إذا كان التحالف، أو الاتحاد، أو التكتل بين الدول العربية، بما ينطوي عليه من معاني التفاهم، والعمل المكمل والمشترك، في كل المجالات الدفاعية، والعسكرية، والسياسية، والاقتصادية وغيرها، بما يحقق الأهداف المشتركة، ومعاني الاستقرار المادي والمعنوي لكل المتحالفين أو المتحدين بأنصبة متساوية وعادلة؛ لأن بعض التحالفات يكون الاستقرار المادي والمعنوي للطرف الأقوى والفاعل فيها، أكبر بكثير من الطرف أو الأطراف الأخرى من داخل التحالف! بل إن هذا الطرف الأقوى والفاعل، ليس تحصيل الأهداف والاستقرار هو النتيجة والمحصلة الوحيدة التي يجنيها، ولكنه ربما يصل إلى مراحل أكبر من ذلك، مثل إملاء الشروط والفروض التي تتوافق مع استراتيجيته الخاصة، أو حسب ما تقتضيه الظروف التي تملي عليه تغيير مواقفه ومبادئه جملة واحدة، وفي أسوأ المشاهد أن يطالب الطرف الفاعل والأقوى الدول الأعضاء داخل التحالف بدفع أموال طائلة من ميزانيتها، تحت تهديدات بالانسحاب مثلًا من التحالف، أو تهديدات بالغزو والاجتياح!

 وأوضح مثال في ذلك هو دور الولايات المتحدة الأخير مع تحالف شمال الأطلسي، حينما هدد ترامب حينذاك بالانسحاب من التحالف، ما لم تزد الدول الأعضاء نسبة المساهمة المفروضة عليها من ميزانياتها، إذا كان هذا التحالف أو الاتحاد بين الدول العربية، نتيجة جهد تقرره أدمغة واستراتيجيات ونخب عربية وإسلامية، يمتلئ بها العالم العربي والإسلامي، فإن ذلك التحالف أو الاتحاد، لا يختلف اثنان في مردوده الإيجابي وفوائده، وعلى العكس من ذلك، إذا كانت هذه التحالفات المتوقعة والمفترضة في المنطقة العربية «مفترضة لأنه ينبغي الاتحاد والتحالف بين صفوف الدول العربية والإسلامية، لمواجهة الأعداء المتربصين بها والمستهدفين دينها وعقيدتها، والطامعين في ثرواتها»، إذا كانت هذه التحالفات من خلفها وأمامها، ومن يحركون أجندتها هي القوى الخارجية الغربية، فلن يختلف اثنان في مردودها السلبي، بل شرها المستطير.

وما تردد في الآونة الأخيرة من التفكير في إنشاء تحالف عربي مثل تحالف الناتو، على أن يكون هذا التحالف مكونًا من دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن، وأن تقدم الولايات المتحدة الدعم الفني والاستشاري، وأن ينضم لاحقًا إلى التحالف دولة الاحتلال إسرائيل، وأن الغرض من إنشاء التحالف العربي أو الناتو العربي، هو مواجهة ومحاصرة المد الإيراني المتنامي والكاسح في المنطقة، هو في تقديري تحالف مسخ ومرفوض لأسباب كثيرة منها:

1-قيادة الولايات المتحدة للتحالف، وإن كان استشاريًّا وفنيًّا وحسب، إنما يعني إطلاق يد الولايات المتحدة لإغراق المنطقة العربية بالسلاح، وتسويق العتاد الحربي في المنطقة، بما يحقق مكاسب مادية كبيرة آنية للولايات المتحدة، وبما تكون محصلته إفناء الأفراد والدول! ويعني أيضًا -في ما أتصور- إطلاق يد الولايات المتحدة، ودولة الاحتلال في إعادة تقسيم المنطقة العربية، بما يشمل ذلك التقسيم المتوقع -لا قدر الله- تمرير صفقة القرن.

2-رغم خطر المد الإيراني الشيعي المتنامي في العالم الإسلامي، فإن الدخول في مواجهات عسكرية مع إيران الشيعية، سيكون الرابح الوحيد في تلك المواجهات هي دولة الاحتلال إسرائيل، التي ستجد في ذلك ما يحقق الحفاظ على أمنها القومي، في ظل التهديدات التي تتوعدها إيران، وآياتها، وبما تكتنزه إيران من ترسانة صاروخية، ومقدرات في تطوير نوعية الأسلحة، صحيح أن إيران الشيعية تمثل خطرًا كبيرًا داهمًا بما تحمله من تبديل في أصول العقيدة الإسلامية، إلا أن إسرائيل أيضًا لا تقل خطورة، وتمثل أيضًا خطرًا كبيرًا داهمًا، باحتلالها وتدنيسها المقدسات الإسلامية، ولا يمكن بأي حال الاستعانة بالخصم والعدو، وهو دولة الاحتلال إسرائيل، لمنازلة الخصم الآخر ومحاصرته وصد نفوذه.

3-ولأن إسرائيل مرفوضة ومنبوذة في العالم العربي والإسلامي؛ لأنها دولة احتلال وتغتصب الأراضي المباركة والمسجد الأقصى، فإنه إذا قدرت الإدارة الأمريكية انتظامها في الحلف العربي بمباركة من دول التطبيع أو من غير مباركة، فإن ذلك من شأنه أن يقود إلى اندلاع الثورات ضد الأنظمة الحاكمة، وذلك أيضًا يخدم المصلحة الأمريكية والإسرائيلية سواء بسواء.

4- استحالة نشوء الحلف في المدى المنظور، في أوضاع الحصار الجائر الذي تفرضه دول الرباعي المملكة السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين على دولة قطر، التي تمثل جزءًا من مجلس التعاون الخليجي، وفي ظل ما تبديه الكويت وسلطنة عمان، من الابتعاد عن سياسة المحاور والأحلاف.

أخيرًا فإن الأرجح أن يكون التفكير في إنشاء مثل هذه التحالفات الناقصة والمسخ، هو لتمرير صفقة القرن التي تستهدف إنهاء القضية الفلسطينية، ولاستنزاف الثروات العربية، وإفناء حضارة الأمة الضاربة في التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد