في بطرسبرغ، وعلى فنجال من القهوة أو لعلّه قدح آخر، حددّ مارك سايكس وجورج بيكو من نكون، ولأي أرض سننتمي وتحت أية راية سنحارب.

وستبدأ بعدها ولن تنتهي لعقود جدالاتنا الشرق أوسطية عن الأصول والمنابت والأحقية في الأرض وفي الإرث وفي عبور الحدود وسينسى الكثيرون أين بالضبط تبدأ الأرض وأين تنتهي .

لقاء جمع خصمين استعماريين على خارطة لا تعنيهم من قريب ولا من بعيد، ستغدو بعده سوريا ولبنان فرنسيتان بالكامل، وسيصبح الميناء في عكا والشاطئ في يافا إنجليزيًا، وسيمسي قيصر روسيا حامي الدين والإنجيل في في أقداس فلسطين.

جرّة قلم عشوائية وغدت الأرض الجديدة ساحة مستمرة لمعارك لا تنتهي.. خط أسود واحد وسنصبح بعدها أردنيّين فقط، ولبنانيين فقط، ومصريين فقط، وفلسطينيين فقط، وعراقيين وسوريين.

والآن وبعد مرور أكثر من 100 عام على رسم خطُ متعرج لم يقم وزنًا للانتماءات الدينية والثقافة ولا للتوزيعات القبلية ولا حتى للجغرافيا، يصل بنا الاعتزاز بالرقع الأضيق التي أريد لنا ننتمي إليها، أن نعيّر بعضنا البعض، وأن يقصي كل منا الآخر، وأن نبتعد أكثر عن الجذر، وننكر امتزاج عادات جيران الجغرافيا بطقوس أجدادنا، أو لعلهّم أجدادهم؟ كيف نرسم الحدّ اليوم بين هم ونحن؟ ومن يحددّ بدقة من ينتمي لأين؟ ولم تسكننا رغبة دفينة في ذلك؟

حكاية دنيئة كما يصفها جيمس بار في كتابه خط في الرمال حددت مصائرنا، نحن الذين لم نكن قد أتينا بعد، وشوّهت للأبد مفاهيم الأوطان الأكثر اتساعا وكرّست بخبث لموجات من الاتكاء على نعرات أسس لوجودها مزاج بريطاني وآخر فرنسي ارتأيا أن يبدآ الرسم من عكا (Acre)، أول حروف الأبجدية الإنجليزية وانتهاءً بكركوك، أراض سُيّجت بأهلها قبل أن تتغيّر الهوية وتتبدل الأسماء.

لكننا وبالرغم من حكايتنا التي نندب في الشرق، نشترك همّأ مع شعوب هجرّت وأخرى اندثرت، وبقية لا زالت تحرّكها دوافع الهمجية الإنسانية ونقاء الأعراق.

لكن…

من هم سكّان الأرض الأصليون؟

لأي أرض ننتمي؟ وكيف نقرر ذلك؟ أهي المدة الزمنية التي يقضيها شعب ما في مكان ما تحدد امتلاكهم للأرض والموارد؟ أم لعلّها آثار الحجر ومعالم الحضارة الأولى تبوح إن كان المكان مكانهم والأرض هم أوّل من استوطنها؟ وإن كان الحال كذلك، فكيف يمكن للعديد من سكّان العالم الجزم دون شكّ إلى أية حدود أو ما قبل حدود فعلًا ينتمون؟

تعرف وثائق منظمة اليونسكو العالمية السكان الأصليين Indigenous بأنهم وارثو الأرض، وممارسو الثقافات الفريدة التي تضرب بجذورها في الزمن، أولئك الذين احتفظوا بخصائص اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية، متميزة عن تلك التي جاءت بها أو فرضتها المجتمعات المهيمنة التي جاءت لاحقًا.

وبالرغم عدم إيراد المنظمة الدولية تعريفًا وافيًا لمصطلح الهيمنة إلا أن الكثير من المعاجم الحديثة وكتب التاريخ الإنساني والأنثروبولوجي تشير إلى أن الاحتلال واستملاك الأراضي بالقوة العسكرية أو التكنولوجية والغزو الفكري متبوعًا بسرقة الموراد وتضييق الخناق على السكان الأصليين، جميعها تقع ضمن الممارسات غير القانونية والأخلاقية الموجهّة لسكان أي رقعة في العالم. كما تقر منظمات حقوق الإنسان بأحقية من استوطنوا الأرض بمواردها وبأن ينسبوا إليها، حق يعادل في أهميته إن لم يفق الاعتراف بمورثوهم الحضري والشعبي.

يمرّ بالبال الآن صحن الحمص الذي جاء وصفه على قائمة المطعم المجاور لفندقي في العاصمة الهنغارية بودابست بأطايب إسرائيل.

إذًا، إن اعتمدنا تعريف اليونسكو أعلاه لسكان الأرض الأصليين فماذا يجعل ذلك مناّ؟ عربًا وشرق أوسطيين وشعوبًا أمليت عليها الحدود والانتماءات الجغرافية؟ وكيف يمكننا يومًا أن نتوافق فكريًا وفلسفيًا مع ما تنص عليه مفاهيم العالم الأكثر تحضرًا وحقيقة أن مزاجٍ غربي ومطامعه جادت علينا بأجزاء من أراضينا ؟ وكيف كنا قبل أن تظهر الدول كما تعرفها هذي الأجيال؟

تدرج القوائم الدولية المتفق عليها اليوم عدة أجناس على أنهم سكان الأرض الأصليون، وتعترف بمعاناتهم اليومية في تثبيت أقدامهم على الأرض وغرس أظفارهم في التراب، لكنها تغفل عمدًا أسياد الأرض في القدس وفلسطين بصبغتهم العربية وتأتي خجولة على ذكر أبناء كنعان كـ مستوطنين استقروا في الأرض ومضوا قبل أن يحط المقام بالسكان الأصليين من بني إسرائيل في أرض الميعاد .

وإن كان من معايير المنطق لإثبات انتماء المرء لمكان وأحقيته في سكناه بأن يكون أجداده وقد ولدوا هناك، فلم نجح العالم الجديد في بعض دول أوروبا وفي أمريكا الشمالية في تكريس مفهوم مختلف لمن يقول أنه من أهل المكان؟ ولم نترحم لا زلنا على ممالك كانت لنا دخلناها فاتحين؟

لبث العرب في أندلس الأمس وإسبانيا اليوم أكثر من 700 عام ونيف، لكنهم حين حكموا أيبريا لم تكن المنطقة قد خلت من قبائل البربر والقوط، قاطني الأرض الأصليين، لكنّا ما برحنا نشير للممالك المستعادة بأراضينا الضائعة مسقطين الأجناس التي سكنتها قبل وصولنا.

بالنسبة للعديد من الأمريكيين من أعراق متباينة، فإن الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) لكل عام هو احتفال بنشوء وطنهم كما يعرفونه، احتفاء بالإيطالي ورحلته التي غيرت شكل العالم، يحتلفون بيوم كريستوفر كولومبوس مستذكرين سفينته التي رست في 1492 على شواطئ العالم الجديد والذي لم يكن جديدًا على الإطلاق كما باتت الاجيال الحديثة تعلم وتدرك. واليوم فإن عددًا متزايدًا من المدن والولايات والجامعات الأميريكية باتت تعدّل من مفاهيمها وتستبدل اسم يوم كولومبوس بيوم الشعوب الأصلية، بعد أن أدركت أنها لم تكن بذرة النشأة، وأن شعوبًا عديدة سكنت الأمريكيتين منها الفايكنج والذين استقروا في الأرض قبل خمسة قرون من ظهور كولومبوس وسفينته، وأن مفهوم سكان الأرض الأصليين كما عهدته لعقود لم يكن إلا كذبة خدمت مستعمري أوروبا المرتحلين للأرض الموعودة بثقافاتهم وأعراقهم وتاريخهم التي شكلت الولايات الأمريكية المتحدة كما نعرفها اليوم.

ولعلّ سفنًا جديدة أو قد تكون أقمارًا هذه المرة تأت بسكان جدد من أماكن بعيدة ليستأثروا بما نبني اليوم لتصبح أرضهم غدًا.

لا أحد يملك الأرض للأبد.

لعلّ قناعة كهذه، مدعومة بمنطق التعاقب الطبيعي وتطور الحياة البشرية كما نعرفها كفيل بجعلنا أكثر وعيًا وحسًا، ولعلها تجعلنا أقل شراسة في الحروب الفعلية والكلامية نخوضها ضد من يقطن خارج حدودنا، ضد من نعتبره الآخر، ومن نتغطرس عليهم بصفتنا وارثي الأرض والموارد، ومالكي الحق الأوحد في مساحات لم يفصلها عن غيرها من الجوار الجغرافي والثقافي والتارخي سوى خطوط وهمية لو حركت بضعة إنشات، لوجد الجميع أنفسهم يهتفون لراية أخرى بألوان مختلفة.

أفكرّ في هذا وغيره وأنا أتتّبع مشاهد من أعمال عربية تعيد إنتاج أساطيرساذجة عن الأرض وعن العودة الحتمية لـعرق بعينه، لا يرى فيهم إلا أبواقًا وأكوامًا من الورق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد