في الوقت الذي كانت فيه السينما في مصر –منذ أواخر الثلاثينات والأربعينيات والخمسينيات– تعج بموضوعاتها وأفكار سيناريوهاتها المقتبسة –أو المسروقة– لو أردنا لفظًا أشد قسوة، كان الأبياري السيناريست الذي خرج عن القاعدة، ففكر وأبدع، إذ كان الشائع في بدايات السينما في مصر في تلك الفترة هو الاقتباس من السينما الأمريكية بحيث أصبح لكل فيلم أمريكي قرينه تقريبًا المصري، فلم يجد الكاتب حينها حرجًا ولا حياءً في أن ينسب الفيلم لنفسه فلا يشير إلى أنه مقتبس، كانت هذه هي السمة السائدة بالنسبة لكتّاب السيناريو خلال هذه الحقبة، إلا أن أبا السعود الأبياري كانت لديه الموهبة التي تنذر بفترة جديدة وعهد جديد في مجال كتابة السيناريو، يمكنك الرجوع إلى كتاب «السيناريو والحوار في السينما المصرية» للعبقري مصطفى محرم حتى تتعرف إلى بدايات السينما في مصر، وبالأخص بداية فن كتابة السيناريو.

إذ كان الشائع في بدايات السينما في مصر في تلك الفترة هو الاقتباس من السينما الأمريكية بحيث أصبح لكل فيلم أمريكي قرينه تقريبًا المصري.

استطاع أن يصل بأسلوبه السهل الممتنع إلى أعماق الشخصية المصرية، يجسد تفاصيلها وتعابيرها وخلجات نفسها عبر مجموعة ليست بالقليلة من الأفلام، يكتبها عشقًا وحبًّا وفنًّا وإبداعًا، يستخدم في حواراته المصطلحات المصرية السهلة، ربما كانت عبقريته تكمن في سهولتها هذه، ونجاحها يكمن في بساطة مفرداتها، هو أبو السعود الأبياري صاحب «عفركوش ابن برطكوش» ومصطلحات أخرى التصقت في وجدان المجتمع المصري وترسخت في عقله إلى أن باتت جزءًا أصيلًا من وجدان الشخصية المصرية.

لك أن تتخيل معي كاتبًا وسيناريستًا كان توأمًا لإسماعيل يس –توأمًا فنيًّا– لو صح هذا التعبير، فكتب له معظم أفلامه ومونولوجاته وأغانيه أيضًا، كتب لشادية وليلى مراد وفريد الأطرش، شارك نجاح محمد فوزي وفاتن حمامة وعبد الحليم حافظ، هو الذي اكتشف لبلبة، وأعطى أول بطولة لعادل إمام وميرفت أمين، رجل بهذا القدر استطاع أن يترك بصمته في صناعة السينما والأغاني والفن بشكل عام في مصر، يا نجف بنور يا سيد العِرسان.

 رجل بهذا القدر استطاع أن يترك بصمته في صناعة السينما والأغاني والفن بشكل عام في مصر.

كتب الأبياري أكثر من 500 فيلم، تخيل الرقم! وكل هذه الأفلام هي أفلام ناجحة عظيمة عبقرية تركت في عقول المصريين وأذهانهم ما تركت، من منا لم يضحك على نكات إسماعيل يس ومواقفه في أفلامه العبقرية، فجيلنا هذا والذي قبله والذي قبله وحتى الأجيال القادمة تربت وستتربى على سينما هذه الفترة وأفلامها، سلسلة «إسماعيل يس في…»، والذي كتبها الأبياري شاهدتها مرارًا وأشاهدها وسأظل هكذا دونما ممل، فكلما شاهدته وكأني أراه لأول مرة، لهذه الدرجة استطاع الأبياري أن يدخل عقولنا ووجداننا بكل ما كتبه، أكثر من 300 أغنية ومونولوج وأكثر من 75 مسرحية، هذه الأرقام تؤكد أن الأبياري كان فنًّا في حد ذاته، كان رجلًا افتقدناه وافتقدته السينما المصرية فعلًا، كاتبًا وشاعرًا لو تعلمون عظيمًا.

أكثر من 300 أغنية ومونولوج وأكثر من 75 مسرحية، هذه الأرقام تؤكد أن الأبياري كان فنًّا في حد ذاته.

«يا صفايح السمنة السايحة، يا براميل القشطة النايحة، يا حلو.. يا لوز» أستطيع أن أقسم ثلاثًا أن هذه الجملة التي سيقت على لسان الفنان الجميل عبد الفتاح القصري –رحمه الله– قد طبعت في وجدان المصريين تمامًا لأنها منهم، ولأن الأبياري الذي كتبها أحدهم، فهو الذي كتب على لسان ليلى مراد: «يا رايحين للنبي الغالي، هنيالكم وعقبالي».

أستاذ الكوميديا ونهر الفن المتدفق، الجبل الضاحك أبو السعود الأبياري، سيبقى خالدًا حيًّا بأفلامه وأعماله الكثيرة العظيمة، فلو جلست ذات مساء ورقّ قلبك وحنّ لأيام الزمن الجميل، وأمسكت «ريموتًا» وقلبت، أو «كيبوردًا» وبحثت عن أحد الأفلام «الأبيض والأسود»، لإسماعيل يس، شادية، محمد فوزي، فريد الأطرش أو حتى شكوكو لن تخلو هذه الأفلام ولا غيرها من بصمة للأبياري، إما كتابة للسيناريو وإما للأغاني والمونولوج، فهو الذي عشق الفن فأعطاه، أعطاه حبه ووقته وإيمانه، هذا الإيمان الذي يجعلنا نضحك من قلوبنا على جملة كتبها الأبياري صدقًا منذ أكثر من 70 عامًا، ألف رحمة ونور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد