جاء الفصل من قبل الناطق الرسمي باسم تنظيم الدولة الاسلامية: أبي محمد العدناني، الذي أعلن في كلمة صوتية له أمس الثلاثاء عن مقتل الرجل الثاني في التنظيم المكنى بأبي معتز القريشي، والمعروف أكثر بأبي مسلم التركماني. أكثر من مرة أعلنت فيها الحكومة العراقية ونظيرتها الأمريكية عن مقتل أهم رجل بعد زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي، ولم يأت الرد على تلك الادعاءات من الجهات الرسمية الجهادية.

ففي 13 من شهر مايو 2015م أعلنت وزارة الدفاع العراقية عن مقتل الرجل الثاني في قيادة تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يعرف بأبي علاء العفري “الحاج معتز” في ضربة جوية للتحالف شمال البلاد، لكن الخبر اليقين جاء بعد 3 أشهر حين أكد البيت الأبيض، يوم الجمعة 21 أغسطس/اب 2015م مقتل فاضل أحمد الحيالي، المعروف بـ”الحاج معتز”، إثر غارة جوية أمريكية يوم الثلاثاء 18 من نفس الشهر قرب مدينة الموصل بالعراق.

شحيحة جدا المعلومات المتعلقة بالرجل المكنى بخمس كنى، كما يذكر أنصار التنظيم وهي: حجي معتز، أبو مسلم التركماني، علي العفري، أبو معتز التركماني، المعتز بالله القريشي، حتى أن الروايات الحكومية الرسمية والتقارير الإعلامية التي تحدثت عن الرجل جانب أغلبها الصواب، حسب تغريدات الموالين لتنظيم الدولة الإسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي.

فبحسب السيرة الأسطورية المتخيلة للتركماني التي نسجتها مخيلة الأجهزة الأمنية العراقية والصحافة العربية والدولية، فإنه عراقي الجنسية، حيث ولد في منطقة الحضر، التابعة لمنطقة آل هدار التي تبعد 80 كم جنوب مدينة الموصل بمحافظة نينوى العراقية، وتعلم في مدارس مدينة الموصل، والتحق بجامعتها، ودرس الفيزياء، وبعد تخرجه، تم تعينه مدرسا لمادة الفيزياء في مدينة تلعفر العراقية بمحافظة نينوى، وقد تبنى الأفكار الجهادية في فترة مبكرة من عمره، وسافر إلى أفغانستان عام 1998م، ثم عاد إلى العراق عقب الاحتلال الأمريكي 2003م بعد تأسيس أبي مصعب الزرقاوي لجماعة التوحيد والجهاد، ثم الانضمام لتنظيم القاعدة 2004م، ليصبح قيادياً بارزاً في الدولة الإسلامية.

لكن نقلا عن بعض الجهاديين الذين كتبوا عن سيرة أبي معتز القريشي، لم يكن مدرسا للفيزياء ولا للكيمياء، بل لم يثبت أنه تبنى الأفكار الجهادية في فترة مبكرة من عمره وسافر إلى أفغانستان سنة 1998م وبايع تنظيم القاعدة بقيادة أبي مصعب الزرقاوي سنة 2004م، ما يجعلنا نقف وقفة تأمل أمام هذا الكم الهائل من المعلومات الخاطئة عن الرجل.

أبو معتز القريشي

أبو معتز القريشي واسمه الحقيقي فاضل أحمد عبد الله الحيالي من مواليد 1959م من قضاء تلعفر الواقع غرب الموصل، وينحدر من عشيرة عراقية كبيرة ومعروفة، ووالده أحد زعماء العشائر المعروفين بالثراء والوجاهة الاجتماعية في العراق.

 

كان ضابطا برتبة مقدم في الجيش العراقي، وعمل بوحدة الاستخبارات العسكرية كما عمل كضابط في القوات الخاصة في الحرس الجمهوري، ثم أصبح برتبة عقيد بالجيش العراقي، وكان في الفيلق الثالث الذي تولى مهمة تحرير جزيرة الفاو العراقية في 17 أبريل 1988م، كما شارك في حرب الخليج الثانية 1990-1991م، والحرب العراقية الأمريكية الأخيرة عام 2003م.

قيل إن توجهه الإسلامي ظهر أيام خدمته العسكرية في السنوات الأخيرة قبل سقوط نظام صدام حسين سنة 2003م، واعتقل من قبل الأميركيين، وأودع سجن بوكا في البصرة، حيث سجن في الكمب السادس، وهناك تعرف على قيادات القاعدة، ومن أبرزهم: أبي بكر البغدادي، وغيره من القادة اللذين أصبحوا فيما بعد على رأس الهرم.

خرج من السجن، وبدأ بتولي مناصب عديدة في دولة العراق الإسلامية، وكان له الأثر الكبير فيما وصلت إليه من قوة وصلابة في عملياتها ضد الاحتلال الأمريكي، حيث يُعتبر أحد ركائزها؛ بفضل ما عُرف عنه من ذكاء وقدرة عسكرية عالية ودهاء وقدرات قيادية وإدارية، وتأثيره على من حوله؛ لشخصيته القوية والمؤثرة.
كما كان أبو مسلم التركماني رفقة أبي بكر الانصاري ” حجي بكر ” وأبي عبد الرحمن البيلاوي وأبي مهند السويداوي وأبي أحمد العلواني يمثلون المجلس العسكري لتنظيم الدولة الاسلامية.

وحين أعلنت دولة العراق الإسلامية تمددها إلى الشام، أصبح دور الحيالي أكثر أهمية؛ حيث كُلف بالتنسيق بين العراق والشام، وكان من الشخصيات التي تسببت في تقوية قاعدة العراق؛ لكونه بالإضافة إلى أبي عبد الرحمان البيلاوي جناحي أبي مصعب الزرقاوي وأمناء سره.

ازدادت مسئولية الحيالي، بعد مقتل أبي بكر الأنصاري ” حجي بكر ” وأصبح الرجل ذو الأهمية الكبرى خلفاً للأنصاري، حيث شغل مناصب ذات أهمية كبرى من بينها مسئول الولايات في التنظيم، كما لعب دورا رئيسا في التخطيط لما حصل في الموصل في شهر يونيو من العام الماضي.

رئيس المجلس العسكري للتنظيم

أبو معتز القريشي وأبو عبد الرحمن البيلاوي كانا أصحاب الأثر الكبير في تقوية قاعدة العراق وتنظيم الدولة الإسلامية بتطوراته من العراق، إلى حين إعلان “الخلافة” التي زادت من المسئولية على عاتقه: حيث شغل منصب رئيس المجلس العسكري للتنظيم الذي كان يضم 9 شخصيات، من أبرزهم: أبا بكر الأنصاري ” حجي بكر ” وأبا عبد الرحمن البيلاوي وأبا مهند السويداوي وأبا أحمد العلواني.

وبعد مقتل البيلاوي الذي كان يشغل منصب المنسق في الولايات، تولى “القريشي” مسئولية إدارة مناطق تنظيم الدولة في العراق، بينما ظل أبو علي الأنباري ” أبو عبد الرحمن العفري ” المعروف بحجي إيمان مسئولا عن المناطق في الشام، وأصبح أبو معتز القريشي حينها الرجل العسكري الأول في الدولة في العراق، ثم فيما بعد الرجل العسكري الأهم في تنظيم الدولة الإسلامية، ككل بعد إدارته الاحترافية للصراع.

أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية أبا مسلم التركماني على لوائح الإرهاب، وقد رصدت مكافئة مالية لمن يدلي بمعلومات عنه؛ حيث إن برنامج “مكافآت من أجل العدالة”، بالوزارة أقر مكافأة بسبعة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
يبدو أن تنظيم الدولة الاسلامية قد خسر أخطر وأعظم رجل في صفوفه، بحسب سيرته التي يتناقلها أنصاره ومحبوه وبحسب منصبه الكبير داخله، ونعي العدناني شخصيا له، وما من شك أن التنظيم أصبح مخترقا في صفوفه الأمامية، فما مقتل أغلب المسئولين من قدماء مجلسه العسكري في المدة الأخيرة إلا دليل على ذلك.

 

كما أن مقتل التركماني ما من شك أنه هدف ثمين جدا وقد يكون مقتله ضربة موجعة للتنظيم، وفق ما أكده المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي نيد برايس، في بيان البيت الأبيض يوم 21 أغسطس/اب الماضي: من أن مقتله سيؤثر سلبا في سير عمليات التنظيم الجهادي؛ لأن دور الرجل الثاني لا يمتد نفوذه لتمويل التنظيم والإعلام والعمليات والدعم اللوجيستي فقط، بل كان المسئول عن العمليات في العراق، وساعد في التخطيط لهجوم المسلحين على الموصل في يونيو/ حزيران عام 2014م.

نظرة استشرافية

توقعات نتائج العملية من الجانب الرسمي الأمريكي خالفها سيث جونز، المسئول السابق بوزارة الدفاع الأمريكية والعامل حاليًا في مؤسسة راند، الذي قال “خبرتي في متابعة الدولة الإسلامية تشير إلى أنهم أظهروا القدرة على وضع الأشخاص في مناصب عندما يقتل مسئولون بارزون”، مضيفًا أن “مساحة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم هي العامل الأكثر الأهمية في تحديد قوته”.
ربما لا يزال التنظيم صامدًا ومحافظًا على مناطق نفوذه؛ لأنه تخلى عن الهرمية والمركزية والقيادة الأحادية في بنيته التنظيمية، وما صموده لأكثر من سنة رغم القصف الجوي من طائرات التحالف الدولي والقصف المدفعي من الجيشين العراقي والسوري، إلا دليلا على تمكنه من تكوين خلفٍ للقيادات البارزة التي تقتل وتجرح، ما يجعل عجلة التنظيم لا تتوقف باستهداف أحد قيادييه.

وربما كان استهداف أبي مصعب الزرقاوي، وأبي عمر البغدادي، وغيرهم من القيادات، الذين أحدث مقتلهم فراغًا سببا في قيام “الدولة الاسلامية” بتغيير الخطة المتبعة سابقا والتي ترتكز على الاعتماد على قياديين معينين دون تكوين أخرى جديدة لتصبح بعد تمددها إلى الشام تكوين قياديين في جميع الصفوف والاختصاصات؛ لتعويض الكوادر التي ستسقط في الحرب الطويلة.

لقد قال جميع دهاة السياسة والحروب في العالم من ماو تسي تونغ وصولا إلى كيسنجر “لا يحتاج المتمردون إلى الانتصار؛ لكي ينجحوا، ولكنهم فقط يحتاجون ألا يخسروا” فهل يمكن أن نقول إن تنظيم الدولة الإسلامية خسر معظم قياداته العسكرية من أصحاب الخبرة، أم أنه ربح قيادات أخرى تضاهيهم وتفوقهم بعد احتكاكهم بـ”أبي بكر الانصاري” ” حجي بكر ” وأبي عبد الرحمن البيلاوي وأبي مهند السويداوي وأبي أحمد العلواني؟

يمكن أن تكون الإجابة في الأيام القادمة لنرى قدرة التنظيم على الصمود أمام العملية العسكرية الكبيرة لتحرير محافظة صلاح الدين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد