لم يكد الفلسطينيون أن يتعافوا من خبر استهداف رئيس الوزراء رامي الحمد الله، ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء ماجد فرج في غزة الثلاثاء الماضي، حتى استيقظوا على صدمة جديدة عنوانها خلاف بين الحكومة الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية حماس، فجرها عباس بتصريحاته النارية ضد الأخيرة محملًا إياها «المسؤولية الكاملة عن الحادثة»، في ما وصفه بـ«العمل الجبان»، جاء ذلك خلال اجتماع عقده الرئيس الفلسطيني مع القيادة للتهنئة بسلامة الحمد الله وفرج الاثنين 19 مارس (آذار) 2018.

أزمة جديدة بالتأكيد ستلقي بظلالها على عملية المصالحة الوطنية التي بدى وكأنها قطعت شوطًا طويلًا في الأشهر الماضية، ولعل قارئ الخبر لأول وهلة يعتقد أن إطار الموضوع ينحصر في الداخل الفلسطيني، لكن الممحص في توقيت هذا القرار وما قد يحمله من تداعيات لا بد أن يتساءل عن إمكانية وجود علاقة بين التضييقات الأخيرة على القطاع، وبين حيثيات ما يسمى «صفقة القرن»، وسط حديث متصاعد عن ضغط عربي- أمريكي على الجانب الفلسطيني للقبول بهذه التسوية.

حماس.. خيارات محدودة

ويبدو أن أبا مازن لا يقف وحيدًا، فقد أكد مجلس الوزراء حسب موقع رام الله الإخباري في جلسته الأسبوعية التي عقدها يوم الثلاثاء في رام الله أن الاستهداف هدفه «القضاء تمامًا على الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة» كما حمل حركة حماس «المسؤولية الكاملة» عن الحادثة.

كما ذكر بيان للحكومة الفلسطينية، يوم الثلاثاء: «يطالب مجلس الوزراء حركة حماس بتسليم قطاع غزة دفعة واحدة»، مؤكدًا «استعداد الحكومة لتسلم مسؤولياتنا كافة كاستحقاق وطني، ومتطلب أساسي، لنجدة غزة من المخاطر التي تحدق بها، ولتفويت الفرصة على إسرائيل للاستمرار في الانقسام، وفصل قطاع غزة عن الوطن» موقع عربي suptnick.

اتهامات ضيقت على حماس خياراتها، كما أشار عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني في تصريح لإذاعة «صوت فلسطين» الرسمية صباح يوم الثلاثاء فـ«إما اتخاذ موقف صريح وقرار واضح بما يخدم المشروع الوطني، أو أنها تصر على الانقلاب ما سيضطر السيد الرئيس محمود عباس لاتخاذ إجراءات للحفاظ على المشروع الوطني».

خيارات لا يبدو أن حماس ستذعن لها في القريب العاجل، بل إن مسار الأزمة على ما يبدو سيتجه إلى مزيد من التصعيد، حيث دعت الحركة في بيانها «لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومجلس وطني؛ كي ينتخب الشعب قيادته ومن هم أهل لتحقيق الوحدة وتحمل المسؤولية ورعاية مصالحه» واصفة تصريحات الرئيس الفلسطيني بـ«السلوك غير الوطني».

وقد لا يقف سقف التداعيات عند الخلاف الفلسطيني- الفلسطيني بل ويتعدى، فما يعيشه القطاع من ظروف إنسانية صعبة ناهيك عن الضغط الإسرائيلي الذي سيجر الحركة نحو «معركة فاصلة مع إسرائيل ستكون نتائجها كارثية على الجميع؛ خاصةً أن الحاضنة الجماهيرية للمقاومة ضعيفة ومنهكة» كما أشار المحلل السياسي ذو الفقار سويرجو لموقع إرم نيوز، معنونًا ما سيحدث في الأيام القادمة بـ«الحقبة جديدة» التي سترسم واقعًا سياسيًّا مغايرًا للقضية الفلسطينية على حد قوله.

هل أحرقت جسور المصالحة الوطنية؟

خطاب الرئيس خلط الأوراق، وأعاد مصالحة لطالما انتظرها الشعب الفلسطيني إلى نقطة الصفر، فحربه الكلامية على حماس إن لم تبدد جهد سنوات من العمل، فإنها على الأقل ستساهم في تعطيل مسار الوحدة الوطنية بشكل كبير، ورد بيان الحركة على اتهامات الرئيس: «في الوقت الذي حرصت فيه حماس وبذلت كل جهودها لتحقيق وحدة شعبنا في مواجهة المؤامرات المتربصة بقضيتنا الوطنية وحقوقنا الثابتة، تفاجأنا بالمواقف التوتيرية لعباس» حسبما أوردت وكالة قدس برس إنترناشيونال للأنباء.

وأكدت أن تصريحات عباس «تحرق الجسور، وتعزز الانقسام، وتضرب وحدة شعبنا وعوامل صموده في الداخل والخارج، وتخلق مناخات تساهم في دعم مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التصفوي لقضيتنا الوطنية».

وساند حماس في موقفها بقية الفصائل، التي دعت الثلاثاء إلى تدخل مصري «عاجل» لوقف أي اجراءات قد تتخذها السلطة الفلسطينية ضد القطاع، واغتنام ما أسمته «الفرصة التاريخية» للانتقال إلى الوحدة الوطنية، حسب موقع الوطن الكويتي.

إجراءات أبي مازن.. عقوبات لحماس أم تقويض لمعارضة محتملة لصفقة القرن؟

لم يعد يخفى على أي متابع -ولو سطحيًّا- للقضية الفلسطينية مصطلح ما يسمى بـ«صفقة القرن»، وعلى الرغم من تكشف هذه الصفقة أكثر في السنة الأخيرة إلا أن معطيات المرحلة الراهنة تؤكد أن الصفقة كانت على طاولة البحث منذ ما يفوق العقد من الزمن (هو ما يثبته تسريبات قناة مكمليين على يوتيوب عن ما دار بين الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ونتنياهو) وربما أكثر.

تسارع وتيرة الأحداث والمعطيات الإقليمية والدولية مؤشر آخر على بلوغ الصفقة مراحلها الأخيرة، كما أشار المبعوث الأمريكي لعملية التسوية في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، الثلاثاء مؤكدًا أن إدارة بلاده تقوم حاليًا بـ«وضع اللمسات الأخيرة على خطة للسلام، والتي سوف تقدمها عندما تكون الظروف مناسبة»، في إشارة إلى «صفقة القرن»، حسب ما ذكره موقع رام الله الإخباري. تسارع قد يكون مبرره خوف إسرائيلي من عزل ترامب، أو تغيير في موقف الإدارة الأمريكية، فما إمكانية أن يلعب أبو مازن دورًا محوريًّا في فرض هكذا تسوية غير عادلة على الشعب الفلسطيني؟

خيار قد يستبعده كثيرون، بأن يختم الرئيس الفلسطيني حياته السياسية (الخالية أصلًا من أي إنجاز يذكر) بهكذا فضيحة وسط تقارير تؤكد رفضه القاطع لها قولًا واحدًا، لكن ما ترجحه الأكثرية أن هذه التوجيهات تأتي على خلفية نية مبيتة من عباس بهدف القضاء على حركة حماس وسلطتها على القطاع، وتحقيق ما يسميه رؤية «سلاح واحد، سلطة واحدة، وقانون واحد».

«سياسة التفرد في القرار والمصير، والإقصاء لكل صوت معارض -حتى داخل القيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير- التي يصر عليها عباس، تفرش السجادة الحمراء لـ(صفقة القرن)، والتي سيكون هو نفسه أول ضحاياها بعد استدراجه لمربع اختزال كل ما تتعرض له القضية الفلسطينية في خلافه السياسي مع حركة حماس» عز الدين إبراهيم عربي21.

فما أسماه أبو مازن بـ«إجراءات قانونية ومالية من أجل المحافظة على المشروع الوطني» إن صح وصفها بشيء (غير الانتحار السياسي) فهو عدم المبالاة، أتت لتصب الزيت على النار وتزيد من عزلة القطاع المنهك أصلًا من حصار الإسرائليين له، وسط مشهد فلسطيني شديد الالتهاب لا يقبل أي مساومة، أو حتى اختلاف.

غزة.. العقبة الكبرى في تمرير صفقة القرن

سؤال تجيب عنه الجغرافيا أكثر من السياسة، فالناظر في خريطة فلسطين لا بد أن يسترعي انتباهه موقع القطاع الذي لطالما كان مصدر إزعاج لدولة الكيان. ولا تخفى أهميته في تمرير صفقة القرن التي تسعى إلى تأسيس وطن بديل في شبه جزيرة سيناء، فيما يتم ضم الضفة الغربية إلى الأردن. فقد كشفت قناة الجزيرة أنه في عام 2003، صدر أول مطالبة إسرائيلية بتوسيع حدود قطاع غزة 50 كيلومترًا لتصل إلى العريش، وهو ما أكده سكرتير مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجنرال غيورا إيلاند حينما طالب مصر في العام الموالي بالتخلي عن 60 ألف كيلومتر مربع من سيناء لتوطين الفلسطينيين.

مشروع مهد له عباس الأرضية بشكل كبير بحرب تكسير العظام التي اختار أن يشنها ضد حماس والقطاع، كما أشار المتحدث باسم لجان المقاومة الشعبية أبو مجاهد في حديثه لموقع الجزيرة، واصفًا ما فعله عباس بـ«وصفة لانهيار المصالحة» ومحاولة لتمرير «صفقة القرن».

 صفقة لا بد أن تمر أولًا بتقويض سلطة القطاع المتمثلة في حماس التي لم تترد في الرد بشكل صارم على الرئيس، وهي المدركة لمدى خطورة الموقف:

«ما يفعله عباس تعزيز لفصل الضفة عن غزة، والذي يمهد لتنفيذ مخطط الفوضى، الذي يمكن من خلاله تمرير صفقة القرن ومخططات ترامب ومشاريع الاحتلال الصهيوني».

فأي مستقبل ينتظر القضية الفلسطينية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد