نافذة على كتاب «التطريس» للدكتورة دليلة شقرون

وهل غادر الشعراء من متردّم؟

إذا كانت الرواية محنة الكاتب، فاٍنّ الحديث فى الرواية هو محنة الناقد بلا جدال وطلْقٌ آخر من إطلاق الكتابة له طقسه الأصيل، وطريق وعرة لا تخلو من التعاثير، والدكتورة دليلة شقرون فى كتابها التطريس فى الرواية العربية الحديثة/ نجيب محفوظ أنموذجًا «سلكت طريقا سبقها اليها السابقون وهنا مكمن التحدّي، تقول الكاتبة: «وإننا لا ندّعي تقديم آراء جديدة لم يُسبق إليها لأنّ أغلب الدارسين المعاصرين العرب الذين اشتغلوا على التناصّ في المنظوم أو المنثور سبقونا إلى البحث.. ولكنّنا سنسعى الى مزيد البحث عن زوايا لعلّها لا تزال فى حاجة إلى الكشف والتطويع فى الخطاب النثري السرديّ، (الكتاب ص 32 سطر 11)، لكنّها ومع كلّ هذا العسر، استطاعت أن تضيف الى أرشيف مكتبة النقد العربية مصنّفا جديرًا بالمتابعة.. والقارئ لهذا الكتاب بعد المرور بالمداخل الوجدانية والإهداءات والتنويهات وغيرها من الإشارات المحيلة على وشائجية الكاتب الانسان باعتباره كائنًا أدبيًا يتفاعل مع السياق النفسي والاجتماعي المحيط، فاٍنّه يجد نفسه إزاء مسارب التعريف الوعرة، لمصطلح ضارب في التعقيد والتداخل مع مصطلحات رديفة، كلّما أراد الكاتب تعريفًا للمبحث إلاّ وازداد الأمر تشعيبًا وارتقى بالقارئ إلى مراقي التخصّص والعرفان الدقيق.. ومع ذلك ظلّت الكاتبة تشرّح الظاهرة بالقدر الذي نعرف معه أنّ الحواريّة (dialogisme) عند باختين، والتاصّ (l’intertextualite) عند جوليا كروستينا والتطريس (plimpsestes) عند جيرار جينات، كلها تتجاور إلى حدّ التماهي، والفروق في التسميات هي تطوّر تاريخي للمقاربات محكوم بالزمان والمكان وتغيّر الأنساق، تقول الكاتبة: وإنّنا سنولي هذا المفهوم الأصولي الكليّ المتطور العناية القصوى وسنرصد مسار نشأته وتطوره في البحوث النقدية الحديثة والمعاصرة انطلاقًا من فاردينان دي سوسير وظاهرة ما قبل النص، وميخائيل باختين وظهور مصطلح الحوارية مرورًا بجوليا كريستيفا وظهور مصطلح التناصّ وصولًا إلى جيرار جينات وظهور مصطلح التطريس

هل يمكن الحديث فعلًا عن نصّ غير مُطرَّس؟

قبل الاٍجابة عن هذا السؤال يحسُنُ بنا التوقّف عند حدّ التطريس باعتباره مدار البحث في الكتاب، وقد حاولت الكاتبة في القسم النظري رصد حركة نموّ المصطلح بالانفتاح على المصنفات العربية والغربية على حدّ سواء في مراوحة شاقّة رمت من خلالها إلى أمرين: أوّلهما تأصيل هذا المصطلح باعتبار أنّ الجهاز الإبداعي والنقدي عند العرب لم يخلُ من حضور لافت لهذا المفهوم رغم الفروق في التسميات والمعالجات، الأمر الثانى متعلق بكونية فعل التطريس وحتميته، بوعي أو بغير وعي أثناء العملية الإبداعية أو حتى قبلها أيضًا، على نحو تغدو معه كلّ النصوص مطرّسةً بالضرورة، وهكذا نكون قد أجبنا عن السؤال المطروح بشكل مبكر ونحن لم نخض بعدُ في الحدود.. فالدكتورة دليلة شقرون وهي تبحث في تجليات التطريس في المتون العربية القديمة، وجدت نفسها في بحر زاخر من المفاهيم المُتَحافّة والمتجاورة حينا والمتداخلة حتّى التماهي حينا آخر، كلّها تؤصل من قريب أو بعيد لظاهرة التطريس عند العرب القدامى، ففي الفصل الأول من الكتاب «جذور التطريس في الكلام عمومًا لدى العرب القدامى»، وبعد الحديث عن نظرية الاقتباس والتصرف والتحويل في كتاب منهاج البلغاء لحازم القرطاجنّى، وبعد أن خاضت في موقف مدونة النقد العربي من السرقات والانتحالات، ووقوفها أيضًا في الإرث البلاغي في محاكاته وتشبيهاته باعتبارها فعلًا تطريسيًا واعيًا، وبعد وقوفها أيضًا عند تجليات التطريس في ثنايا نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني.. خلُصت الكاتبة إلى أنّ التطريس، بما هو فعلُ المحو وإعادة الكتابة لا يخرج عن إحدى النظريتين التاليتين:

واحدة تبخيسية معادية للتكرار والتقليد لا تنظر إلى التطريس باعتباره سرقة وانتحالًا وهو منحى سائد عند اللغويين والبلاغيين والنقاد القدامى يمجدون كلّ تالد باعتباره أصلًا شريفًا وما لحق به لا يعدو أن يكون تشويهًا وخروجًا عن الأصل.

والثانية تمجيدية ترى في التطريس تجميلًا وتأنيقًا وتحسينًا متى توفرت شروطه، تقول الكاتبة «ففي قول طائفة من القدامى اعتبار التطريس تجميلًا وضربًا من ضروب تحسين الأصل وإعادة تشكيله وتحليته بأجمل الحليّ اللفظي وأرق الألوان دون انقطاع عن هذا الأصل» (ص32 س2).

نفهم من خلال ما تقدّم أن النصّ أيًّا كان شأنه، لا يستطيع صاحبه أن يتحرك خارج دائرة النسيج الكونى للنصوص، وهذه الدائرة تضيق وتتوسّع بحسب سعة خياله وقراءاته واطّلاعه على المنظوم والمنثور قديمه وحديثه.. وبالتالي لا يمكن إطلاقًا الحديث عن نصّ غير مطرس حتى وإن أراد له صاحبه ذلك.. تورد الكاتبة في هذا السياق قولًا للحاتمي في الرسالة الموضحة ص30 س 01).

روايات نجيب محفوظ وغفلة النقد العربي عن روح التطريس

ما خلصت إليه الدكتورة دليلة شقرون هو أنّ مدونة النقد العربي خالية من روح التطريس بل سمتها بالغفلة الكاملة، وعَزت ذلك إلى هيمنة الدراسات الشكلانية في مقاربة النصوص العربية، وهي مقاربات تكتفي بأسوار النصّ ولا تبرحه إلى غيره، وتعتبر كلّ دراسة تتوسل أدوات نقدية من خارج النصّ إنّما هي نوع من التعدّي على حرمة النًصّ وهويته الجمالية.. وتتوقف الدكتورة عند بعض النقاد الذين درسوا أدب نجيب محفوظ لتسنتج في الأخير أن هؤلاء أغفلوا الروح التطريسية كما أسمتها، فلويس عوض في مقاربته للص والكلاب أو للثلاثية اكتفى بالنظر من زاوية الشخصيات، يقول لويس عوض في دراسات في النقد والأدب حين نقرأ ثلاثية نجيب محفوظ، فأول سؤال ينبغي أن نطرحه هو ماذا تصور هذه الثلاثية، أهي تصور حياة شخصيات نموذجية تمثّل كلّ الناس في جوهرهم أم تصور حياة شخصيات فريدة؟ (ص153 س 10)، وفوزي الزمرلي في «شعرية الرواية العربية» لم ير في عودة محفوظ إلى التراث في رواية ليالي ألف ليلة تأصيلًا أجناسيا، وانّما هو من قبيل الاتكاء على مادّة جاهزة كشكل من أشكال التحويل والتحوير يكرّس مقولة النصّيّة اللاحقة..كذلك رشيد العنّابي في كتابه نجيب محفوظ قراء ة ما بين السطور اعتبر أنّ رواية ليالي ألف ليلة تلتقى أسلوبيًا ودلاليًا مع رواية مائة عام من العزلة لغابريال غارسيا ماركيز، فالكاتبان انشغلا بالهاجس عينه حين صوّرا لحظة التحوّل من مرحلة العمل الثوري إلى مرحلة الظلم والجريمة.. (ص 162س 01)، فهذه المقاربات النقدية في تقدير الدكتورة دليلة شقرون، وإن وعت طبيعة انفتاح نصوص محفوظ على نصوص أخرى، إلا أنّها لم تأبه بالظاهرة التطريسية على النحو الذى يجعلها غاية في حدّ ذاتها.. ومن أجل هذه الغاية أنشأت كتابها التطريس في الرواية العربية تقول في تحديد غائية البحث واٍنّنا سنسعى إلى البرهنة على أنّ تجربة نجيب محفوظ الروائية تكاد تختزل التجربة العربية الروائية ككلّ في مجال الإبداع الروائي، وعلى كون هذا الروائي أدرك منذ البداية أنّ الرواية لا تتشكّل الاّ داخل شبكة من النصوص المتفاعلة، وأنها جنس أدبي لا يتحقّق إلا إذا كان ملتقى حشد من النصوص والمعارف والفنون والأصوات.(ص176س13).

هل يمكن التسويغ لنظرية الكاتب الأخير؟

التطريس إذًا بالمعنى الذي تؤمن به الكاتبة هو ذلك التصادي الرفيع داخل النصوص الإبداعية،تتنادى فيه الأصوات من كل الأجناس والأحقاب لتنتج حقلًا مغناطيسيًا من النصوص المتجاذبة في تناسق ينبئ عن صنعة الكاتب وقدرته على أن يجعل إبداعه هصارة من النصوص المطرسة تراها ولا تراها،تقف على بعض آثارها دون أن تقطع قطعًا كاملًا بوجودها.. هو تمامًا الكتابة على لوح كتبت فوقه آلاف النصوص ثمّ محيت، فلا هيَ قائمة بين عينيك و لا هي غائبة عنها في آن.. ذلك هو التطريس، نصٌ على نصٍ على نصٍ حتى ليكاد الكاتب يصبح على نصّه واحدًا من بين آخرين يملك ويملكون، يكتب ويكتبون.. هو شراكة أخرى لنصوص تؤول ملكيتها لمن يكتب آخِرًا أو ببساطة هي ما أسمبه تجوّزًا بنظرية الكاتب الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد