من الجبل نرى الجبل، ومن السهل نرى السهل، ولكننا لا نرى الجبل من السهل، ولا نرى السهل من الجبل، ذلك أن في رؤية كهذه معنى فوقي من زاوية، ومعنى دوني من زاوية أخرى، وأي رؤية تحتمل أحد هاتين الزاويتين الحادتين لن تسلم من العمى. إن الحكم على مجتمع ما شديد المجازفة، فالعوامل أكثر من أن تُحصر على ظاهرها، وما بين الظاهر والباطن أو ما يشبه الباطن أكثر من ذلك. نرى أحدهم مُكفهر الوجه لمجرد السلام عليه، عنيد الرأي بإزاء الرأي، شقي المعاملة، ثقيل الأخلاق. في الوقت نفسه، وفي ذات المجتمع نرى النبالة والنباهة والكرم، وجمال الخاطر، وحسن القول والعمل، حتى تتقحمنا الأسئلة راجية، والإجابات خجلى. الإجابة الواحدة أو الأكثر من واحدة تتعالق وجانب التقدير – أعني تقدير الموقف – هذا التقدير معلول بالتجربة، تلك التجربة غير منمطة وغير متطابقة من شخصٍ إلى آخر بالضرورة، لذلك لا إجابة كليانية ألبتة.

إن مدينةً باذخةَ الجمال كأنقرة تحث زائرها على عشقها، وتحفِزه على الانغماس في هوائها الساحر، وفنها المعماري البسيط المُلهم، وشوارعها المؤثثة بالوقار والخشية، في تلك القطعة الجغرافية النادرة كنت يومًا ما، لبعض غرضي، ما حدى بي ورفيقيّ الذهاب إلى البريد (ptt) ، انتظرنا في الطابور بانتظام، والأنظار تنهش سحنتنا العربية الواضحة، حتى صرخت امرأة في وجوهنا؛ امرأة ناهزت الخمسين من عمرها تقريبًا، بسؤالها الذي فهمناه، وبقذعها الكثير الذي لم نفهم الكثير منه. أدركنا سؤالها: «هل أنتم عرب؟»، انبريت أمامها لأُجيب بهز رأسي وقلت «Evet»، أي: نعم. حينها تشنج وجهها، وانطلق لسانها، «أفغان.. سوريا» إلى آخر تلكم الجنسيات التي ذكرت.

قالت ذلك بغضبٍ وتعال أثار قلقنا وتحسرنا، بل ربما خجلنا من هذا الإسلام الذي لم نقوم به كما يجب، ومن هذه العروبة التي أباحتنا للشيطان. التزمنا الصمت كحكامنا الأنذال حيال كل خيبة! لعلنا كنا أكثر شرفًا وعقلانية قبالة امرأة تضخمت أوهامها نتيجة الإعلام المغرض، والجهل المطبق، والحصرية البلهاء.

الغريب أن ليس هناك من ينافيها أوهامها من الأتراك المتواجدين في البريد، الملاحظ أيضًا الكثير من التأييد الصامت، فصحت عنه الأعين وأن صمتت عنه الألسن. في خضم ذلك التأليب غادرتنا المرأة الخمسينية، لتدخل فتاة تركية أخرى في مقتبل العمر، لم تتجاوز السادسة أو الخامسة والعشرين من عمرها، كنت ورفيقيّ نبحث عما نفتح به بيت الشريحة في الهاتف، غاضين الطرف عن ذلك الضجيج الذي حدث.

رأيت في يدي تلك الفتاة الناعسة قلمًا تبدى لي كما لو كان ذا رأسٍ حاد، يمكن بواسطته فتح بيت الشريحة، طلبتها إياه مُشيرًا إلى الغرض من ذلك، تجاوبت معي بابتسامة عريضة وطيب خاطر، شكرتها، وأخذت زاوية المكتب، ولكن دون جدوى، ذهبت إليها، شاكرًا أُقلب كفيّ، وفي لحظة خاطفة لن أنساها ما حييت، وجدتها تأخذ القلم بيدها اليمنى، ثم تنقله إلى يدها اليسرى، وبكلتا يديها ترفع شعرها المنسدل كالليل على ظهرها، وتمسك بشحمة أذنها وتخلع قرطها الذهبي، ثم تدفعه إلي بمودة غامرة!

أخذتني الدهشة وشعرت وكأنها تقول لي: «دونك؛ هذه حلقة أذني الذهبية، بواسطتها تستطيع إخراج الشريحة»! تأثرت حينها ولم أتمالك شعوري، ولكن عدم معرفتي باللغة التركية اقعدني في دهشتي في منأى عن التعبير.

أذكر أنني شكرتها بلساني وفي ظني إنها لم تفهم ذلك الشكر بعمق، نظراتي المضطربة في سقف البريد كانت أكثر تعبيرًا عن إعجابي بفعلها من شكري لها. ركبت شريحة الهاتف وأعدت إليها قرطها الذهبي، وأنا لا أدري كيف أُعبر لها عن هذا الموقف النبيل.

عدت بالسؤال إلى نفسي: ألست عربيًا، قبل ثوان معدودة، كنت أُقذع، من امرأة تركية متشنجة؟ ما الدافع إلى أن تقوم امرأة تركية أخرى بخلع حلقتها الذهبية ودفعها إلى يد عربي، ربما يفرّ بها، بحسب اعتقاد المرأة التركية الأولى!

من أنا أصلًا؟ مجهول الهوية، والعنوان، واللغة، لا شيء يحرضُها على فعل هذا العمل، حتى النبالة ذاتها قد تفكر في الأمر، أما هذه الفتاة فقد تجاوزت النبالة كصفة، وتمثلتها في ذاتٍ فاخرةٍ باذخة الشأو.

انتهينا من عملنا في البريد، وانطلقنا إلى وجهتنا. لا تكاد الدهشة تنفك عني، أتحدث إلى رفيقيّ بحرقة، وهما يقللان من الأمر ويسرعان بي إلى الفندق، ولكن نفسي أبت أن تتجاوز ذلك الموقف، قلت حينها: «بالقدر الذي أثرت هذه الفتاة فيّ لابد أن أُثر فيها، سأبادلها هذه النبالة بالمتاح الذي لن تنساه، كما فعلت هي، ولا أخالني أنسى هذا الموقف».

الدقائق الثلاث أو الخمس كانت كفيلة بأن أعود مُسرعًا إلى البريد في استغراب رفيقيّ اللذين أطلقا الضحكات في مكانهم. بينما كنت أُسارع الخطى باتجاه البريد، فتحت ترجمة «جوجل»، كتبت فيها باللغة العربية مترجمًا إلى اللغة التركية، وصلت بوابة البريد فوجدتها تخطو نحو الباب، فناديتها، لا أعرف ما قلت، ما أعرفه حقًا هو أنني رفعت صوتي حتى تلتفت إلى الوراء. التفتت إلى في خوف! فاقتربت منها وأريتها شاشة الهاتف، فاحمرت وجنتيها خجلًا وابتسمت ابتسامة عريضة لا أخالها ابتسمتها قبل ذلك! ثم طفقت قافلة في طريقها، وعدت أنا في طريقي وقد شعرت ببعض الارتياح حيال ما فعلت.

كنت قد كتبت لها: «أنتِ امرأة عظيمة.. شكرًا لكِ»!

إن الفطرة السليمة تنزع إلى الخير والجمال، فطرة البداية والتدرج في كمال الإنسان، لا يغتالها تاريخ الحروب ولا تؤثر فيها تضاريس الجغرافيا، حتى تتشرب بضعف ماء الخضوع المتفجر من لوثة المجتمع، أو بعض فئات المجتمع، التي بدورها تدمر أسوار النقاء، وتعبث في مَلَكة الوعي والبديهة الإنسانية.

هذه الفتاة النقية استطاعت أن تغفر للمرأة المتشجنة في أعماقي، لأن الأخلاق وحدها تفعل ذلك، أما العنصرية والفوقية، فدليل تخلّفٍ وهمجية، وهاتان الصفتان لن يرفعا من شأن أي مجتمع، بل يضعن منه في الفهوم والعقول والواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد