بادئ ذى بدء هذا المقال ليس مقالا ساخرا، فأنا لا أمتلك حس الدعابة، وليس دفاعا عن الفنانة أو المستشار فحاشى لله أن يدافع السفية عن العظيمين!

كان من سمات البرجوازيات الأوروبية في فترات صعودها في أوائل القرن السابع عشر محاولاتها المستميتة لفرض الخطاب الأخلاقي لها، في بعض الأحيان لم يكن هذا الخطاب أخلاقيا في عرف الطبقات الأعلى ( النبلاء – الإقطاعيين) لكن كان خطابا يمثل رد فعل لمنظومة القيم التي أنتجها المجتمع الإقطاعي في أوروبا على مدار قرون عديدة، على سبيل المثال سعت تلك البرجوازيات في دول المركز الرأسمالي ( إنجلترا – ألمانيا – فرنسا لاحقا) لتقنين الدعارة كرد فعل منها على خطاب الأرستقراطية وخطابها الوعظي المسيحي، كان التمرد على القيم الفكتورية التي أعقبت عصر النهضة واضحا، ويمكن تفسيرة على نحو كبير، ونتج في ظل صراع وحراك اجتماعي طبيعى جعل البرجوازية الأوروبية تتجه اتجاها تنويريا لحد كبير وليس رجعيا. على النقيض ظل الإقطاعيون – الطبقة المتآكلة في ذلك الوقت – يدافعون عن قيمهم الأخلاقية المسيحية لآخر لحظة حتى أزاح الجيد الرديء بمبدأ السوق الحر.

حتى عهد قريب في عصر فاروق على ما أتذكر كانت الدعارة مهنة مقننة في مصر، ويمكن صياغة تشبيه ما بين الحالتين (البرجوازية الأوروبية والمصرية)، حيث إن صعود كليهما في ظرف تاريخي متقارب لحد كبير فالمشروع البرجوازي المصري ظل متأثرا بشكل أو بآخر بنظيرة الأوروبي، وأنتجوا نفس منظومة القيم الاجتماعية التنويرية لحد ما، ومن يعرف مصر في الأربعينات يعرف ما أقول. لكن يبقى مفتاح فهم التخلف في وجهة نظرى لبرجوازيتنا (العرة) هو أن البرجوازيات الأوروبية نتجت من حراك اجتماعي وليس من تأثير فوقي، بمعنى أن البرجوازية الأوروبية أنتجت قيًما أصبح المجتمع بشكل ما مع صعود خطاب البرجوازيية الأخلاقي راضيا عنها بشكل كبير، لكن نظيرتها في مصر ولأنها بتأثير فوقي لم تنتج حراكا اجتماعيا، وبالتالي كان من السهل جدا أن يتخلى المجتمع عن المساحات التنويرية التي لم يكتسبها في الأساس، ولعلنا نعاني حتى الآن من بقايا الخطاب الأخلاقي الاجتماعي للإقطاعيين ولا أبالغ إذ أقول للمماليك.

الممثلة غادة إبراهيم، المشهورة بدعمها للزعيم لها صورة شهيرة تنظر فيها لصورة الزعيم في التلفاز وهي تحمل (بوستر) له وبها نظرات سرمدية تدل على مدى الحب العميق للزعيم، والتقدير لمجهوداته العظيمة في رفعه الوطن وسلامة أراضيه من الخونة والعملاء، الفنانة قبض عليها بتهمة تنظيم شبكة للدعارة، وفي تصريحات لها قالت أنها تفعل ذلك من أجل صندوق تحيا مصر، بدون الدخول في تفاصيل تلك القضية التي تنطوي على مغزى أيروتيكي وقد يقرأ أحد أفراد الطبقة الوسطى المصرية المقال ويشعر بالتقزز مني شخصيا، ليذهب للنائب العام ويمارس على سلطته الأخلاقية، كما مورست على الروائي أحمد ناجي، وأنا وللصراحة المطلقة في غنى عن كل تلك الترهات.

تم الإفراج عن الممثلة الشهيرة بدعمها للجنرال، وهو ما أثار حنقا وغضبا من أفراد البرجوازية ولعل تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي توضح ذلك، فأعضاء الطبقة الوسطى المصرية لا يقبل عقلهم الباطن أن يكون أحد الداعمين للجنرال الذي يمثل بالنسبة لهم (كلاشيه) أخلاقي مهم، والمتدين بطبعه، الذي يصلي الفروض جميعها، لا يقبلون أن يكون أحد الداعمين له يعمل بالدعارة. ولعل هذا يوضح ما أسلفت بذكره أن الطبقة الوسطى والتي تتآكل الآن لم تعد تملك خطابا تنويريا حتى ولو سطحيا كما السابق بل أصبحت أكثر رجعية من الجماعات الإسلامية، ولكن الفرق الوحيد أن الجماعات واضحة، وفجة في خطابها الرجعي، ولا تحاول أن تتركه للمواقف لتوضحه بل تشدد عليه في كل آن وكل حين.

سيادة المستشار أحمد الزند

تحية طيبة وبعد،

الفقراء والمهمشون وعمال النظافة والمطحونون في هذا البلد ليس لهم دية، لكن إلا رسول الله، يمكن أن تهين أبناء الشعب جميعهم لكن إلا رسول الله، عليك أن تخرج أنت وزلة لسانك إلى دبي، ففيها ملك لايظلم عنده أحد.

رئيس الحكومة.

الخطاب السابق، لو كنا نعيش في عالم سحري لا كذب فيه ولا خداع كان سيكون خطاب نفي الزند لدبي، فبصراحة أنا لا أجد صيغة أخرى للخطاب سوى تلك، ولنصرة الإسلام لا بد لنا أن نطحن من يزل لسانهم ليخطئ في حق النبي، لكن لا ضير في أن يقتل الفقراء، فكما تعلمون، الفقراء يدخلون الجنة، وعلى رأي المثل (هتبقى دنيا وآخرة).

بالطبع إقالة سيادة المستشار يمكن أن تفسر على أنها محاولة من الطبقة البرجوازية لإثبات أنها قادرة على دحر وكيد الأعداء من التنظيمات الإسلامية الذين يزايدون على تدين الطبقة البرجوازية، ويصدعوننا بخطاباتهم عن الخلافة والشريعة، فالبرجوازية المصرية لا تقبل أن يزايد أحد على رجعيتها، ولكم في الزند عبرة يا أولى التنوير.

(4)

إذن ما الذي أوصلنا لهذا القاع؟!

عودة للجد وبعيدا عن كلاشيهات الهزل (السمجة) أحاول ان أفكر معكم لماذا؟! لماذا وصلت طبقة من المفروض أنها في جميع أنحاء العالم، وعلى مدار التاريخ كانت شعلة للتنوير لمثل هذه الرجعية؟!

هل هو التعليم؟ هل هناك سبب أعمق؟!

بالطبع لا يمكن الجزم في أية قضية اجتماعية بسبب واحد أو عدة أسباب فالأمر يحتاج لدراسة متعمقة من أساتذة علم الاجتماع ولكنني سوف أحاول.

يمكن اعتبار السبب الأساسي من وجهة نظري هو غياب الحراك الاجتماعي الفعلي، وأقصد هنا الحراك الاجتماعي التقدمي وليس الرجعي، بمعنى أنه منذ وقوع الطبقة البرجوازية في فخ الحكم العسكري مع صعود الناصرية، أحدث ذلك تشوها جديدا أضيف للتشوه السابق للطبقة (أنها نشأت برجوازية زراعية) هذا التشهة هو بالأساس ما أدى للحراك الاجتماعي العكسي، لا يمكن على وجة التقرير إعطاء لفظ لهذا التشوه، ولكن لو أتاحت لي اللغة شيئا من سعة صدرها فسوف أسميه (الجهل اليقيني). أصبحت الطبقة البرجوازية واقعة تحت تأثير دوغما ليست فقط دوغما عسكرية بل دوغمات أخرى أخطر في وجهة نظري، دوغمات ثقافية، تعليمية، عقائدية، دينية، اجتماعية.

تلك الدوغمات دائما كانت تقتل كل من يحاول أن يغرد خارج السرب، ويفكر خارج الصندوق، كل من حاول أن يصيغ فكرا مركبا غير سطحي هو في وجهة نظرالبرجوازية لا يصلح. ومن هنا كانت الطامة الكبرى، أصبح التعليم الذي من المفروض أن يكون جهازا تنويريا في دولة تدعي أنها مدنية يكرس للرجعية، أصبح الدين يتمثل في دوغما الأزهر أو السلفية ولا يوجد فرق كبير بينهما، أصبحت الطبقة الوسطى هي الدوغما الرسمية للدولة وعلى الراغبين في حياه شبه كريمة أن يسارعوا بالوقوف في صفوف الراغبين في الانضمام.

(5)

الدولة، والمتمثلة في قطاعات الطبقة الوسطى التي أتاحت لهم (الواسطة) في أن يكونوا في سدة الحكم، بحكم وجودهم في الجهاز الإداري للدولة تمتلك نفس الخطاب الأخلاقي الوعظي الرجعي للطبقة الوسطى، فهي لا تمانع أن تسجن كاتبا بحكم تلك الوصاية الأخلاقية، وأن تنفي وزيرًا أيضًا، لكن في نفس الوقت تفرج عن ممثلة تدير شبكة للدعارة، وهو ما يمكن أن يضعنا أمام تساؤل هام، هل جنت الطبقة البرجوازية المصرية لدرجة أنها بدأت تتخبط في خطابها الأخلاقي؟!

والحقيقة أن الطبقة البرجوازية في العالم أجمع وخاصة في خطابيها الاجتماعي والأخلاقي تمتلك مثل هذا القدر من التخبط، فبحكم أنها تمتلك قطاعات عديدة من خلفيات ثقافية ودينية وإثنية مختلفة فهذا التخبط شيء طبيعى في وجهة نظري ولا يدل على شيء.فالطبقة تمتلك خطابا رجعيا وبها أفراد يمتلكون خطابات تقدمية ولكن بحكم أن السيئة تعم، ففي نظري السائد هو الرجعي وليس العكس.

إذن نحن أمام طبقة تتآكل تمتلك خطابا رجعيا ومع ذلك يظل الخطاب السائد! وباقي الطبقات سواء الطبقات الفقيرة التي لا تملك سوى خطابا رجعيا أيضا ولكن بشكل أقل قليلا، وغياب كامل للرؤية التنويرية حول كيفية الخروج من مستنقع الرجعية، فأين يكمن الحل؟! في وجهة نظري هذا ما ينبغي أن يفكر فيه كل من يحمل على عاتقه فكرة التنوير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد