يتحدث البعض عن أشياء حدثت للغزالي في هذه الأثناء منها ظهور شيخه الجويني له وأنه بلغه بذلك الخرس المؤقت، أما ما ذكره الغزالي أن الله أخرج من قلبه العلاقة والتعلق، بالمال والجاه والأهل والزوجة والولد، فغادر بغداد لرحلة الحج بمباركة من الخليفة والعلماء، ودعه حشد كبير من محبيه وطلابه، وأثناء الطريق نظر الغزالي لبغداد مودعًا لأيامها الجميلة ولأهله وزوجته وأولاده ولم يأخذ طريق مكة بل صار سائحًا لغير وجهة، يريد قطع العلاقة حتى بالجهة والمقصد.

ذهب ناحية الشام المحتلة والأقصى الأسير، كان يريد مكانًا يشبهه، هو المحتل الأسير من الشك، يريد الحقيقة، يريد أن يعرف الفرق بين اليقظة والنوم، بين الظلام والنور، هو من شجع على التفكير والشك صار صريع الشك سقيم فكره ورحلته.

يذكر أن الغزالي مكث مدة بالمسجد الأموي بالشام وهو معقل صوفي للدراويش والسائحين وأهل السلوك والطريق، هل هذا مكان صاحب مقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة ومعيار العلم، هل هذا هو الطريق للحقيقة؟

تأخر الغزالي وظن الناس بأن الباطنية نالوا منه كما ينالون من الناس، عمل أخوه الصوفي أحمد الغزالي على رعاية أسرة محمد، وخاصة عندما تهددوا بالتشرد لأن منزل الغزالي تابع للمدرسين ولا يصح أن يمكث فيه إلا المدرسون، فعمل أحمد الغزالي بالمدرسة من أجل رعاية أسرة أخيه.

كان الناس يذكرون أنهم رأوا الغزالي في الشام، وآخرون رأوه بالقدس، وغيرهم رأوه بالصحراء سائحًا على بغلته، وغيرهم رأوه بالحج بمكة المكرمة، عاد الغزالي بعد عشر سنين من السياحة في الأرض بعدما أتمم الحج، كان أطول حج هو حجك يا غزالي.

عاد لزوجته وأولاده بعد عقد من الزمان، الشيب بدأ يغطي رأسه، لقد بدا أكثر تواضعًا في ثيابه، لم يعد أخرس، لقد عاد الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي مجدد القرن الخامس.

قال بكتابه المشهود المنقذ من الضلال يصف اليقين الذي ألقاه الله بصدره بالنور، شيء يأتي من خارج هذا العالم، وقال أيضًا “وإنما فائدة العقل وتصرفه أن شهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يُدرك بعين النبوة، وأخذ بأيدينا وسلّمنا تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى المستحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى هاهنا مجرى العقل ومخطاه، وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهُّم ما يلقيه الطبيب إليه”.

وقال يلمح على ما عرف من علوم الصوفية الباطنية بعض الشيء: “فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغث، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم!”.

بدا الغزالي درويشًا من أهل الطريق، نظر لأخيه الذي عمل بالمدرسية ليعيل الأسرة ويحفظ البيت قائلًا: طلبنا العلم لغير الله “يقصد المال” وأبى العلم ألا يطلب إلا لله.

عمل الخليفة والوزير على أن يرجعاه للمدرسة ولحالته الأولى ولكنه رفض وفضل العزلة، كتب وقتها العديد من الرسائل الصوفية، أعلن عن كتابه إحياء علوم الدين الذي كتبه أثناء رحلته وكتابه المنقذ من الضلال الذي يشرح سيرته مع الشك، عمل مدرسًا تحت إلحاح الحكومة بمدرسة نيسابور الجديدة، أحب أن يرجع لنيسابور موطنه الأول، هل عرف الغزالي الحقيقة من خلال التصوف؟

سألوه عن هذا فأجاب في غموض:

قد كان ما كان مما لست أذكره … فظن خيرًا ولا تسأل عن الخبر!

كان أبو حامد يرى أن الحقيقة في الـ”ما وراء” وليست ظاهرة عبر تلك الألفاظ والمعاني، وقد اعتبر أن التصوف هو مرحلة يصل إليها العالم، كان يقول من تصوف قبل العلم خاطر بنفسه!

كان يهزأ بالأقوال وفصاحته القديمة قائلًا: الصوفية أرباب أحوال لا أقوال.

ويقول إن الصوفية يقعون تحت حرج اللفظ الذي لا يفي ذرة واحدة مما تكون عليه أحوالهم؟!

لقد صار أبو حامد صوفيًّا لقد ذكر بوضوح أن بحثه عن الحقيقة وصل إلى أن الصوفية سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق!

رحم الله مولانا أبا حامد الغزالي، مجدد القرن الخامس، ذلك القرن الذي يعج بالفتن والحروب والتقاتل والجهل، وأختم بمقولته الخالدة: الشك أول مراتب اليقين!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب المنقذ من الضلال
كتاب اللامعقول وفلسفة الغزالي
مؤلفات الغزالي لعبد الرحمن بدوي
الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه يوسف القرضاوي
عرض التعليقات
تحميل المزيد