منذ أيام استقبل العالم سنة جديدة وكما جرت العادة تمناها الكل أن تكون سعيدة مليئة بالأفراح والمسرات، ولكن للأسف فما كل المطالب بالتمني فسنة 2016 كرست الاستثناء والتميز العربي في القتل والدمار لدرجة أصبح فيها الدم العربي رخيصا وأصبح الضحايا مجرد أرقام عابرة تنشر وباختصار في مقتطفات الصحف العالمية وحتى العربية. من الناحية الاستراتيجية فقد شكلت السنة الفارطة انتكاسة كبرى للدول العربية على كافة المستويات والأصعدة، فالدور العربي سواء إقليميا أو دوليا إلى انحدار بالمقابل فقد حققت إيران وحتى تركيا مكاسب استراتيجية وسياسية هامة على حساب جثث آلاف الضحايا الذين لم تسعفهم عروبتهم ولا تهليلهم بالأخوة والقومية العربية في شيء.

ونحن لسنا نبالغ إذا قلنا إننا مقبلون على نكبة عربية كبرى تتجاوز نظيرتها الفلسطينية بأشواط فهي ستكون أكثر شمولا وأكثر إيلاما ولن تستثني أي شبر من المنطقة العربية. ولسنا كذلك من محبي التشاؤم والتحليلات النقدية السلبية التي لا تقدم الحلول ولا تساهم في بناء مستقبل أكثر إشراقا، فالخريطة السياسية والاستراتيجية بنهاية 2016 وحجم المساحات الجغرافية والأراضي التي تشهد حروبا طاحنة سواء كانت أهلية أو بالوكالة في أربع دول عربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يدفعنا إلى تبني نظرة مستقبلية سلبية، كما أن المعطيات الميدانية المتمثلة في انعدام فرص الحل السياسي وتبني الخيارات العسكرية التي لن تصب بالتأكيد في مصلحة المحور العربي، ومع تكريس نفس الأخطاء السابقة وتكرارها فإنه من المنطقي أن تكون السنة الجارية أكثر مأساوية وستتعمق فيها الأزمات الإنسانية بالإضافة إلى مزيد من الخسائر السياسية للدول العربية على الصعيد الاستراتيجي.

فحتى الآن تفاخر إيران باحتلالها وتواجدها في أربع عواصم عربية وهي بالتأكيد أكبر أهمية مما وصلت إليه إسرائيل فيما مضى فالمعطيات الميدانية والسياسية الراهنة تحيل إلى واقع لم يكن أشد المتشائمين يتخيله مع بداية رياح التغيير أو الربيع العربي، الذي مثل الشرارة التي أفاضت الكأس وأشعلت الحروب الطائفية في العديد من الأقطار العربية التي تحولت الآن الى قلاع حصينة للمحور الإيراني الروسي الذي لا يخفي رغبته في تكرار التجربة وتعميمها على بلدان عربية أخرى.

فالمملكة العربية السعودية التي تسلمت دفة القيادة وشارة الزعامة العربية بعد تراجع دور مصر الإقليمي قد تكون في مرمى الاستهداف خلال السنة الحالية خصوصا مع الأحداث والتطورات المتسارعة في محيطها الجغرافي جنوبا حيث تتمدد الميليشيات الحوثية وشمالا مع توسع ميليشيا الحشد الشعبي وإخضاعها المزيد من الأراضي لسيطرتها. فالحديث هنا عن نكبة عربية كبرى قادمة ليس مبالغة أو تهويلا بل استقراءً وتحليلا موضوعيا للمعطيات الميدانية والسياسية والأمنية والتي سنعالجها بالتفصيل مع العمل على إيجاد وتقديم حلول فعالة تجنبًا للمزيد من حمامات الدم، والهدف الأكيد خلق محور عربي قوي في عالم أصبحت فيه التكتلات الإقليمية أمرا ضروريا.

لفهم واستقراء الأسباب المنطقية التي دفعتنا للتلويح بقدوم نكبة عربية كبرى وجب تحليل مختلف المعطيات السياسة والإقليمية في إطار أكثر شمولية وعمقا، فقلب العروبة النابض المتمثل في العراق وسوريا والذي شكل مركز إشعاع حضاري وثقافي على مر التاريخ والذي تحطمت فيه كذلك المطامع الأجنبية على مدى قرون، أصبح الآن منعزلا ومنفصلا عن إرثه وبعده العربي، فالحضور العسكري الإيراني المباشر وغير المباشر في سوريا والعراق ولبنان يمكن أن يشكل الأساس المستقبلي لتعميم التمدد الإيراني كي يشمل دولا عربية أخرى. فإيران التي تحررت من العقوبات الاقتصادية وخرجت من عزلتها الدولية بعد توقيعها على الاتفاق النووي وما يعنيه ذلك من تقديم مزيد من الدعم لميليشياتها ستحاول وبكل تأكيد تهديد استقرار دول الخليج الأقرب جغرافيا، وبالتحديد مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية اللتان تشهدان تواجد حركات وقيادات دينية داعمة للتمدد الإيراني وأكثر ولاءً لنظام الملالي في طهران من انتمائها الوطني.

سبب آخر وجيه لا يمكن تجاهله يتمثل في تعاظم الدور الروسي المعادي لمصالح الدول العربية ولا حاجة لبرهان أقوى من التدخل العسكري الروسي المباشر لإنقاذ نظام بشار الأسد الذي سلم سوريا لحليفه الإيراني، كما أن رياح التغيير السياسي في الولايات المتحددة الأمريكية وأوروبا جاءت ضد طموحات الدول العربية، فقد شهدت السنة الماضية صعود الفاشية في أمريكا متمثلة في انتخاب دونالد ترامب رئيسا، والذي لا يخفي عداءه للعرب واحتقاره لهم من مطالبته بطردهم من أمريكا وتهديد دول الخليج بإلزامها بدفع الأموال مقابل الحماية. نوع آخر من الفاشية يتجلى في اليمين المتطرف بدأ يصعد في أوروبا وستكون السنة الجارية موعدا لتقلده السلطة السياسية في العديد من الدول الأوروبية، فعلى سبيل المثال ترجح غالبية استطلاعات الرأي فوز المرشح فرنسوا فيون بالانتخابات في فرنسا وهو الداعي للتحالف مع روسيا وإيران ضد الدول الخليجية التي وصفها بالرجعية.

تركيا الدولة الإقليمية الكبرى يتعاظم دورها يوما بعد يوم واستقبلت السنة الجديدة برعاية وقف لإطلاق النار بسوريا، يبدو أنها تتجه نحو تقارب أكثر مع إيران على حساب الدول العربية ومصالحها، مما يعني خسارة حليف آخر.

هذه المعطيات الخارجية تضاف إليها معطيات داخلية أخرى تتجلى في فشل تجارب ما بعد الإسلام السياسي والصعوبات الاقتصادية مع التراجع الحاد لأسعار النفط وأزمة الجهاديين العائدين كفيلة بدق ناقوس الخطر والتعجيل بوضع استراتيجيات فعالة لمواجهة هذه التهديدات والوقوف في وجه المخططات الإقليمية العدائية والتي تشكلت أركانها الاساسية مع بداية هذه السنة والتي ستعجل بنكبة عربية كبرى فما السبيل إذن لتفادي هذا السيناريو؟ وما هي الخيارات التي يجب تبنيها؟

إن حل ومعالجة إشكالية لا يمكن أن يتأتى إلا بفهم عميق لجدور المشكلة والتركيز على معالجة الأسباب وليس النتائج، بالإضافة إلى ضرورة التسليم والاقتناع بوجود انتكاسة عربية عوض اتهام البعض بالتآمر وخلق مناخ تشاؤمي وكأننا نعيش في واقع سريالي تغيب عنه المشاكل والانقسامات السياسية. فالسبيل إذن لتجنب مزيد من التنازلات الإقليمية والخسائر الاستراتيجية يكون عبر توحيد الصف العربي فعلا وليس قولا وذلك لن يتأتى إلا بإعادة محور بغداد – دمشق – بيروت للحضن العربي وتخليصه من الاحتلال الإيراني. ولذلك وجب الاستفادة من التاريخ وعدم تكرار نفس الأخطاء حتى لا تنطبق علينا مقولة الثور الأبيض الذي قتل يوم تخلى عن زميله الثور الأسود، فتخلينا عن حافظ الأسد وتجاربنا في خيانة حلفائنا هي ما دفعت بسوريا للتحالف مع إيران وفشلنا في توحيد القوى السنية في لبنان هو السبب الرئيسي لبزوغ وصعود ميلشيا حزب الله التي تسيطر الآن على الواقع السياسي والعسكري في هذا البلد، ولن يغفر لنا التاريخ كذلك تسليمنا العراق على طبق من ذهب لإيران سنة 2003.

وقبل سنتين فقط تحول علي عبد الله صالح من محاربة حلفاء إيران في اليمن ميليشيا الحوثيين إلى ترسيخ شراكة استراتيجية معهم ضد مصالح المملكة العربية السعودية. فالمشكلة إذن تتمثل في الفشل الذريع في استقراء الاحداث المستقبلية من أجل تحقيق أكبر المكاسب الممكنة، وبالتالي وجب العمل على تحقيق المزيد من الاستقلالية في القرار السياسي العربي بعيدًا عن الإملاءات والضغوط الدولية الخارجية مع الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة. ولتجنب المزيد من حمامات الدم في السنوات القادمة وجب إلزاما إعادة إحياء الدور المصري فمصر بحمولتها التاريخية والعسكرية والبشرية ستلعب دورا محوريا في تقوية المحور العربي ضد التمدد الإيراني والفاشية السياسية الأوروبية والأمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مركز صناعة الفكر والابحاث العربي،دراسة حول النفود الايراني في المنطقة العربية بعد سقوط حلب
عرض التعليقات
تحميل المزيد