الحرية قضية إنسانية ذات بعد تاريخي عميق، بل وقضية فلسفية تتلخص في الفطرة الإنسانية والمحتوى الفكري الذي شغل الكثيرين منذ الأزل، يختلف مفهوم الحرية باختلاف المجتمعات والأعراف والديانات بالإضافة إلى المفاهيم الخاصة لكل فرد، فتعبر الحرية بصفة عامة عن الإنسان غير المملوك وغير المقيد بمفاهيم بشرية أو اجتماعية، بحيث يعتبر القانون مثلًا الحرية هي ممارسة النشاطات بدون إكراه مع وجوب الخضوع لقوانين يجب احترامها، كما يرى الإسلام الحرية على أنها ما وهبه الله لعباده للاستفادة من حقوقهم وأداء واجبهم دون أي اعتداء فترتبط الحرية بالتكليف ارتباطًا قويًا، أما لدى الغرب فهي الانطلاق بدون قيود أو ضوابط من أي جهة كانت حكومية أو دينية أو مجتمعية، فالفرد هو المسؤول الوحيد عن ذاته وعن اختيار طريقة سير حياته، وقد ورد مفهوم الحرية في سنة 1789م في بيان حقوق الإنسان على أنها حق من حقوق الفرد حيث له الحرية في أن يفعل ما يريد بشرط عدم إلحاق الضرر بالغير، نعم إن للحرية مفاهيم مختلفة ولكل الحق في اختيار مفهومه الخاص والذي يناسب منظوره الحياتي والفلسفي.

كانت وما زالت الحرية ملكًا للجميع على اختلاف ديانتهم وألوانهم وعرقهم والأهم جنسهم، ولكنها تظل موضوعًا شائكًا خاصة عندما يتم تناول حرية المرأة باعتبارها أكثر المضطهدين في مختلف المجتمعات منذ عقود طويلة، فقد اعتبرت في العصور الوسطى تلك الروح الشريرة التي لا تستحق العيش لتستعيد نهج الحرية بكل تلك الانتفاضات النسوية، نعم تعرف المرأة تقدمًا واسعًا وقويًا في مجال الحرية لما حققته من تطور علمي وفكري وثقافي ومجتمعي بمساندة منظمات عالمية وجمعيات، بل وكذلك أيديولوجيات حاملة لفكر أنثوي قد يكون في الغالب استغلاليًا مغطى بلون فوشي ووردي، وممن أثرت فيهم الأيديولوجية العالمية لحرية المرأة والقائمة على جعل المرأة واجهة لمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالأخص التجارية التسويقية منها نجد المرأة العربية قد احتلت مكانة مرموقة وسط الأخريات، فتعرف العديد من البلدان العربية نهضة نسائية لا مثيل لها، فمن يقول إن المجتمع العربي مشبع باضطهاد النساء أمر كاذب ومرفوض فعلى الأكيد ما زالت بعض النساء تعاني من مجتمعاتهن وبعض تقاليدهن، لكنها في الحقيقة هي حالات تصنف وبواقعية من ثقافة وفكر مجتمعاتهن حيث إن الحرية في الغالب لا تكون مفهومة وممارسة عند هذه المجتمعات حتى على المستوى الذكوري إذ إن مفهوم الحرية منعدم.

إن اقتحام باب الحرية من المرأة العربية جعلها تتصدر مختلف المجالات التي تزاولها حتى التي تعد مجالات ذكورية أو على الأقل كانت في زمن ما حكرًا على الرجال كالأمن والنقل والتصنيع مثلًا، كما نجد الكثير من النساء العربيات قائدات وفاعلات سياسيات لتجد الأخريات يتقلدن مناصب مهمة في مختلف القطاعات، فيحاربن كل أنواع الاضطهاد النسوي والتحرش والمعاناة فيصبحن قياديات على رجال مجتمعاتهن مما قد يخلف في الغالب نوعًا من التنافس والذي يعد من دون جدوى ولا أساس له من الصحة، بل قد يكون مصدر إزعاج لكثير من الرجال بسبب احتكار النساء لكثير من المناصب، فمنهم من يؤمن أنهن فاعلات ومميزات مما يجعلهن الأجدر بهذه المناصب، أما الآخرون فيعتبرون أن لأنوثتهن وأشكالهن دورًا في ذلك، وللواقع كلمة الفصل، فلوجهتي النظر نسبة من الصحة فالنساء غالبًا ما تظهر صبرًا وتفانيًا كبيرًا بل واحترامًا لأبجديات العمل لا يظهرها الرجل، بالإضافة إلى الإمكانيات العلمية الكبيرة مما يؤهلهن لتولي مناصب شتى، من جهة أخرى تعرف النساء استغلالًا كبيرًا من طرف المديرين وأرباب العمل الذين يفضلون الإناث على الذكور لاستقطاب العملاء وتحقيق أهداف خاصة، ولكن بين هذا وذاك تبقى المرأة أكثر عناصر المجتمع في العصر المعاصر فعالية على المستوى المعنوي والفكري والمادي وأكثرهم إنتاجية وعطاء.

وللأسف مفهوم الحرية لدى المرأة العربية يعرف نوعًا من التدهور إذ تمت إزاحته عن طريق الصواب ومفهومه الحقيقي، فالكثيرات منهن لا تؤمن أن الحرية تمارس ضمن المجتمع وأن دور المرأة بعيد عن الماديات وهو الحفاظ على أسس هذا المجتمع الذي تنتمي إليه، من المؤسف أن تعتبر النساء الحرية أن تجبر على رجل من بيت أهلها إلى بيت زوجها أو أن تعتبر الحرية التزامًا بقوانين المشرع وخرقًا لقوانين الحياة الاجتماعية والأصالة والدين، فالحرية تولد من رحم المجتمع وترفض ما هو مناف لطبيعة الإنسانية ولكنها تقر بتماسك صوره كالأسرة والزواج والعلاقات ذات الأسس الصحيحة، الحرية ليست ذات معايير ملموسة كأن تضرب الفتاة رأي وليها عرض الحائط أو أن تعتبر خوف رجل عليها تقييدًا لحرية مزعومة علمتها إياها الأخريات، فالحرية ممارسة فكرية قبل أن تكون تطبيقية بل وقناعة أن الحرية فطرية ليست ملقنة من واحدة لأخرى، فقد أصبحت العربية تحصر مفهومها للحرية في أن لا أنا بعد الأنا التي تمتلكها دون أن تعلم أن الحرية الأنثوية هي أصل الحرية الاجتماعية والأساس فيها.

إن مفهوم حرية المرأة الحقيقي قائم على المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية مع الرجل بعيدًا عن فكرة اعتباره منافسًا أو الدعس عليه وتخطيه، بل وهو يعبر عن الحق في العمل والتعليم وإبداء الرأي كنصفها الآخر إلى كل تلك الأمور الاجتماعية التي تتمحور حول اختيار الزوج حسب إرادتها ورفضها للتهميش والتعسف لمجرد أنها أنثى، فمنطلق الحرية لا يتلخص في أن تضرب الأنثى عرض الحائط أخلاقيات مجتمعها الناجعة منها والتي تعد أساس المجتمع بل وصلابته.

إن الكثير من القوانين العربية تعطي المرأة حق التجبر والتمرد خاصة فيما يخص قوانين الطلاق والخلع والتي تحتاج مراجعة فورية، فهي لا تحمي المرأة بالقدر الذي تساعدها فيه بالتطاول على وجودها الأنثوي أكثر من الذكوري حولها، فقد جاءت القوانين محاكاة لأيديولوجيات عالمية لا فكر مجتمعي واقعي وعميق أو حتى عقائدي، فأغلبية سياسات العربية تهمش الدين في مسائلها القانونية رغم أن الدين الإسلامي مثلًا يحمي المرأة بل أكرمها بأسلوب متماسك ومرن، دون فصلها عن كونها جزءًا من المجتمع أو تجريدها من طبيعتها البشرية والمتمثلة في أنها كائن مرهف يحتاج إلى الرعاية والحماية.

إن أسوأ ما قد يواجه الحرية هو انقياد الفرد وراء الغير بل وتكوين الرأي الشخصي من منطلق التأثر به وذلك باسم الحرية وهذا ما تعانيه المرأة العربية التي تتبع أفكار غيرها ممن يدعي الحرية، بل أصحبت الكثيرات من النساء العربيات يتبنين فكرًا متحررًا اقتداءً بغيرهن من النساء أو الجمعيات دون دراسة فعالة وموضوعية للأهداف الحقيقية وراء هذه الصرخات النسوية، والتي في الغالب يقودها فكر تحرري مغرض ومناقض للمجتمع فتعتقد الكثيرات أنها تشارك في بناء مستقبل نسوي زاهر دون أن تدري أنها تساهم في بناء مجتمع هشيش لفقدانه أصالة نسائه، الفكرة أن الكثير من التحقيقات كشفت أن ما تحاول الأيديولوجية العالمية فعله من خلال المرأة هو كسر النمط المتحفظ في المجتمعات التي يصعب الوصول لنسائها، إذ إنهم يتبنون فكرة أن النساء ولصلابة أصالتهن سبب رئيس في تماسك هذه المجتمعات.

يجب القول إن حرية المرأة هي حقيقة لا يحق لبشري نفيها بل هي هبة ربانية لكل كائن خلقه في الأرض والإسلام خير دليل لذلك، كما أن وجود نساء مكافحات عبر مر تاريخ وظهور جمعيات ومنظمات خير سند وحصن لكل سيدات العالم وهذا أمر يصعب نكرانه، لكن القول إن المرأة تعيش تحررًا أو متحررة لا ينطبق إلا على المرأة التي تكون رأيها بنفسها، بل وترسم ملامح حريتها بمنطلق فكرها فتمارس تحررها في قلب مجتمعها لا بعيدًا عنه، الهدف من الحرية هو ممارستها خدمة لنفس وللغير ولتطور التاريخ الإنساني لا تعطيله لأهداف نرجسية، الحرية هي في الأصل اقتناع أنه لا مكان للعبودية حتى لو كانت باسم الحرية فعلى العربيات أن يتعلمن أن يرسمن أجنحتهن بعيدًا عن الأخريات لكي لا يعشن سجينات لا للعبودية ولكن للحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد