بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013 أصبحت ألوان الأحداث والمواقف ألوانًا صريحة واضحة لا خلط فيها ولا مزج، ألوان تصرخ بحقيقتها وحقيقة الأشياء، فهل تغيرت رؤيتنا للأمور أم أنها لحظة المكاشفة والتنوير كما يسميها النقاد في تحليلهم لبناء القصة القصيرة تحديدًا؟ لا بأس فالحياة ذاتها قصة قصيرة جدًّا.

ولحظات المكاشفة تتسارع لتكشف لنا في وضوح كنه القصة وأصلها وما خفي علينا من تفاصيلها التي لم نعِها. فلماذا نتعجب الآن من تعيين نموذج كأحمد أبو الغيط أمينًا عامًّا لما يسمى بجامعة الدول العربية التي شيدت أصلًا بأوامر إنجليزية صريحة. فلم نسأل أنفسنا يومًا لماذا؟ ولماذا يسعى «الاستعمار» إلى تكوين تجمع عربي «قومي» بل لماذا يحرص على بناء جيوش نظامية في هذه الدول التي كان يراها ملكًا له ولماذا قَبل الرحيل هكذا بكل هدوء؟ ولماذا لم نقف لنسأل أنفسنا تلك الأسئلة؟ ولماذا ركنَّا إلى الإجابات السهلة المريحة وتلقفنا مواقف وأحداثًا تكفنا عناء المثابرة والجهاد والإصرار على الحرية لا على بدائلها ومشتقاتها أو على حيل وهمية تشبع رغبتنا في الوصول لها، أو بالأحرى وصولها إلينا بشكل أيسر وأسرع مما هو مطلوب أن نعيشه ونلاقيه ونكابده وأن نصبر عليه؟ لماذا تصورنا المعارك كلها حلمًا عشناه خلال ثمانية عشر يومًا في ميدان التحرير؟ ولماذا ابتهج آباؤنا وأجدادنا قبلنا بكذبة سميت بثورات التحرر العربي كحركة الضباط الأحرار أو ما سمي بثورة يوليو 1952 ورحبوا بما قيل لهم ولم يقفوا كثيرًا عند أمور كان يجب أن يقفوا عندها. هل يتغير واقع صنع على عين الإحتلال لأكثر من سبعين عامًا بكل تلك البساطة على يد مجموعة من الشاب لم يتجاوز عددهم عشرين فردًا ولم تتجاوز أعمارهم ثلاثين سنة في غياب الحياة البرلمانية والسياسية؟ ألم يكونوا هم جزءًا لا يتجزأ من هذا الواقع؟ أم أن ما قاموا به منحهم قداسة لا يجب المساس بها؟

في كتابه «والآن أتكلم» يذكر خالد محيي الدين أن أحد زملائه في الكلية الحربية لفت نظره أن هناك حجرة عليها لافتة كتب عليها بالإنجليزية المستشار العسكري البريطاني، فقام الطلبة ومنهم خالد محيي الدين وقتها انتقامًا لكرامتهم الوطنية بتعليق لافتة أخرى بالعربية! الأمر جد مضحك. يعني مشكلتهم كانت في كتابة اللافتة بالإنجليزية وليس بالعربية؟ أما أن الجيش المصري يتلقى التعليمات بل والعلوم التي يلقنها لطلاب الكلية الحربية من الاحتلال مباشرة فهذا أمر عادي. ثم يقول في موقع آخر من الكتاب نفسه بأنه بعدما تخرج في سلاح الفرسان جاءتهم أوامر بتسليم دباباتهم إلى الاحتلال لأنه فقد الكثير من معداته في الحرب العالمية الثانية. زيتهم في دقيقهم يعني.

حسنًا سنقول أن ذلك في فترة الاحتلال وأن هناك تغيرًا ما حدث ما بعد حركة 1952 والتي سميت بثورة يوليو. لكن ماذا حدث بعد ذلك يثبت هذا التغير؟ أي المعارك الحربية التي كسبناها بعد ما قيل أنه رحيل للاحتلال، ماذا حدث للسودان؟ ماذا حدث لفلسطين؟ حرب 48 كانت سببًا رئيسيًّا من أسباب انقلاب يوليو 1952 هكذا قالوا لنا فهل عادت أراضي 48؟ أم زادت رقعة الأرض فأصبحت هناك إلى جانب أراضي 48 أراض أخرى من سيناء إلى يافا ومن غزة حتى الضفة الغربية مرورًا بالقدس والجولان؟ ثم حين قيل أننا انتصرنا في أكتوبر 1973 وعبرنا قناة السويس التي كانت لدولة صهيون السيطرة عليها أيضًا ماذا حدث؟ لماذا تغير الموقف لصالحهم مرة أخرى؟ ودخل الجيش الصهيوني مدينة السويس؟ ثم صدر أمر بوقف إطلاق النار. هل عادت سيناء وقتها؟ أم عادت بعد اتفاقية كامب ديفيد التي لم نعرف تفاصيلها الحقيقية حتى الآن وما هو مقابل عودة سيناء التي لم تعد فعليًّا؟

أسئلة كثيرة ظلت مبهمة أو بالأحرى ظلت حلقة مفقودة وسط كم الحلقات المفقودة في سلسلة تساؤلاتنا التي كرهنا أن نسألها حتى لا نصطدم بلحظة المواجهة والمكاشفة تلك. لكن شاء القدر أن يقع الانقلاب لتقع معه حواجز عديدة وضعناها بأنفسنا داخلنا لتحجب عنا الحقيقة التي لم نرد أن نراها. لذا فالحقيقة على قدر إيلامها لنا فهي أفضل بكثير. أن نرى أفيخاي أدرعي مثلًا أمينًا عامًّا لجامعة الدول العربية المحتلة خير لنا من أن نرى أبا الغيط، وأن نرى أبا الغيط الآن أفضل كثيرًا من أن نرى نموذجًا كعبد الرحمن باشا عزام الرجل المحترم العروبي الحقيقي الذي أسس دون أن يدري جامعة لإدارة شئون هذه الدول التي رحل عنها الاحتلال شكلًا، لكنه رسخ قواعده المبنية على أسس سايكس بيكو مضمونًا، فارتاح من حركات المقاومة والمظاهرات اليومية المنددة به واستقبل بسرور بالغ بدلًا منها مظاهرات تمجد في زعماء هذه الجامعة التي ما شكلت يومًا خطرًا عليه ولو ضئيلًا بل ربما كان يثق في ولاء زعمائها أكثر مما يثق في بني جلدته.

لذا فإنني أسعد كثيرًا بكل هذه المواجهات الصريحة. أخيرًا سنرى الزعماء بلا أقنعة، أخيرًا سنرى الأحداث بلا تزييف أو تجميل، بل ربما ستصبح المواجهة في المستقبل القريب جدًّا مع الأعداء مباشرة لا مع وكلائهم، ولذلك أنا من المرحبين بأبي الغيط في مكانه المناسب مثلما أنا مرحبة بأن يكون دونالد ترامب هو رئيس أمريكا القادم والأخير بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد