من النادر أن يجمع الناس في مشارق الوطن العربي ومغاربه، بل حتى خارج هذا الوطن، على حب شخص، كما أجمعوا على حب محمد أبي تريكة! قلما تجد أحدًا ينظر إلى هذا النجم الرياضي نظرة سلبية، حتى خصومه ومنافسيه الرياضيين! فقد تحول أبو تريكة مع الوقت إلى شخصية رمزية يتفق الجميع على تقديرها واحترامها، بل أصبح عنوانًا لرفض الظلم وصب اللعنات على الظالمين.

الموضوع ليس مدحًا ولا تقديسًا لهذه الشخصية بقدر ما هو توصيف لحالة تستحق الوقوف عندها كثيرًا؛ لأن فيها من الدروس ما فيها. لعل أهم هذه الدروس في حالة أبي تريكة مقدار العجز الذي بدت عليه الماكينات الإعلامية المسعورة، التي كرست وقتًا كبيرًا لمحاولة تشويهه، بل إن حملات تبشيع وتقبيح وتشويه هذا الرجل الدمث الخلوق الطيب جاءت بنتائج عكسية تمامًا، فكلما زاد استهدافه ارتفعت أسهمه بين الناس ليتحول مع الوقت إلى رمز جماهيري يتسابق الناس لتكريمه والاحتفاء به، في حضوره وغيابه، بشكل عفوي وتلقائي في جميع المحافل والتجمعات، والمناسبات الرياضية وغير الرياضية، وحتى في معاقل الباغين أنفسهم.

هذه الحالة عرت الإعلام الذي يعمل ببطاقات الشحن المدفوعة مسبقًا؛ إذ بدا جليًّا أن وعي الناس أكبر من أن يغيره مرتزقة الإعلام، وأن كل هذا الضخ الإعلامي الموجه ضد هذا الشخص لم يحدث أي تأثير في نظرة الأغلبية المطلقة تجاه أبي تريكة، بل جاء بنتائج عكسية، إذ ازداد التفاف الناس حوله، وترسخت محبته أكثر وأكثر في القلوب. الإعلام سلاح خطير بلا شك، ولكن الاتهامات المفبركة والبروبوجاندا منزوعة الأخلاق والضمير لا يمكن أن تنطلي إلا على الجهلة والإمعات، ولا يمكن أن تنال من الجبال الشامخة مهما ارتفع ضجيجها.

من الدروس المستفادة أيضًا من «حالة» أبي تريكة القناعة بأن «الغباء» جندي من جنود الله، تصديقًا لقوله تعالى: «ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء»، وقد أصاب هذا الغباء هؤلاء القوم الموجهين بالريموت كنترول، لم يدروا أن حجارة زيفهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم التي يرمون بها هذه القامة الباسقة، جعلها تحت قدميه فارتفع، وكلما رموه أكثر ارتفع أكثر وأكثر، يكبر أبو تريكة في عيون الناس وهم يصغرون، يمطره الناس بدعواتهم بينما يمطرون هم باللعنات. خدمة كبيرة يقدمها هؤلاء لهذه الشخصية المحترمة من حيث لم يحتسبوا، حتى وإن كان في غنى عن خدماتهم.

ألصقوا به تهمًا بالجملة، وفتحوا مزادًا إعلانيا في معظم قنواتهم وفضائياتهم لمن يفتري عليه ويشتمه ويشوهه، وأصابهم السعار والجنون وقذفوه بالموبقات وأبشع الصفات، ومع ذلك لم يفلح إعلام «الطبلة» – حيث الصوت المرتفع والمضمون الفارغ- في إحداث أي تبديل في رأي الناس؛ لأن الأمر ليس بأيديهم بل بيد من بيده قلوب العباد.

«وألقيت عليك محبة مني»، هذه الآية الكريمة تختصر القصة كلها، لو كان خصومه يعقلون، ولكنها «عميت» عليهم بحكمة الله وتدبيره؛ فلم يفهموا مغزاها، ولم يدركوا أن الله تعالى هو من يزرع المحبة في القلوب، وهو الذي يحبط كيد الكائدين ومكر الماكرين.
ما ضر أبا تريكة كل هذا الافتراء وكل هذا الزبد الإعلامي المقيت مهما اشتد وتعاظم، ولو اجتمع أهل إعلام مسيلمة الكذاب كلهم بقنواتهم، وفضائياتهم، وصحفهم، وإذاعاتهم على قلب أفجرهم خصومة واتفقوا على محاولة تشويه صورة أبي تريكة فلن يقدروا، ولو تكالب كل المأجورين من هؤلاء على وصمه بأقبح الصفات والنقائص فلن ينتقص ذلك من مكانته ومحبته لدى الناس.

«مظلومية» أبي تريكة حببت فيه الناس أكثر وأكثر، وحتى لو لم يستطع الناس مواجهة الظلم فإنه سيظل مبغوضًا ومذمومًا في النفوس، وكلما أتيحت الفرصة للجماهير أن تعبر عن رفضها لهذا الظلم المركب، الذي أصاب هذا الرجل، الذي كان سفيرًا فوق العادة لبلده، ودينه، وأمته، في الرياضة والإعلام، وكانت أياديه البيضاء في كل مكان، فإن هذه الجماهير لن تتأخر في التعبير عن رفضها للظلم وإبداء تعاطفها ومشاعرها الصادقة نحو هذه الأيقونة.

• أبو تريكة خرج من عباءة كرة القدم ليصير رمزًا كبيرًا للثبات على المبدأ، وللصبر على ظلم ذوي القربى، بلاده التي جارت عليه ما زالت في قلبه ووجدانه، ولم يذكرها يومًا بسوء، وأهله الذين ضنوا عليه وظلموه ما زالوا أهله وإخوته وإن بغوا عليه. لم يترك فرصة لتمثيل بلاده إلا سارع إليها، ولم يترك منبرًا أتيح له إلا واستغله لتمني الخير والتوفيق لكل من يمثل بلده. لم ينجر يومًا للمهاترات الفارغة، ولم تفلح الأقلام «الوسخة» في جره إلى مستنقعها؛ فبقي كما هو «نظيفًا» ثابتًا لم يغير ولم يبدل. صورته تزداد نصاعة وإشعاعًا وتألقًا دون أن يسعى لذلك، في حين تزداد صورة خصومه بشاعة وقبحًا رغم ما بذلوه ودفعوه لتجميلها وتزويقها وتحسينها؛ لأن القبح فيها أصيل، ولا يمكن لكل الأموال ومساحيق التجميل في هذا العالم أن تستر هذا القبح.

يبدو أن الدقيقة ٢٢ ستصبح رمزًا لهذا الإنسان، بل ستصبح كابوسًا يؤرقهم في كل محفل أو حدث أو مسابقة، وأكاد أجزم بأنهم لو يستطيعون شطب هذه الدقيقة من عمر مباريات كرة القدم والمنافسات الأخرى لما تأخروا، الدقيقة ٢٢ – وهي رقم قميص أبي تريكة نفسه عندما كان لاعبًا- صارت توقيتًا ثابتًا للتعبير عن الرفض والاحتجاج الحضاري، ولإظهار التضامن والتعاطف مع أبي تريكة، هذا التوقيت صار يؤرق ويوجع هذه الغربان الناعقة والأبواق النشاز التي تبث زيفها وتخرصها، ويوجع معها الفئة الباغية التي تحرك هذه الدمى.

المحبة والاحترام أشياء لا تشترى، كم من نجوم كبار في عالم الفن والرياضة والأدب خسروا كثيرًا من محبة الناس واحترامهم، بل خسروا أنفسهم بسبب مواقفهم المؤيدة للظلم والظالمين؟ وكم منهم من خرب صورته بيديه حينما اختار طائعًا أن يصطف مع الظلمة والفسدة؟ وحدهم الذين وقفوا ثابتين في وجه العاصفة هم من يحافظون على رصيد محبتهم في وجدان الناس وفي ذاكرتهم الجمعية.

لعل أعمق وأجمل ما قيل في هذا الشأن قول أحدهم: من السهل أن تصبح مشهورًا، لكن من الصعب أن تصبح «أبا تريكة»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد