في حالة الطبيعة يعيش الجزائري وفقًا لمبدأ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين، ولم يكن بوسعه أن يتصرَّف في ضوء العقل السليم؛ لأنَّ معظم تصوُّراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر.

والسبب في ذلك أنَّ الجزائري هو جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها؛ ومِن قوانينها الأساسية، أنَّ لكل موجود حقًّا مطلقًا على ما يقع في نطاق قدرته، وأنَّ كلَّ شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه، بقدر ما له من قوَّة من غير أن يراعي في ذلك أيَّ شيء آخر.

هذا هو حال الجزائري في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقًا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الجزائريين؛ ولذلك، فإنَّ كل مَن يتصرَّف وفقًا لقوانين الطبيعة، إنَّما يمارس حقَّه الطبيعي المطلق، وإذا كان ذكيًّا، فإنه يستخدم قدراته العقلية وفقًا للمنطلق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعًا لقانون الشهوة دون غيره، ساعيًا إلى السيطرة على كل ما يقع تحت قدرته، فتمتدُّ حقوق الجزائري إلى الحدِّ الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة «بالتغيُّرات الطبيعية».

ولمَّا كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسية، وإذ إنَّ الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإنَّ هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوَّة، لا الحق في الدفاع عن النفس، إذن، إلا لمَن له القدرة على ذلك، يُمكن القول بعبارة أخرى: إنَّه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.

وبسبب «جهل» الجزائري بقوانين العقل، انعدمَ فيه الروح الخُلُقي، ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق، فيقول الفيلسوف الجزائري:

«مِن اللازم وصف حالة الطبيعة على أنَّها حالة لا وجود فيها، لا للدين ولا للقانون، وبالتالي: لا وجود فيها للخطيئة والذنب».

ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر، ولا بين العدل والجور، وبعبارة واحدة: لا وجود فيها لمعاني الأخلاق، وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم «القرآن الكريم» الذي نسب إليه الفيلسوف الجزائري قوله بأنَّه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الكثير من الآيات التي ورد فيها الإنذار من عذاب جهنَّم.

يقول الفيلسوف الجزائري:

«إنَّ الحق والقانون الطبيعيين اللذين ولد الجزائري في أحضانهما، وعاش في كنفهما، لا يُحرِّمان إلا الأشياء التي لا رغبة لأيِّ أحد فيها، أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يحرِّمان العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أيَّة وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية».

ولذلك كانت القدرة أو القوة هي المعيار الوحيد للحق، في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلا للأقوى، ولكنَّ القوَّة لا تدوم، فالقويُّ اليوم ضعيف غدًا، ومع خوار القوَّة تتعطَّل آليات الكاناتوس وتتقلَّص حدود الحق تدريجيًّا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرًا مستحيلًا، ومِن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالفعل بوصفه الوسيلة الكفيلة لضمان الأمن والبقاء للجميع.

الاسترشاد بالعقل معناه الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات، ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الجزائريين، يخبرنا العقل بأنَّ التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل جزائري، فإذا كان العقل يحثُّ الأفراد على إقامة روابط اجتماعية في ما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإنَّ الغرائز الشهوانية تدفع كل جزائري إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيًّا، وإذا تغلَّبت الغرائز على العقل، أدَّى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الجزائريين.

نخلص من ذلك كلِّه إلى القضية التالية: الشهوة تفرِّق الشمل والعقل يجمعه، إنَّ للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث إنَّه يمثِّل الشرط الضروري لتأسيس مجتمع جزائري وتقوية الروابط الاجتماعية، وأمَّا الرغبة الشهوانية والانفعالات، فإنَّه من شأنها أن تقوِّض دعائم الاجتماع، المعاشرة والتآلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد