“هو الله الغفور الرحيم” إن عزمت على الصدق في توبتك؛ لقبلها الله؛ لأنه كثيرٌ واسع المغفرة، يقبل توبة عباده برحمته التي لا تُقاس ولا تُقدَّر فهو الإله الغفور الرحيم، لكنه “هو الله شديد العقاب”، إن خالفت أوامر الله بكثيرِ معصيتك، ومن ثَمَ التمادي فيها؛ لأصبح لك عقابٌ شديد على ما تُخطيء، دون طلب المغفرة منه، أنت تُذنب ذنوبًا صغيرة، وتأبى أن تستغفر، أو تتوب عنها؛ فلك الويل كل الويل من غضب الإله شديد العقاب.

غالبًا ما ينسى الجميع أحد الصفتين، فإما أن يُحقّر أحدهم الذنوب مسترشدًا بكون الله ذا المغفرة والرحمة؛ ناسيًا أو متناسيًا أن له عقابٌ شديد، وإما أن يُعظّم أحدهم الذنوب بحيث لا يرى إلا أن الله ذو عقابٍ شديد مبتعدًا في غفلةٍ عن كون الله غفورٌ رحيم!

دخلت امرأة النار في هرةٍ، بينما كُتبت الجنة لرجل، بالرغم من أنه قتل مائة نفس!

لكن ما الفارق بين الرجل والمرأة؟ إنه التمادي الذي يُنسي عقاب الله الشديد أو الصدق الذي يُذكر بعدل الله بين المغفرة والعقاب، هى تمادت بحيث نسيت الرحمة، فلم تترك للهرة أن تأكل حتى من خشاش الأرض، فلم يكتب الله لها الرحمة، ولم يغفر لها ذنبها، بالرغم من صغره، أما الرجل فصدق في نية توبته، بالرغم مما ارتكب من ذنبٍ عظيم، فقصّر الله المسافة بينه وبين الجنة، بالرغم من بعدها عنه.

الله غفورٌ ورحيمٌ بالفعل، لكنه شديد العقاب كذلك، فلا يعتمد أحدنا على الأولى فتصغّر الذنوب في أعينه، ثم تستساغ، ولا يعتمد أحدنا على الثانية لتكبّر وتعظّم الذنوب في أعينه فلا يستطيع البعد عن عنها، إنما هو الاعتدال بين ذلك وذاك، فلا نعطي الذنوب أقل مما تستحق اعتمادًا على أن الله غفورٌ رحيم، فنزيد منها ولا نعطي الذنوب أكثر مما تستحق فنعلق في أمكنتنا!

بوجود هذه الفجوة في الفهم والتفريق عند الناس بين كون الله غفورًا رحيمًا، وكونه شديد العقاب، وجِدَت المئات من المعاصي التي سَهُلت على الجميع، فأصبح من الشائع جدًا، بل من المعتاد أن ترى أحدهم يتحدث عن ذنبٍ له، وتملؤه الخشية من عقاب شديد، وكأن الله يتربص به مثلًا ليجد آخرًا يحدثه أن “يا عم ده ربنا غفور رحيم، مالك عامل كده ليه؟” هنا تجد أن أحدهما غفل عن التوازن بين المغفرة والرحمة وبين العقاب الشديد، فأحدهما رأى أن المغفرة والرحمة بعيدين عنه كل البعد؛ لأنه لا يرى إلا عقابًا شديدًا، بينما الآخر رأى أن العقاب الشديد بعيد جدًا؛ لأن الله غفور رحيم.

عوملت صفات الله بطرق مغلوطة تمامًا حتى جُعلَت الهمم والعزائم شيئًا صفريًا، فأصبح للذنوب مكان أكبر في نفوسنا فيتوجه إليها البعض بحجة”دي مرة واحدة وربنا غفور رحيم”، وآخرون يجلدون ذواتهم لمعاص تبدو فعلًا صغيرة أمام رحمة الله ومغفرته، بيد أن كل المعاصي والذنوب مهما عظمت فهى لا شيء في موازين مغفرة الله ورحمته.

الحقيقة أن الأكثر شيوعًا بين العوام هو النوع الذي لا يرى إلا أن الله غفورٌ رحيم، أما النوع الثاني فقليل جدًا، بينما النوع الأخير، والذي يعرف الفارق بين المغفرة والرحمة وبين العقاب الشديد، فهم حقًا قلة من القليل!

ونأتي هنا أخيرًا إلى خلاصةِ الكَلِمِ، ونقطة الفهم، وهى أن الله ليس بغفور ٍ رحيم فقط، ولا هو بشديد العقاب فقط، لكنه غفورٌ رحيم شديد العقاب، فلا ننسى الأولى، ولا ننتغافل عن الثانية، حتى لا نحيل حياتنا جحيمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد