لست عالمًا بأمور الدين الإسلامي، ولست قارئًا جيدًا فيما يخص موضوع الجدال بين إسلام البحيري ومشايخ الدعوة السلفية والأزهر، ولست مهتمًا بالجانب الخاص بالمحتوى الدائر حولة الحرب، لكن دعونا نتحدث قليلًا عن أدبيات الحروب ذات الطابع الجدالي، وليكن كلامنا مركزًا حول حرية النقاش وإتاحة الفرص للجميع للمشاركة في الحرب إذا استطاعوا!!

منذ عدة شهور كانت هناك مذبحة بفرنسا نجم عنها مصرع اثني عشر صحفيًّا فرنسيًّا بجريدة شارل إيبدو، وقتها كان الحدث هو الأهم عالميًّا وعقبه تفاعل دولي على مستوى عالٍ حتى إن الأمور وصلت لمسيرة شارك بها العديد من زعماء العالم، جميعهم وقتها أدانوا ما حدث واعتبروه حدثًا إرهابيًّا يهز الإنسانية كافة، مع أن كثيرين كانوا يعترضون على محتوى ما تنشره الجريدة، بالمناسبة الجريدة قبل وقوع الحدث كانت مغمورة لا أحد يعلم عنها شيئًا.

ولكن عقب الحادث أصبح توزيعها يتعدى الملايين في بضع ساعات، وصارت الجريدة الأهم في العالم كله، ولو كنت من ممولي هذه الجريدة لشكرت القتلة الأغبياء على فعلتهم! مفاد القصة أن من يريدون منع من يعارضونهم بالقوة والعنف والمنع لن ينتصروا، بل كل ذلك سيرتد بالعكس وسيدعم خصومهم وسيجعل خصومهم يتمتعون بدعم لم يكن يومًا يحلمون به!!

قصة مصرية حدثت منذ أكثر من عشرين عامًا، مثقف مصري، وباحث في علوم الدين والدولة، كان يحارب الرجعية ودعاة العنف، كان يحاربهم بقلمه في وقت أنهم حاربوه بالترويع والتكفير وانتهت بمقتله، لكن اليوم وبعد أكثر من عقدين من الزمان من يتذكر الإرهابي الذي قتل فرج فودة؟ الإجابة لا أحد!

في نفس الوقت ظل فرج فودة ملهمًا للكثيرين بكتبه التي لا تموت، ظل هو الأقوى حتى ولو كان في قبره، إذًا فالقتل في مثل هذه الحروب لا ينهي القصة بل ينهي ذكرى القاتل ويجعل المقتول أقوى لأنه استخدم يده في الكتابة وليس القتل!!

إسلام البحيري، ذاك الشاب الذي بدأ في الظهور كثيرًا الفترة الماضية، فهو يدعي أنه صاحب حجة ومنطق فيما يقول، ولست أنا من يحكم على ذلك كما ذكرت في بادئ الحديث، لكن مع ظهور هذا الشاب، ظهر له الكثيرون من الخصوم، منهم من اتبع منطق الجدال ومنهم من سارع ليتجه إلى لغة التكفير والوعيد، أصحاب الحجج القوية هم من اتبعوا منهج النقاش والجدال، وأصحاب الحجج الخاوية هم من وجدوا قوتهم في لغة التكفير والوعيد!

تخيلتني خصمًا لإسلام البحيري، وتخيلتني مناقشًا له، كاشفًا لفساد حجته أمام الناس، وكله بالمنطق والعقل واتباع الأساليب العلمية في النقاش، أظن وقتها لو غلبته الحجة بالحجة أمام الناس سأكون أنا الأقوى والأقرب إلى العامة منه، لكن لو كنت متبعًا لمنهج هؤلاء الذين ترتفع حناجرهم بالسب واللعن والتكفير والوعيد، والهروب من مجابهة الحجة بالحجة إلى ملء الفم باللعنات فسأكون ضعيفًا أمامهم، وفي نهاية المطاف سينال هو احترام الكثيرين، ووقتها سأخسر الحرب كلها وليست مجرد معركة!!

تقدم الأزهر بدعوة رسمية إلى هيئة الاستثمار لوقف القناة التي يستخدمها إسلام منبرًا له، تقدمت بحجة أنها الراعي الحصري للخطاب الديني، وأنها درع الحماية عن الدين، وكأن منبرًا إعلاميًّا لم يتوافق مع الأزهر وصار يؤرقه، أصبح لا بد من غلقه! لا أعلم هل هم لا يدركون أن هذا ضعف منهم أم لا؟!

لا أعلم إن كانوا لا يعرفون أن مثل هذه الحروب تحتاج لنوع آخر من الأسلحة غير تلك التي اعتدوها منذ زمن؟!! تلك الحروب يا شيخ الأزهر تحتاج إلى النقاش ورد المنطق بالمنطق والحجة بالحجة، وليس المنع ودعم أفعال تشبه إلى حد كبير محاكم التفتيش التي حدثت في العصور الظلامية بأوروبا!!

ما يحدث مع إسلام البحيري اليوم لن يمنعه من الاستمرار ولو أغلقتم منبره فالمنابر أصبحت عديدة، وليست جميعها محصورة في شاشة التلفاز، فالشبكة العنكبوتية (الإنترنت) لن يقف أمامها قرار منع أو غلق، وإن كنتم تظنون أن بما تفعلون ستنتصرون فأنتم غافلون، فما تفعلونه سيخلق انتصارًا كبيرًا لإسلام البحيري، إلى متى ستظلون تتبعون نفس الطريقة الخطأ في كل حروبكم؟!

من منكم قوي فليناقش إسلام ويهزمه على نفس أرضيته، ومن ارتضى الهوان والضعف فليختبئ خلف سلاح المنع والتهديد والقتل، إن كنتم لا تعرفون شيئًا عن هذه الحروب فلتتعلموا كيف تكون بدلًا من أن تتوهموا النصر وأنتم منهزمون شر هزيمة!!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد